المحاضرة بعنوان وسطية أهل السنة، والتي كانت بمسجد حمزة بن عبدالمطلب بمدينة الشحر بين مغرب وعشاء يوم الجمعة 30 محرم 1447هـ الموافق 25 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبرز أهمية فهم الوسطية لتمييز دعوة أهل السنة عن غيرها من الفرق، ويعزز بصيرة أهل السنة لمواجهة التشويش. الوسطية هي الاعتدال بين الضلالتين وتميز دعوتهم.
يتوسط أهل السنة بين الإفراط والتفريط في مسائل الأسماء والصفات والقضاء والقدر. يتبنون نهجًا وسطًا في هذه القضايا لتمييزهم عن الفرق الضالة.
يتوسط أهل السنة بين الغلو والتقصير في الأخذ بالسنة والعبادات، ويعظمون السنة الصحيحة. كما يبين وسطيتهم في مسائل الولاء والبراء وعلاقة المسلم بغيره.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله أخواني في الله، فإننا نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا هذا اللقاء في هذا المسجد المبارك، مسجد حمزة بن عبد المطلب، نجتمع وإياكم فيه على ما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا، فجز الله خيرًا كل من أسهم في عقد مثل هذه المجالس المباركة وهذه اللقاءات الفاضلة التي يعود نفعها للقاصي والداني وإلى المستمع قبل المتكلم. وبعد ذي بدء نتوجه بالشكر بعد شكر الله لأهل هذا المسجد خاصة لما كان من استضافتهم، كانوا ولا زالوا لأهل السنة في إلقاء الكلمات والمحاضرات، فجزاهم الله خير الجزاء، فنسأل الله أن يبارك لأهل هذا المسجد هذا الحي، وأن الله عز وجل يبارك في بانيه وفي القائم عليه وفي رواده وفي أهله. وهكذا شكرنا لأخينا سامي حفظه الله جل في علاه وسدد ربي على الخير خطاه، فيما كان من ترحيبه وفيما كان من حسن استقباله لإخوانه، فنسأل الله عز وجل أن يبارك له في جهوده وفي عمره وفي عمله. إخواني في الله، سمعتم أن هذا المجلس وهذه المحاضرة معنونة بعنوان الوسطية عند أهل السنة والجماعة، هذا الموضوع إخواني في الله لهو من المواضيع المهمة التي ينبغي أن تُطرق بين الفينة والأخرى لأهميتها ولعظيم شأنها. وإن كان ولابد أن أدلل على أهمية طرق هذا الموضوع من شتى المواضيع لعدة أمور، منها أن من خلال معرفتنا لوسطية أهل السنة والجماعة مع سائر الفرق من المخالفين ستتعرف عبد الله على حقيقة دعوة أهل السنة، ستتعرف على أركانها وعلى شيء من اعتقاداتها وعلى شيء من ثوابتها وأصولها. في وقت حصل فيه التشويش والتشويه على معالم هذه الدعوة المباركة في هذه الأزمان، والتي تكالفت كل الفرق على أنها تضرب بقلب وبيد رجل واحد على ضرب هذه الدعوة المباركة لتنفير الناس عنها. وأيضا من خلال معرفتنا لدعوة أهل السنة والجماعة يزداد أهلها وروادها بصيرة بها، إذ أنه من المؤسف أن الكثير من من ينتسب إلى دعوة أهل السنة والجماعة إلى الآن لم يتفقه في أصولها ولا في معالمها. ولهذا تجده عند أدنى شبهة يتضعف ولا يستطيع أن يرد أو أن يفحم غيره، بل ربما تردى أو قل على أسوأ الأحوال أنه يتردد، وهذا ضعف، ضعف يا عبد الله أن تنتمي لهذه الدعوة المباركة وأنت لا تعرف شيئا عنها ولا عن أصولها ولا عن معالمها. فهذه المحاضرة سيصلك شيء من بعض مبادئها وأصولها. الفائدة الثانية مما تستفاد ونستفيده من طرق وسطية أهل السنة والجماعة بين باقي الفرق من فرق البدع والضلالة والشبهات والشهوات، ما يكون من التعرف على دعوات المخالفين، على دعوات المخالفين، أن تنظر إلى حقيقة دعوتهم وإلى أصول معالمهم وإلى ماذا يدعون. تقارن دعوتهم بدعوتك يا أيها السني يا أيها السلفي حتى تعرف حقيقة الخلاف، وهذا مما أمر الله جل وعلا به، وكذلك تفسر الآيات ﴿وَلْتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، لا بد يا عبد الله أن تكون عندك رؤية واضحة في معرفة منهج المخالف، منهج الخصم، تعرف على ماذا يجول، على ماذا يدور، على ماذا يقول. بعض الناس لربما من حسن نية لربما يرى أن الخلاف بين أهل السنة وبين غيرهم من المخالفين عبارة عن مسائل اجتهادية، عن مسائل اجتهادية يمكن بجلسة واحدة، جلسة مغلقة لربما تحل المشاكل، عفا الله عما سلف. بل حتى سمعنا من بعض لا يدري بحقيقة الخلاف يرى أن الخلاف بين أهل السنة وبين غيرها من الجماعات والفرق الضالة، أن ما بينهم من الخلاف هو كالحاصل ما هو دائر بين المذاهب الأربعة، ما المذاهب الأربعة؟ الخلاف الحاصل فيها هو هو بنفس حاصل بين أهل السنة وبين غيرهم من الجماعات. وهل الأمر كذلك؟ لا يا عبد الله، لا يا عبد الله، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ستنقسم هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، ثم تأتي وتهون الخلاف الدائر بين أهل السنة وبين غيرهم، الجواب لا، كذلك إخواني في الله. من خلال طرق هذا الموضوع الوسطية، ومن خلاله سنتعرف على الصادق في دعواه للوسطية، بين المدعي وبين المدعي، قد سمعتم في مقدمة أخينا سامي حفظه الله أن الكثير من الفرق بل لا أقول الكثير بل كل الفرق ترفع راية الوسطية، لا أحد يحب أن يلزم بالتطرف وإنما يفتخر بالوسطية. فتجد الطائفة كافة عن بكرة أبيها وهي ترفرف بهذه الراية، الأمر ليس بدعوة، الأمر ليس بدعوة، فكل يدعي وصلاً بليلى، ولا تقر لهم بذاك، وإنما الحاصل والفاصل الذي يفصل بين المدعي في دعوة وبين الصادق هو هذه المعالم، في هذه المعالم. فمن سار عليها سار على الحق المبين، سار على الوسطية، ومن ذهب يمنة أو ذهب يسرة اعلم يا عبد الله أن هذا خارج عن الوسطية، ليس فيها، في عير ولا في نفير. وهكذا إخواني في الله من فوائد معرفة الوسطية التي تكون لأهل السنة والجماعة، التعرف على فضيلة هذه الدعوة المباركة، إذ أن من أعظم خصائصها ومن أعظم مميزاتها أنها تقوم على الوسطية، تقوم على الوسطية. وهذا الوصف في الحقيقة هو وصف للإسلام، هو وصف للإسلام، دين الإسلام وصفه ربنا جل وعلا بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، الآية تتحدث عن الإسلام، الإسلام هو دين الوسطية، فهو وصف بين المنل وبين المحل، وصف بين اليهود وبين النصارى، وصف بين الكفار وبين المشركين، وصف في كل أحوالهم، في عقائدهم، في عباداتهم، في معاملاتهم. فلما كان الإسلام هو دين الوسطية، وكان أهل السنة هم الطريقة التي تتمثل الإسلام الصحيح، فكانت هي دعوة الوسطية، هي دعوة الوسطية، فينبغي إخواني في الله أن نتفقه في هذا الباب حق التفقه، رعاكم الله. إخواني في الله، من المباحث المهمة المتعلقة بمبحث الوسطية، علينا أن نعلم ما هي الوسطية، دارت كلمة العلماء وكذلك كلمة المفسرين على أن الوسط بمعنى العدل، الخيار، ﴿وَكَذَلِكُمْ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدلاً خياراً. والعدل هو الذي يكون وسط بين متناقضين، بين تشديد وإفراط، وبين تسهيل وتضييع، فيكون الحق بينهما، ولهذا قال العلماء: معنى الوسطية في الحقيقة هو الاعتدال، معنى الوسطية هو الاعتدال، وهو الحق المستقيم بين ضلالتين، بين ضلالتين. فدعوة أهل السنة والجماعة من توفيق الله أن الله جل وعلا جعلهم على الحق المبين، فجعلهم بين متناقضين متقابلين، قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «سنتكم والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي»، سنتكم والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي. هذه السنة وهذه طريقة أهل السنة هي طريقة تشق طريقها كما يقال في واد بين جبلين، بين ضلالين، بين بدعتين ذميمتين، بين الجفاء وبين الغلو، بين التساهل وبين التشدد، بين الإفراط وبين التفريط. وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «إن الله جل وعلا لم يأمر بأمر إلا وكان للشيطان فيه نزغتان، نزغة إلى إفراط وغلو، ونزغة إلى تفريط وإضاعة»، «وأهل الحق ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه»، هذا هو دين الله، وهذا الذي سار عليه أهل السنة والجماعة، أنهم اتخذوا هذه الطريقة الوسط التي هي بين مفسدتين وبين بدعتين. إخواني في الله، الحديث عن الوسطية أمره يطول، إذ أننا نحتاج إلى أن ننظر ونتابع مذهب أهل السنة والجماعة في معظم دينها وعقائدها وركائزها، وأن نقارن هذا بينها وبين ما عليه المخالفين عن اليمين وعن الشمال. ولهذا يذكر العلماء في هذا المقام مبحث الوسطية لأهل السنة في باب العقيدة والتوحيد، وهذا من أوسع الأبواب، مبحث الوسطية لأهل السنة في باب المعاملات والعلاقات، مبحث أهل السنة في الوسطية في باب الطاعات والعبادات، وغيرها من الأبواب. ولضيق المقام، إخواني في الله، سأشير إشارات في بيان بعض معالم الوسطية مع الرد على بعض المخالفين، وهذا يرجعنا إلى مسألة فوائد، أهمية هذا المبحث، الرد على المخالف، الرد على المخالفين، وهم كثر، لا كثرهم الله. نبدأ إخواني في الله في بيان وسطية أهل السنة والجماعة في باب العقيدة، نبدأ في باب الأسماء والصفات لله عز وجل، الأسماء الحسنى والصفات العلا، إلا أن أهل البدع والضلال خالفوا في هذا المقام على طرفين نقيض، فمنهم من ذهب إلى مقام التعطيل، ومنهم من ذهب إلى مقام التمثيل. المعطلة هم طائفة من أهل البدع ذهبوا إلى إنكار باب الأسماء والصفات، ألغوا ما لله من الأسماء الحسنى والصفات العلا، على تفاوت فيما بينهم في مسألة الإنكار، بين مستقل ومستكثر، منهم من ألغى الباب بالكلية، منهم من ألغى باب الأسماء، منهم من ألغى شيئا من الصفات، كالجهمية والأشاعرة والمعتزلة. هؤلاء طائفة، قسم أخذوا جانب من جوانب الاعتقاد في باب الأسماء والصفات، قابلهم بالمثل قابلهم بالضد قوم وهم المجسمة، وهم الذين قالوا: لا بل نثبت لله الأسماء والصفات، لكنهم أثبتوها شبيهة بما عليه المخلوق، فأثبتوا لله ما عليه المخلوق من صفات. وهذا كحال المجسمة والمشبهة والممثلة، وهؤلاء على باطل، وهؤلاء على باطل، ووفق الله أهل السنة إلى القول الوسط، الحق المبين، فإنهم أثبتوا لله كل اسم وكل صفة لله جل وعلا على ما يليق بجلاله، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل. قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، «ليس كمثله شيء» رد على المجسمة والمشبهة والممثلة، «وهو السميع البصير» رد على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة. باب آخر من مسائل المعتقد ما يتعلق بقضية القضاء والقدر، فإن الله عز وجل ذكر من أركان الإيمان الإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشره، خيره وشره، إلا أن فرق الضلال جنحوا ذات الشمال وذات اليمين. فمنهم من ذهب في باب القضاء والقدر على أن الله عز وجل ما قدر شيئا على عباده، ما قدر شيئا على عباده، وأن العباد هم الذين يحكمون أنفسهم بأنفسهم، بمعنى أن أعمال العباد هم العباد خلقوها، ما هناك خالق إلا هم، ما هناك خالق إلا هم، حركاتهم، سكناتهم، طاعاتهم، معاصيهم، هم الذين خلقوها لأنفسهم. وهؤلاء هم القدرية، نفات القدر، قابلهم بالعكس وبالضد الجبرية، خالفوا، قالوا: لا، بل نقول بأن الله عز وجل قد أجبر العباد على أفعالهم، فأفعال العباد خلقها الله، بل إن الله جبرهم عليها جبرا، فحركاتهم وسكناتهم تفعل لا إراديا، أي ليس للعبد قوة، وليس للعبد مشيئة، وليس للعبد قدرة. حال العبد وأفعاله كحال الريشة إذا كانت في مهب الريح، ترى الريشة ورقة خذها وارم بها تحت المروحة أو تحت ريح، ما كيف ترى الورقة يمنة ويسرة، يمنة ويسرة، من الذي يحركها؟ الورقة تتحرك لا، الهواء يحركها. قال: وهكذا العبد، ربنا هو الذي يحركه، وأنت لا تتحرك أصلا، هؤلاء الجبرية، فهدى الله عز وجل أهل السنة إلى القول الوسط، فأنكروا على القدرية في تعطيلهم لخلق الله لأفعال العباد، وأنكروا على الجبرية في قولهم أن العبد مجبور بفعله. فقالوا: لا، بل إن للعبد مشيئة، للعبد قدرة، وأن قدرة العبد وأن مشيئة العبد هي خاضعة تحت مشيئة الله، قال ربنا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، «وما تشاءون» أثبت الله للعبد مشيئة، رد على الجبرية، «إلا أن يشاء الله» فيه مشيئة الله نافذة في عباده، وهذا رد على القدرية. مبحث آخر في باب الوعد والوعيد، أهل السنة وسط بين فرق الوعد والوعيد، بين الخوارج وبين المرجئة، الخوارج ذهبوا إلى أن العصاة ومن كان من أهل الكبائر من الذنوب والآثام، أن هؤلاء كفار، فكل من فعل كبيرة، زنا، شرب خمرا، هذا خرج من الدين والملة، خالد مخلد في نار جهنم. خالفهم في ذلك على الضد المرجئة، قالوا: بل يرون أن المعاصي بكل أنواعها وصورها ما تؤثر في الإيمان أصلا، فإن الزاني وإن زنى، والسارق وإن سرق، وشارب الخمر وإن سكر، فإن إيمانهم كإيمان أبي بكر الصديق، إيمانهم كإيمان أبي بكر الصديق، المعاصي عندهم لا تؤثر. فحينها أتى الله بالحق المبين على يد أهل السنة، الطريقة الوسط، لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، ردوا على الخوارج وردوا على المرجئة، فأثبتوا على أن من فعل معصية كبيرة كانت أو عظيمة أو موبقة من الموبقات، فإن هذا يؤثر، لكن تأثيره على الإيمان إلى النقصان لا إلى الإضمحلال، إلى النقصان لا إلى الإضمحلال، إلى النقصان، رد على المرجئة، لا إلى الإضمحلال، رد على الخوارج. واستدلوا بقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فعندهم أن من فعل معصية هو ناقص الإيمان، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له جل في علاه. مبحث رابع من مباحث العقيدة التي تظهر فيها وسطية أهل السنة، ما يكون من مذهب الصحابة والقول في مقام الصحابة، التنازع فيهم، الخوارج والرافضة، فالرافضة غلوا في علي رضي الله تعالى عنه وفي أهل بيته من أبنائه وذريته. فقالوا عن علي رضي الله تعالى عنه بأنه ليس فقط صحابي، لا بل هو إمام معصوم قد وصل به الحد إلى معرفة علم الغيب، فأنت السميع وأنت البصير وأنت على كل شيء قدير، قالوها في علي، حتى أنهم أوصلوه إلى مقام الألوهية وإلى مقام الربوبية، وأنه فعال لما يريد، وأن الجنة والنار تحت إمرته. فغلوا الرافضة في علي وفي ذريته وفي آل بيته، بالمقابل قابلهم بالعكس الخوارج، الخوارج الذين نابذوا عليا فكفروه، فانظر إلى الفرق، أولئك ألهوه، وهؤلاء كفروه، كفروه، وسلوا السلاح على علي فقاتلوه وقاتلوا جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وكان منهج أهل السنة والجماعة هو المنهج الوسط الذي علم به القاصي والداني، فردوا على الروافض وردوا على الخوارج، فأثبتوا أن عليا رضي الله تعالى عنه أنه من خيرة أصحاب رسول الله، وأنه من الخلفاء الراشدين، وجاءت في حقه المناقب، وجاءت في حقه الفضائل، فيه وفي أهله وفي ذريته. لكن هو وبقية أصحابه كباقي البشر، معلو منزلتهم، هم بشر، يعتريهم ما يعتري البشر، فهم يخطئون ويصيبون، ويعلمون ويجهلون، مع حفظ مكانتهم، هكذا اتضحت معالم الوسطية في مقام الصحابة عند أهل السنة. كذلك مبحث آخر من المباحث العقيدية، ما يكون من مبحث كرامات الأولياء، فإن كرامات الأولياء كذلك تجاذبتها أطراف متقابلة عن اليمين وعن الشمال، بين إفراط وبين تفريط، بين تسهيل وبين تشديد. فطائفة ذهبت إلى الغلو في باب الكرامات، كرامات الأولياء، إلى إثباتها، بل وإلى اختراعها وإحداثها، ثم أخذوا ينظرون إلى أهلها إلى نظرة غلو، وأن هؤلاء وأصحاب الكرامات أنهم يعلمون الغيب، وأنهم وصلوا إلى مقام يمكن أن نتوجه نحن إليهم بالعبادات. فهكذا تجد الزيارات الشركية وزيارات القبورية، يشد الرحال إلى أناس يزعم أنهم أولياء، فإليهم يستنجدون، وبهم يستغيثون، وبأسمائهم يهتفون، وإليهم يصلون، وحول قبورهم يطوفون، هؤلاء جنحوا إلى الغلو فيهم. بالمقابل نذهب إلى المعتزلة، الذين نظروا إلى كرامات الأولياء إلى أنها شعوذة، وإلى إلغائها عن بكرة أبيها، ويرون أن الكرامات إنما هي مداخل شيطانية، وأن الإيمان بكرامات الأولياء سيشكك بمعجزات الأنبياء، ولن نفرق بين ولي ولا بين نبي. فالحل عندهم إلغاء هذا الباب عن بكرة أبيه، فانظر إلى هؤلاء إلى الغلو، وانظر إلى الجفاء، هنا ظهرت الوسطية عند أهل السنة والجماعة، فأثبتوا كرامات الأولياء، وأن الأولياء حق، وأنها صفة ثابتة في عباد الله الصالحين، ﴿مَنِ اعْتَدَى عَلَيْهِ فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ﴾. وأن الله قد جعل للأولياء كرامات وخوارق للعادات، لكن بعد ثبوتها وصحة نسبتها إلى أصحابها وأهاليها، لن يكون هذا ذريعة في أننا نغلو فيهم، وأن نرفعهم عن منزلتهم التي أنزلهم الله إياها، فهم عباد صالحون، هم يحتاجون إلى ربهم، الناس ليس بحاجة إليهم. فيجب إخواني في الله أن نفهم هذه المسائل، هذه إخواني في الله، باب سريع أذكره استقراضا في مسائل تظهر فيها وصفية أهل السنة والجماعة في أبواب العقيدة، خاصة في باب الوعد والوعيد، في باب الأسماء والصفات، في باب القضاء والقدر، في باب مقام الصحابة، في كرامات الأولياء. تجد أن ما من مسألة إلا وتجد أن المخالف من أهل البدع والضلال ذهب يمنة وآخر ذهب يقابله عكس الاتجاه، بينما حب الله أهل السنة بالوسطية، هذا إخواني في الله مفتاح لك يا أيها الطالب ويا أيها الباحث أن تمتع ناظريك بباقي مباحث العقيدة، فتجدها تسير على هذا المنوال. هنا أنتقل إلى باب آخر من أبواب الدين تظهر من خلاله وسطية أهل السنة والجماعة، وهو في باب العبادات، في باب الطاعات، في باب شرائع الدين، هذا الباب العظيم إخواني في الله تظهر فيه أيضا وسطية أهل السنة والمسائل طويلة جدا. لكن حسبي أن أشير إلى بعض المسائل حتى لا أستفيض في المجلس، من هذه المسائل ما يتعلق بالأخذ بالسنة، السنة المطهرة، السنة النبوية التي اعتبرها ديننا مصدرا من مصادر التشريع، الأخذ بما جاء عن نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، الأخذ من أقواله وأفعاله ومن سائر أحواله. لكن ننظر إلى أهل البدع والأهواء كيف أنهم تعاملوا مع سنته نبينا، نبقى مع فرقتين متناقضتين معه، الفرقة الأولى من زعم أنه معظم للسنة، أخذ بالسنة، لكننا نجد أنه يأخذ من السنة ما ثبت عن نبينا وما لم يثبت. فأخذوا يحدثون عن رسول الله، الصحيح والضعيف والكذب والمختلق والموضوع، وأصبحوا ينشرون بين الناس بين المجتمعات في وسائل الإعلام وفي التواصل كل ما جاء عن رسول الله ولو كان كذبا مختلقا مصنوعا. مع أن الكثير من الأحاديث الموضوعة فيها من العقائد الفاسدة والأخلاق الكاسدة ومن الأعمال التي لا تصح عن رسول الله، ينشرونها بحجة تعظيمهم للسنة، هذه طائفة غلت في تعظيم السنة، لكنها عمت عن التمييز بين ما صح وما لم يصح. بالمقابل عكس هذه الفرقة فرقة أخرى، وهم عاملوا السنة بالاستهجان، عاملوها بالإهمال والإغفال، فردوا السنة جملة وتفصيلا، ما اعترفوا بها، لا أنها مصدر التشريع، ولا أنها يمكن التعويل عليها في الأحكام وفي الشرائع وفي الطاعات وفي العبادات. ولهذا هم لا يرفعون بالسنة رأسا، هؤلاء فرقة ظهرت قديمة ولا زالت تظهر حديثا، لا زالت تظهر حديثا، وأحب أن أشير إلى هذا المشهد لأنه قد بلغني قبل أيامي من بعض الناس أنه قد ناقش بعض الشباب وهم على هذا الفكر. لئس السنة، حينما نأخذ بالسنة ما نعول على السنة، السنة غير مؤتمنة، السنة مخترقة بكثير من الأشياء التي هزت من أركانها، فيقال ولو يا عبد الله: هل هذا يعني مدعاة لأن تلغي السنة عن بكرة أبيها؟ فشاهد إخواني في الله، ولست في صدد الرد على هؤلاء، لكن أريد أن أبحث معكم على أن هذا المقام مقام السنة اكتنفه طوائف في الآراء، قسم أخذ به بعجره وبجره، وقسم من ألغاه برمته. وأهل السنة وسط، أهل السنة وسط في موضوع الاعتصام بالسنة، فنحن نعظم السنة ونجعلها مصدرا من مصادر التشريع، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، «قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»، قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، قال عليه الصلاة والسلام: «من توضأ نحو وضوء هذا». العبادات والطاعات والدين والشرائع والأحكام والعبادات تؤخذ من سنته، بشرط السنة الصحيحة، بشرط السنة الصحيحة، لا نعول على الأحاديث المكذوبة ولا على الأحاديث الموضوعة، هذه لا وزن لها في ديننا. قال عليه الصلاة والسلام: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، فقبل أن تنشر يا عبد الله حديثا، فضلا أن تأخذ منه حكما أو عقيدة، انظر ما صحته، هل هو من كتب الصحاح، من البخاري ومسلم، أو مما صحح العلماء؟ فعلى بركة الله، هذه الوسطية يا عبد الله في تعاملنا في باب السنة، كذلك في باب العبادات والطاعات، يتعلق في باب الأعمال الصالحة، الأعمال الصالحة التي ما أوجدنا الله عز وجل في الكون إلا لكي نعمر هذه الدنيا بالعمل، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. العبادة هي الغاية السامية، وهو المقصد الأسمى الذي خلق الله عز وجل الوراء أن نملأ هذه الدنيا بالطاعات والعبادات، ومع ذلك نجد أن الناس في باب العبادات والفرق الضالة انقسموا على قسمين متضادين في باب الطاعة والعبادة. قسم لم يكتفي بما أنزله الله في كتابه، ولا بما شرعه نبينا في سنته، ديننا قال فيه ربنا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، الدين كامل، لكن بعض الفرق الضالة ما اكتفت بهذا، رأوا أن هذا الكمال لا ليس بكمال، هناك نقصان، فأتوا لنا ببدع ومحدثات. فاستحدثوا لنا طقوسا في مناسبات، وأورادا وأذكارا ما أنزل الله بها من سلطان، ولك يا عبد الله أن تنظر وأنت في هذه البلاد يمنة ويسرة، ما من شعيرة من شعائر الله، ركبت فيها بدعة من قبلها ومن بعدها، من قبلها ومن بعدها. ومع أن الله ما أنزل بها من سلطان، وإنما هو محض افتراء على الله وعلى دينه، وعلى هذا المقام مقام الطاعة والعبادة، غلوا في هذا الباب، نأتي إلى قسم آخر من فرق الضلالة، وهو من ألغى باب الطاعة والعبادة. فلا يرى للعبادة شيئا في الدين، لا يرفعون العبادات رأسا، ولا يلقون لها بالا، قد يقولوا: أتعني العصاة؟ لا، أعني بفرقة ضالة مثل فرقة النصيرية، فرقة الدروز، هؤلاء الدروز مثلا، وجدوا لعل الإعلام يتحدث عنهم كثيرا في الشام. هؤلاء الدروز ما يعترفون بشيء اسمه عبادة، لا يعترفون، ولا يقرون بوجوب الصلوات الخمس، ولا يقرون بوجوب صيام رمضان، ولا يعترفون بحج بيت الله الحرام، فلا يقرون بالواجبات ولا بفرائض الإسلام. بل على العكس هم يبيحون لأنفسهم فعل المحرمات، كما سيأتي معنا، فهؤلاء ومثلهم الفرقة الأخرى التي يرون أن العبد إذا وصل إلى مرتبة اليقين تسقط عنه التكاليف، فلا يصلي ولا يصوم ولا يعبد الله بأي عبادة. فتأمل يا عبد الله بين طرفين قيض، هؤلاء غلوا في العبادات فزادوا من عند رؤوسهم ومن جيوبهم، وأولئك ألغوا ما أنزل الله به من عبادات وطاعات، ومن باب الفائدة: الدروز، ومن كان من أمثالهم، هؤلاء كما قال شيخ الإسلام: كفار باتفاق المسلمين، كفار باتفاق المسلمين، ولا تقبل منهم جزية. قال: أنهم شر من اليهود والنصارى، في عداد المرتدين، لأنهم ما قاموا للدين وزنا، فالشاهد إخواني في الله، أما عند أهل السنة والجماعة تتلاحظ الوسطية، فعندهم العبادة هي الأس والأساس في قيام دين الله جل وعلا. فلا قوام للدين إلا بالعبادة، وأن الإنسان المسلم رجلا كان أو امرأة ملزوم بعبادة الله إلى أن يلقى ربه، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، لكن بقين وبشرط أن هذه العبادة تقوم على الإخلاص والمتابعة، فلا بدع ولا إحداث ولا زيادة في دين الله. قال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، «فهو رد»، في هذا الباب كذلك ما يتعلق بمسألة الحلال والحرام، وهذا كذلك تظهر فيه وسطية أهل السنة بين الفرق الضالة. كذلك من المباحث المهمة التي تظهر فيها وسطية أهل السنة، مسألة العلاقات، مسألة علاقة المسلم بغيره، وهذا باب عظيم من أبواب الدين، فإن دين الله عز وجل يقوم على العبادات التي بين العباد وبين رب الأرباب، وعلى المعاملات التي تقوم بين العباد فيما بينهم البين. ولهذا سئل نبينا عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: «تقوى الله وحسن الخلق»، «تقوى الله» فيما بين العبد وربه، «وحسن الخلق» فيما بين العبد وخلقه، لكن باب العلاقات نجد كذلكم أن أهل البدع على طرفين قيض في جوانب عديدة من جانب العلاقات، وتظهر فيه وسطية أهل السنة. فمما أذكره مثلا من باب العلاقات في مبدأ الولاء والبراء، الولاء والبراء مبدأ عظيم، مقام جليل من مقامات الدين، دل عليه الأدلة المتكاثرة من كتاب ربنا ومن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. نجد أن أهل البدع على طرفين قيض، فمن الجماعات الذين فرطوا في هذا المقام وأعني به الجماعات الحزبية، فجعلوا أن الولاء والبراء ضيق وضيق جدا، فعندهم أن الولاء، النصرة والإعانة والتأييد والمحبة لمن كان معهم، لمن كان من جماعتهم، لمن كان من حزبهم، من كان معهم في تنظيمهم وتيارهم. فهم معهم وهو منهم وإليهم يعطونهم ما أراد ولو كان من أفجر خلق الله، ولو كان من أفجر خلق الله، اللهم أن يكون معهم، وقد يعادون غيره، يعادون غيره، يعادون غيره، وهو من أفضل خلق الله تدينا وصلاحا وسمتا وهدى، ما عادوه إلا لما خالفهم. فيعادونه، يعادونه، هذه فرقة، وهم من ضيقوا نطاق الولاء والبراء، بالمقابل نجد أن فئاما من الناس هدموا مقام الولاء والبراء، فتجدهم يوالون أي أحد، أي أحد، حتى أنهم يوالون اليهود والنصارى والكفار والمشركين وأعداء الدين. لربما يضعون أيديهم مع أعداء السنة من المبتدعة والضالين ومن المرتزقة ومن الزنادقة ومن المنافقين، دون مبالاة لمقام الولاء والبراء، والبراء والذي هو أعظم مقام من مقامات الدين، وأهل السنة وسط، أهل السنة وسط بين هؤلاء وبين هؤلاء. بين من اختزل الولاء والبراء، وبين من هدمه، فيرون أن كل من رضي بالله ربه وبالإسلام دينه وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسوله فهو مسلم، ما لم يختلط ببدعة، ما لم يختلط ببدعة أو تشرب فكرة ضالة، فإن هذا يوال ويعاد على قدر بدعته. فإن الولاء والبراء يكون لا على حسب التنظيم، ولا على حسب الأهواء، وإنما على حسب الدين، يوال المسلم على قدر طاعته، على قدر صلاحه، ويتبرأ منه على قدر معصيته، وعلى قدر بدعته. كذلك مما يكون فيه إظهار الوسطية لأهل السنة والجماعة، بين علاقة المسلم مع ولاة الأمور، مع ولاة الأمور، بين طائفتين شذتا في هذا المقام، بين المنبطحين وبين الثوريين. فتجد أن فئاما من الناس من الثوريين، من الحماسيين، من لربما إذا وجد زللا أو خطأ أو مشكلة أو معضلة أو انحلالا أو انحرافا من بعض ولاة الأمور، سارعوا إلى تهييج الشعوب، سارعوا إلى إحداث الفوضى، ولو جر هذا إلى سفك الدماء وإلى إزهاق الأرواح. مع أنه ما يحصل شيء من الصلاح، وإنما يحصل من الفساد أضعاف أضعاف أضعاف ما كانوا يرجو من إصلاحه، وإنما استفادوا