المحاضرة بعنوان مقدمات لحل المشاكل والأزمات، والتي كانت بمسجد أبو بكر بن شيخ بالخور بمدينة الشحر بين مغرب وعشاء يوم الجمعة 21 صفر 1447هـ الموافق 15 أغسطس 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
النص يحث على الحفاظ على نعمة الإسلام بتجديدها والبقاء فيها حتى الممات، ويحذر من تعريض الدين للشبهات والزلل.
المحاضرة تشير إلى أهمية التعامل مع المشاكل والأزمات وفقًا للشريعة الإسلامية، وتوضح أن هذه المشاكل أمر بدهي في الحياة.
يؤكد على أهمية الرجوع إلى الشريعة في حل المشاكل والأزمات والإصلاح بين الناس والمطالبة بالحقوق بطرق شرعية.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا هذا اللقاء في بيت من بيوت الله، نتدارس وإياكم ما ينفعنا من كتاب ربنا ومن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، بما يعود علينا نفعه في ديننا ودنيانا وأخرانا. فجز الله خيرا كل من أسهم في مثل هذه اللقاءات المباركة وهذه المجالس الطاهرة. إخواني في الله، سمعنا في كلمة أخينا الشيخ عمر حفظه الله تعالى ورعاه وأطال الله عمره وأبقاه، ما فيه التذكير بنعمة الإسلام، وهي نعمة ما أجلها من نعمة، ما هناك نعمة في الدنيا توازيها ولا تدانيها ولا تساويها. وربنا عز وجل قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، أعظم نعمة هي أن حباه الله عز وجلنا، لا بحولنا ولا بقوتنا، وإنما هو فضل محض من ربنا، من بين الخلائق أجمعين، حبانا بهذا الدين القويم وبهذا الصراط المستقيم. وإن مما ينبغي، إخواني في الله، إذا كانت هذه النعمة العظمى وهذه المنة الكبرى، أن ننبه على تنبيهين اثنين باختصار، تتم لهذا الموضوع الجلل، بعد معرفتنا أن الإسلام نعمة. التنبيه الأول: ينبغي الحرص على الحفاظ على هذه النعمة، وذلك بتجديدها والبقاء فيها، وأن نبقى فيها حتى نلقى ربنا عليها. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، لا تموت أبدا إلا وأنت معتنق للإسلام، مهما توالت عليك الفتن والمحن والكربات والأزمات، وابتليت بالفقر المطبق والمرض الشديد المؤلم، مهما لا تمت إلا على الإسلام. وإن مما أعظم ما يُثبتنا على الإسلام، القيام بشرع الله، هذا هو الثبات على الإسلام. احرص على الواجبات، على الفرائض، على النوافل، على السنن، على المستحبات. ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، هذا هو حقيقة الإسلام، الاستسلام لله. لماذا سمي الإسلام إسلاما؟ لعدة معاني، ومن أعظم معاني الإسلام الاستسلام، استسلم لربك. لا يصح في العقل ولا حتى في الشرع أن تكون مسلما والشرائع في واد وأنت في واد آخر. مسلم لا صلاة، لا زكاة، لا صيام، لا حج، لا ذكر، لا قرآن، لا طاعة، لا عبادة. جاء في بعض الآثار أنه يأتي على الناس زمان لا يعرف من الإسلام إلا اسمه فقط. تجد رجلا، والله لو رأيته لحاله، ولشكله، ولطبيعة علاقته مع غيره، تقول هذا كافر، هذا نصراني. لكن تتفاجأ إذا أتى لك ببطاقته: الديانة مسلم. مسلم من أين جاءك الإسلام؟ أنت ما تعرف الله، لا ركعة، لا تصوم رمضان، أنت مع الناس تأكل الخنازير وتشرب الخمور. هذا موجود، من عاش في بلاد الغرب ينسل. لا، يا عبد الله، الإسلام استسلام. ولهذا قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى: "ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام". احفظها، احفظها يا عبد الله. على قدر استسلامك لله وتسليمك لشرعه، هنا يظهر يا عبد الله مدى ثباتك على هذا الدين، وتموت بإذن الله من المسلمين. هذه الفائدة الأولى. إذا علمنا أن الإسلام نعمة، ينبغي أن نحافظ عليها. الفائدة الثانية، بعد معرفتنا أن الإسلام نعمة، ومن أجل النعم، إذن ينبغي أن نطرحها في مقام النعم. والقاعدة العامة في أن النعم لا تثبت، لا تثبت النعم، هي قابلة للسلب والرفع والأخذ والوضع. الإنسان كما أنه يتقلب في سائر النعم بين صحة ومرض، بين غنى وفقر، بين تعاسة وسعادة، كذلك هو يتقلب في تدينه لربه بين إسلام وبين كفر. لا تغتر، لا تغتر على ربك، فلا تظن يا عبد الله أن هذه النعمة التي حباها الله حصرية لك، ستبقى معك إلى أبد الآبدين، لا. هي نعمة عطاها الله لك، وإذا شاء الله سلبها منك. سلبها منك، وهنا يخاف المسلم. ولعبر يا عبد الله بمن هم حولك، لا تذهب بعيدا، بل انظر لمن حولك. الذي يسب الدين والرب، هل لا زال مسلم؟ سأل نفسك. الذي يتكاسل عن الصلاة، علقوا طائفة كثير من أهل العلم: مسلم، العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر. الذي يتشكك في قواعد الدين، كما نرى في هذه الأزمان من بعض الناس، أهل الفضول يفتحون التواصل الاجتماعي ويغوصون في عوالم مجاهيل، مع أناس الله أعلم من هم، من إنس أم من جن، ويناقشهم ويناقشونه، إذ به يختل في عقيدته. فيسألك: هل هناك شيء اسمه عذاب قبر؟ عجيب، من أين جئت بهذا السؤال؟ ويأتيك بالشبه حول الصحابة: الصحابة كلهم عدول، كلهم عدول. وإيش فعل هذا معاوية رضي الله؟ إيش فعل معاوية؟ ليش رفع السلاح على علي؟ ليش يريد الملك؟ وأخذ صاحبنا يهرف بما يعرف وبما لا يعرف، ويدخل في عرض الصحابة، ويدخل في أحوال أحوال البرزخ، ويدخل في أشراط الساعة، ويدخل إلى أين؟ إلى أين يا عبد الله؟ الحالة تصل إلى الكفر، تصل إلى الردة. حسبك، حسبك يا عبد الله، ما ربك ما سيأسألك عن هذا. حافظ على دينك، حافظ على دينك، وإياك أن تلوثه بالشبهات، وأنك تعرض هذه النعمة للزلل. كما أنك صحيح يا أيها الصحيح في جسدك، هل تحب أنك تماشي المرضى؟ أو أنك تأكل من المواد المنتهية؟ أو أنك تفعل أشياء تخشى عليك من العلل والأسقام؟ قل: لا، حاشا، الحمد لله أن في عافية، ما الذي يريدني المهالك؟ أسلم بنفسي. وهكذا دينك، أنت مسلم، إحمد ربك على الإسلام. فعلامة تعريضك يا عبد الله إلى هذه المتاهات، والتي ابتلي بها الكثير من شباب الأمة، حتى سمعنا وقد سمعتم ورأينا وقد رأيتم من أناس، لا أقول هنا ولا هنا، من هنا من أهل اليمن، من أعلن الكفر، من أعلن الإلحاد، من أعلن الردة، قالها صراحة: أنا ملحد، والله سمعتها، بل يتبجحون في التواصل يتبجحون: نحن ملاحدة. وكان بالأمس مصليا، وكان من أهل لا إله إلا الله. سلب الله منه النعمة لأسباب، لأسباب قد ارتكبها. فالله، فالله، الله يا عبد الله بنعمة الإسلام، نعمة حقها أن تذكر وأن تكرر بين الفينة والأخرى، وخاصة ونحن في هذه الأزمنة، والذي نرى فيها تقلبات الناس، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، لعظيم الفتن. فشاهد إخواني في الله، فهذه مشاركة لكلمة أخينا الشيخ عمر، حفظه الله، بما أحب أن يذكرنا به، وقد أحسن في تذكيره. فهي من المساء العظيمة الذي بها قوام الدين، بل قوام الدنيا والآخرة، على أن نكون من المسلمين. إخواني في الله، محاضرة هذه الليلة، كما قد أعلن في أي مقام ومكان، حول أو بعنوان: مقدمات في حل الأزمات والمشاكل. مقدمات لحل الأزمات والمشاكل. محاضرة هذه الليلة بإذن الله، على ما يتيسر له المقام، سأشير إلى بعض الطرق والوسائل والعلاجات التي من خلالها نستفيدها في أن نحل ونعالج الأزمات والمشاكل التي تعصف بنا. وهنا أحب أن أشير إلى بعض التنبيهات، كمقدمة لهذه المحاضرة. التنبيه الأول: مسائل المشاكل والأزمات هي في الحقيقة أمر بدهي، معنى بدهي، ما منا أحد، ما منا من أحد، سيسلم من المشاكل أو من الأزمات، بل هي واقعة، واقعة بين الفينة والأخرى. وهذا داخل في قول ربنا عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، على أحد التفاسير لهذه الآية، أي في تعب وفي مشقة ونصب. الإنسان يتعب في هذه الدنيا، ومن تعبه ما يجده من مشاكل وعزمات تعصف به، في ليله ونهاره، وفي صبحه ومسائه. وإن كان من بعض الناس أنه يريد أن يعتزل الخلق، يريد أن يهرب إلى رؤوس الجبال، حتى لا يبتلى بمثل هذه المشاكل والأزمات. بل بعض الناس كما علمنا يعزف عن الزواج، لماذا؟ قال: دوخة رأس، ومشاكل مع الزوجة ومع أهلها وأولاد ومسؤولية. أذن ليس بصوابها، يا عبد الله، ليس هذا حل. قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ويصبر على أذاهم". فالخلطة لا بد منها، وعليك أن تتحمل ما يأتيك منها. الفائدة الثانية، إخواني في الله، مما يتعلق أو التنبيه الثاني في هذه المقدمة، علينا أن نعلم إخواني في الله، أن الأزمات والمشاكل التي أعنيها، هي المشاكل التي تدب بين الأطراف، ويقع فيها منازعات. هذا الذي أعنيه بمحاضرتي. المشاكل والأزمات التي تكون بين أطراف، ويقع فيها منازعات، يدخل في ذلك المشاكل الأسرية، كالمشاكل الحاصلة بين الأزواج، أو الحاصلة بين الآباء والأبناء، أو التي تحصل بين الإخوة والأشقاء، بين الإخوة فيما بينهم، أو بين الأخوات والإخوان. ويدخل في ذلكم كذلك المشاكل الاجتماعية، كالمشاكل التي تقع بين الأقارب والأرحام، أو ما يقع من المشاجرات بين الجيران، أو ما يكون من الخصومات بين الأصحاب والزملاء والخلان، أو ما يتعلق بالمشاكل في تعاملك مع غيرك. ويدخل في هذا الموضوع أيضا ما هو أعم من ذلك، من المشاكل التي تقع بين القبائل والعشائر، أو ما يقع بين الدول فيما بينها، حتى ينشب بينهم ما يقع من الاقتتال، أو كذلك من المشاكل التي تحصل بين الراعي والرعية. فالحاصل أن هذه المشاكل، ما يكون من تنازع الأطراف، فإنها ستستفيد من خلال هذا الطرح الذي سأذكره. المقدمة الثالثة، مسألة مهمة، وهي: لماذا تقع المشاكل أصلا؟ ولماذا تحدث وتحصل؟ قد أشرت في المقدمة الأولى أن حصول المشاكل أمر بدهي. قد يقول قائل: ولماذا بدهي؟ لماذا تحصل أصلا المشاكل؟ المشاكل، إخواني في الله، ونعلم جميعا، وعلينا أن نعلم يقينا، بأن ما يقع في الكون من تغيرات، سلبا أو إيجابا، خيرا أو شرا، إنما هو بيد الله جل في علاه. فالله سبحانه وتعالى يتصرف كيف يشاء. فالكون كونه، والخلق عبيده، يفعل ما يشاء جل في علاه. إلا أن أفعال الله تدور بحكمته، كما قال أهل السنة. ولهذا كان إيقاع المشاكل والأزمات، سواء كان بين الأفراد أو المجتمعات، تكون حكما. ومن حكم إيقاع المشاكل، إخواني في الله، أن منها ما يكون عقوبة، عقوبة من الله، يعاقب الله عز وجل من شاء من عباده، بأن يبتليه بهذه الأزمات والمشاكل. والأدلة كثيرة، منها ما جاء في السنن، من حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: "يا معشر المهاجرين، خصال خمس، إن ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع والأوبئة التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيالة والميزان، إلا أخذوا بالسنين، وشد في المؤونة، وجور السلطان عليهم. وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذ بعض ما في أيديهم. ولم يتركوا زكاة مالهم، وما منعوا زكاة مالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا ما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم". هذه لربما إن صح بالتعبير العصري: أزمات الجدب والقحط والجفاف، الحروب الأهلية، ما يكون من ظهور الأوبئة والطواعين والأوجاع والأسقام والأمراض، ما يكون من شدة المؤونة وجور السلطان علينا، وحكم الجور والاستبداد، وما يكون من تسلط الأعداء علينا، بغزونا واحتلال أراضينا. هذه الأزمات، ما ردها؟ معاصي، معاصي حصلت منا، فعاقبنا الله بهذه الأزمات. إذن المشاكل أحيانا تأتي عقوبة من الله. وأحيانا تكون المشاكل يريدها الله رفعا لدرجاتنا، رفعا لدرجاتنا، كما قال عليه الصلاة والسلام: "ما يصيب المسلم من هم ولا غم، ولا وصب ولا نصب، حتى الشوك يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه". رفع لدرجاتنا، تطهير لسيئاتنا. الهم والغم، تأتيك مشكلة تزعزع من حياتك، تقض مضجعك، تعكر من سلوتك، هذه تؤجر عليها. ما تذهب عليك، تؤجر عليها. مشاكل مع الأولاد، مشاكل مع الزوجات، مشاكل مع رب الأسرة أو رب العمل، مشاكل في البحر، مشاكل في البر، مشاكل في الدولة، مع الأمة، مع الأسعار، مع البضائع، هم، غم، تؤجر على ذلك كله. حتى قال بعض السلف: "لو لا المصائب، لكنا عند الله مفاليس". مفاليس، عند الله، ما عندنا حسنات، ما عندنا عبادات، ما عندنا إلا مصائب ابتلينا بها، والحمد لله. هذه المصائب تنقلب حسنات. هذه حكمة من الله، كذلك من حكمة الله جل وعلاه، من حصول المشاكل والأزمات، إخواني في الله، أن فيها تقويما للأشخاص والأعيان. في أن الله عز وجل ينظر للعباد، كيف يتصرف في هذه المشكلة، أو مع هذه الأزمة. والمعول كيف تتصرف؟ هل تتصرف في هذه المشكلة على موجب ما أمر الله؟ تتصرف بعقل، بحكمة، بدين، بشرع، برفق، بإنصاف، بعدل؟ أم أنك تتصرف في هذه المشكلة يا عبد الله بتعسف، بظلم، باستبداد، بعنف؟ هنا يفترق الناس. كيف يفترقون في الأزمات والمشاكل في تعاملهم؟ كما جاء في قصة الثلاثة، ولا أطيل في ذلك المقام، قصة الثلاثة: الأقرع والأبرص والأعمى، كيف ابتلاهم الله، حتى يرى الله كيف تصرفوا. فالشاهد، إخواني في الله، أن حصول المشاكل والأزمات، ففيها من الحكم ما فيها. الفائدة الرابعة، ولازلنا في المقدمة لهذا الموضوع، المقدمة الرابعة، في موضوع حل المشاكل والأزمات، أن حديثي في الحقيقة سيكون عبارة عن ارتكاز على حديث نبوي، أو قل واقعة حصلت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الواقعة سنبقى فيها، ونتمعن في مآلها ومعانيها، ونستلهم العبرة والعباط في كيفية حل المشكلات والمعضلات. وهذا فيه تنبيه لنا جميعا، إخواني في الله، على أن المسلم ينبغي أن يرجع إلى دينه في كل شؤون حياته. وليس من الصواب ما يظنه بعض الناس، من أن الشريعة والدين إنما يرجع إليه فيما فيه صلاح في أمر تعبدنا مع ربنا فقط، لا. لا ليس هذا فحسب، بل إن الدين جاء لما هو أعظم من ذلك، جاء لكي إصلاح أحوالنا في هذه الدنيا، في إصلاح أحوالنا مع الراعي والرعية، في حل مشاكلنا وأزماتنا، سواء كان اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية. بل جاء الدين والملة جاء في أنه يدفع بنا إلى ما فيه مجدنا وعزنا ونهوضنا في هذه الأمة، وبين الأمم. فالإسلام والدين وشريعة جاء بما لا تتصور عقولنا، فلا نضيق به واسعا. لهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، الحياة طيبة، كما قال المفسرون، في الدنيا والآخرة، تعيش حياة رغد، حياة طيبة، بمعنى الكلمة، من ستر الحال، من راحة البال، من نعمة الأمن والأمان. هذا إذا راجعت إلى الدين، إلى الشريعة. وقد قال ربنا عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، لابد في كل ما تشجرنا به، في أي مشاكل، أي أزمات، نرجع إلى الشرع. ما عندنا فصل، كما يزعم بذلك من لدينا، العلمانيين والليبراليين، أننا لا دخل للدين في حياتنا الشخصية. لا، الدين له دخل في كل شيء، في كل شيء. حتى قال ذاك اليهودي لسلمان الفارسي، مستعجبا، مستغربا: "إن الدين علمكم كل شيء، حتى الخراءة". حتى الخراءة، يعني حتى لما تقضي الحاجة، الدين علمكم. نعم، علمنا، ما تركنا هملا. فاحمد الله، يا عبد الله، على هذا الدين العظيم. إذن هذه المقدمات، إذن هذه المقدمات أربع، إخواني في الله، أجعلها بين يدي المحاضرة، وهي المقدمات في حل المشاكل والأزمات. الشروع إلى الموضوع يكون أولا بذكر ما هي الحادثة التي سأشير عليها، والتي سأشير إليها الحديث، ما جاء في الصحيحين، في واقعة وقعت في السنة الثامنة من الهجرة، بعد فتح مكة، حين غزى نبينا صلى الله عليه وسلم هوازن، تحديدا في حنين. فتحصل نبينا صلى الله عليه وسلم على أموال كثيرة، وكثيرة جدا، آلاف الإبل، وعشرات الآلاف من الغنم، ودنانير، نهيك عن الذهب والفضة. فقام نبينا صلى الله عليه وسلم في توزيعها، إلا أن توزيعه عليه الصلاة والسلام نحى منحى مختلفا، إذ أنه خص التوزيع لطائفة من الناس، وهم المؤلفة، وأعني بالمؤلفة، أي من أسلم قريباً من فتح مكة، أسلموا قريباً في فتح مكة، حضروا الغزو، فأعطاهم نبينا، وليس أي عطاء، العطاء الكثير. أعطى هذا مئة من الإبل، ليست واحدة، ولا خمس، ولا عشر، مئة من الإبل. وذاك المئة، وذاك مئة، بل ذاك المئة والمئة، وذاك أعطاه ألف من الغنم، وذاك ألفين من الغنم، وذاك واد من الغنم، حتى تنادى الناس: "إن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر". هذا ما يخشى الفقر، والله يعطي، شيء كنوز، من آتاه أعطاه، أعطاه، أعطاه، أعطاه عليه الصلاة والسلام. لكن بالمقابل ترك أناسا، ترك الأنصار، ما أعطاهم شيئا، ما أعطاهم شيئا. فوجدوا في أنفسهم، بل وكل واحد منا قد يقع في نفسه: نقوم مع بعض في عمل واحد، في شغل واحد، فكان ينبغي أن العطاء للكل. فتجد أن النبي أعطى هؤلاء المسلمة من المؤلفة، ولا يعطي الأنصار شيئا. فوجدوا في أنفسهم، مع أنهم قد قاتلوا، وهم الأسبق، وهم الأقدم، وهم الأصدق، وهم الأحق. حتى تكلموا، تكلم من تكلم. وفي الصحيح قال: "حتى كثرت منهم القالة". كثر منهم الكلام: إيش؟ إيش؟ ليش؟ ليش؟ ليش صار؟ إيش؟ ليش أحنا؟ أين نحن؟ أين نصنع؟ أين نصنع؟ تكلم، تكلم الناس. هنا نسمي هذه مشكلة حصلت. الآن سنرجع إلى الحديث، ننظر كيف تعامل نبينا صلى الله عليه وسلم إلى حل هذه المشكلة. وكما قلنا هي نافعة جدا في خطواتها إلى الوصول إلى بر الأمان. وقد لا يسع المقام إلى الإتيان على كل الحديث، لكن حسبنا بما نستطيع عليه في هذا المقام. من ذلكم، أول طبعا هناك تنبيه على أن من الحلول لهذه القضية، ليس فقط من قبل رسول الله الحل، بل كان أيضا من سلوك الأنصار، كان من سلوكهم حلول القضية. أحيانا، إخواني في الله، المشاكل قد تكون حلها بيد أصحابها، إذا أحسنوا التصرف، فإن المشكلة سرعان ما تحل، سرعان ما تحل. كما سيأتي معنا. نبدأ أول ما وقعت هذه المعضلة، ذهب سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله، ودخل عليه. وسيأتي معنا ما الذي صار من سعد إلى رسول الله. قبل الدخول في الحوار، فقط مجيء سعد، ذهب سعد، هنا وقف إخواني في الله، في بيان على أنه في أوقات الأزمات والمشاكل، ينبغي أن يتدخل العقلاء والكبراء والأعيان والوجهاء. فسعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه من أعيان الأنصار، من أعيان الأنصار. وفيه أن الناس، إخواني في الله، إذا كانوا من كانت عندهم مشكلة، مثلا أراد أن يرسل مندوبا عنه، فليختار الأعقل والأنصح والأصلح، يبحث عن من له الأهلية في أن يتكلم بالنيابة عنه. فإن هذا له دور عظيم في حل المشكلة. لهذا قال ربنا عز وجل في مسألة المشاكل بين الأزواج: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، ذكر المفسرون في تفسيرهم أن هؤلاء الحكام، المندوب عن الزوجة، والمندوب عن الزوج، في حل القضية، قالوا: أنهم عقلاء، فهماء. مو أي واحد ينفع للصلح، ليس أي واحد ينفع للصلح. مو عندما تأتي مشكلة وترسل أحدا، ترسل الأهوج الذي ما يحسن التصرف، لا في كلامه ولا في سلوكه وأفعاله، بل هذا يفسد أكثر مما يصلح، يفسد أكثر مما يصلح. فلابد أنه يختار النخبة، العقلاء. في الحديث، ما حصل وصار، نبينا صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، عندما انتظر أن يأتي المندوب من كفار قريش، أرسلوا سهيلا، قال عليه الصلاة والسلام: "أتاكم سهيل، سهل الله أمركم". استبشر نبينا، المشكلة ما في حل إلى الآن ما في حل، لكن استبشر نبي بقادم القادم، وإن كان كافرا، لكنه رجل رزين، عاقل، عاقل، يعرف نبينا كيف سيتكلم معه، سيزين الأمور، يعرف ما الآلات ينصف. لما علم علم نبينا بقدوم سهيل، قال: "أتاكم سهيل، سهل الله أمركم". وتم الصلح، تم الصلح. فأحيانا، الإخوان في الله، المندوب ينفع. فلما ذهب سعد بن عباد، كان في ذلك حل للمشكلة أيضا، هذا إذا قلنا على أن سعد أرسل من قبل الأنصار، هم الذين أرسلوه، فالله أعلم. لكن يحتمل أن سعد ما هناك أحد أرسله، ما أرسله أحد، لكن نظر للواقع، نظر لأصحابه، نظر لعشيرته وقبيلته، وما ألم بهم من الحزن، فما سكت، ذهب، أي هنا ذهب بنفسه، ذهب بنفسه. وهذا فيه فائدة، فائدتها يا عبد الله، على أن الإنسان العاقل القادر، إذا وجد من نفسه أن يكون حلا لأي مشكلة أو معضلة، فليتقدم، ولا ينتظر، يتقدم ولا ينتظر. وهذا يدخل في عموم السعي للإصلاح بين المسلمين. قال عليه الصلاة والسلام: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاح ذات البين". إصلاح، يا عبد الله، ذات البين، أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة. فمثلا في البيت، أنت ولد عاقل، علمت أن أباك قد تشاجر مع أمك، هل تتركهم؟ تقول: والله هم عقال، دعك منهم، لا. ها ها، تقول: وصلح، يا عبد الله. علمت أن أناسا من أصحابك، من زملائك، وين فلان؟ والله فلان، إيش بغت منه؟ خلاص، عرفت أنه قد تزاعل، لا تتركهم. قال: لا، ما يصلح، هذا. تعال، يا فلان، تعال، ادخل، لا تنتظر أنك تدخل أو تستأذن، بل أنت أدخل. هذا على رواية أن سعد بن عباد هو الذي قدم بنفسه، قدم بنفسه، من نظر أن يأمره أحد. ففيه أن الإنسان العاقل القادر على الإصلاح، أن يتدخل. وهذا نافع، إخواني في الله، في كثير من المشاكل. نأتي إلى المسألة الثانية. دخل سعد بن عباد إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فبدأ الحوار. قال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في نفوسهم، وجدوا، أي أخذوا في نفوسهم عليك. قال عليه الصلاة والسلام: "فيما فيما قال؟ فيما كان من قسمتك للغنائم في قومك، وفي سائر العرب، وفي سائر العرب، ولم تعط الأنصار منها شيئا". فقال عليه الصلاة والسلام: "وأين أنت من ذلك يا سعد؟ وأين أنت من ذلك يا سعد؟ أنت وضحت وجهة نظر قومك الأنصار، أخذوا علي لأني ما عطيتهم، وأنت وأنت، فما ترى يا سعد؟ قال: يا رسول الله، ما أنا إلا رجل من قومي، أنا معهم". صحيح، أنا معهم، في نفسي، في نفسي شيء، في نفسي شيء. هذا الحوار، أو هذه الخطاب، من سعد بن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه إخواني في الله، عدة مسائل. المسألة الأولى: فيه أن سعد عبادة رضي الله تعالى عنه طالب بأمر يعد من حقوق الأنصار، يعد من حقوق الأنصار. ولهذا تركه نبينا أن يطالب بحقه. أنهم أرادوا مثل ما أعطى الناس، اعطنا يا رسول الله. والمطالبة بالحقوق، إخواني في الله، أمر شرعي، أمر شرعي. بل قال عليه الصلاة والسلام: "دعه، فإن لصاحب الحق مقال". لصاحب الحق مقال، لصاحب الحق حق في أن يطالب بحقه. بل الشريعة جاءت بإعطاء الحقوق لأهلها، كما قال عليه الصلاة والسلام: "وعطي لكل ذي حق حقه". كل واحد ينال حقه الذي له، كل واحد ينال حقه الذي له. وقال عليه الصلاة والسلام: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها". الإنسان إذا طالب بحقه يؤد إليه. فالمطالب، إخواني في الله، بالحقوق، وأن الإنسان يطالب بشيء يراه من حقه، هذا مطلب شرعي، والشريعة تكفلت بهذا. لكن المشكلة تكمن في كيفية المطالبة. فلا يكون، فلا تكون مطالبة بحقك يا عبد الله على حساب أن تتعدى حقوق الآخرين، هذا لا ما يجوز شرعا. ومن حضر في خطبة اليوم قد أشرنا إلى هذه المسألة، إلى أن الإنسان له أن يطالب بحقه، لكن لا يتعدى ما فيه مضر لغيره. فمثال مثاله: الزوج من حقه أن يطالب الزوجة بتأدية حقوقه، لكن ليس عن طريق الضرب المبرح. وهكذا الزوجة لها أن تطالب زوجها بأن يؤدي حقها، لكن ليس على حساب أن تعصيه وتؤذيه. وهكذا الأبناء لهم الحق في أن يطالب آباءهم بأن يؤدي حقوقهم، بالمعروف، لكن ليس يكون ذلك على حساب أن الإبن يعق والديه، بتشهيره، بتنفيره، بأن يتحدث عليه، لا ما يجوز هذا. وهكذا أن عامل له الحق في أن يطالب مسؤوله بأن يؤدي حقه، لكن ليس على حساب أن يعطل العمل. وهكذا الرعية لها أن تطالب الراعي بأن يؤدي حقوقهم، لكن ليس على حساب إتلاف ممتلكات الغير والممتلكات العامة، لا لا يكون هذا. فكون الإنسان يؤدي، يطالب بحقه، هذا مكفول شرعا، طالب، لكن بالأطر الصحيحة، بالأطر الصحيحة. وهذا الذي جاء في خطاب سعد رضي الله تعالى عنه، أنه تكلم بالنيابة عن قوم، بشيء يرون من حقهم، فطالبوا به، لكن بكل أدب، ما هناك زعزع، ولا قلق، ولا إثار للفتن. والفائدة الثانية المستفادة من حديث سعد، فيه أن الإنسان ولو طالب بشيء من العطاء، فهذا ليس فيه طعن بالنيات والنوايا. فمن فُتح مثلا من عمل عملا خيريا، ساعد في هنا، وساعد هنا، وعمل عملا خيريا، وراد إعانة على مساعدته وعلى عمله الخيري، هل يأتي أحد ويقول: يا أخي، إيش تريد في الدنيا؟ الدنيا، وصح يا أخي، خلاص يا أخي، أجعله لله وفي الله، أنا ما توقع أنك تطلب مال، ما يصح هذا. فيعامل الإنسان بما جرى به العرف، رجل فطن، على عمل خيري، إماما، أو صلى بالناس، أو أنه أقام حلقات، أو أنه نظف المسجد، أو أنه أعان بصيانة المسجد، وقص على ذلك. الفائدة الثالثة كذلك المستفادة من خطاب سعد، ما كان من المصارحة. المصارحة، إخواني في الله، تعتبر من الحلول التي تعين في حل المشكلة. فسعد كان صريحا في كلامه. قال: يا رسول الله، إن هذا الحي قد وجدوا عليهم في نفوسهم. قال: فيما في قسمتك. وقال لما طلب رأيه: "وأنا مع القوم، ما أنا إلا رجل من قومي". فالمصارحة، إخواني في الله، في موضوع المشاكل، الأمر لابد من المصداقية فيه. فما يكون لك حل المشاكل التي تقوم على اللف والدوران. أحيانا تدخل أنت كمصلح في بعض القضايا، المشاكل الأسرية، المشاكل الاجتماعية، المشاكل الإقليمية، إذا جلست مع الأطراف، عندما تسألهم: ما هي المشكلة؟ ما هي المعضلة؟ لربما أعطوك طرف الكلام، طرف المشكلة، ليس الحقيقة الكامنة. فهنا عندما يأتي الحل يأتي الحل الذي طرح، وهنا يأتي الخلل. فما تحل الكثير من المشاكل، عدم المصداقية. لكن لما علم سعد أن هنا ما تنفع إلا الصراحة، فأعطى نبينا الحادثة وما في واقع الناس، حتى يعلم نبينا صلى الله عليه وسلم ما يدور في الخفاء. هذا يا رسول الله هو الحاصل. ومن هنا إذا أراد من أراد من حل مشكلة أو أزمة، ينبغي أن يأتي بحقيقتها على وجهها. ماذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم عندما علم بهذه الأزمة وبهذه المشكلة؟ قال: "يا سعد، اجمع لي قومك في هذه الحضيرة". والحضيرة، كما قال الشراح، هو المكان الواس