المحاضرة بعنوان ذم الغضب، والتي كانت بمسجد الدخين بدعون 27 محرم 1446هـ الموافق 2 أغسطس 2024م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المحور خطورة الغضب وعواقبه الوخيمة على القلب واللسان والجوارح والمجتمع، مستدلاً بوصية النبي ﷺ «لا تغضب» وكلام ابن رجب الحنبلي. ويبين أن الممدوح شرعاً هو ملك النفس عند الغضب لا عدم وقوعه أصلاً.
يشرح المحور أن الغضب فوران دم يستغله الشيطان لإيقاع العداوة وإخراج الإنسان عن اعتداله. ويرشد النبي ﷺ إلى الاستعاذة بالله، والصمت، والجلوس أو الاضطجاع، والوضوء كعلاج بدني لتسكين الغضب وتجنب عواقبه المدمرة.
يذكر المحور أن تذكر قدرة الله على العبد من أعظم أسباب كظم الغيظ مستدلاً بقصة أبي مسعود البدري. ويبين فضل العفو والصفح الوارد في القرآن والسنة مع شرط الإصلاح، مؤكداً أن الشديد الحقيقي هو من يملك نفسه عند الغضب.
يفرق المحور بين الغضب المذموم الذي يُتبع بالهوى ويجر إلى أضرار الدنيا والدين، والغضب المحمود لله عند انتهاك حرماته. ويؤكد أن وصية «لا تغضب» جامعة للخير، مستشهداً بسيرة النبي ﷺ في العفو عن الإساءة الشخصية والغضب لحدود الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسر لنا هذا المجلس وهذا اللقاء بإخواننا في هذه المنطقة الطيبة المباركة، وفي هذا المسجد الطيب المبارك. ونبشركم بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في موطأ الإمام مالك من حديث معاذ بن جبل: قال الله تعالى: ﴿وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَلِلْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَلِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ﴾. هذه بشارة عظيمة تتحقق أوصافها في مثل هذه الزيارات، وفي مثل هذا المجلس الطيب المبارك. ما أجمل أن يكون اللقاء لله وفي الله ومن أجل الله! اجتمعنا لا لأحساب ولا لأنساب، ولا لأغراض دنيوية، ولا لمصالح مالية، وإنما اجتماعنا من أجل المحبة في الله سبحانه وتعالى. فما ألذ هذه المجالس! كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أنس في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، وذكر من هذه الثلاث: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». فمن دلائل علامات المحبة الزيارة لله عز وجل، والمجالسة لله سبحانه وتعالى. فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم على هذا الخير، وعلى هذه المجالس الطيبة النافعة التي فيها من العلم، وفيها من الفقه في الدين، وفيها من كذلك الاستفادة، وكذلك فيها من الخير الذي يناله المسلم. فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة». والسكينة هي طمأنينة القلب وراحة النفس، فيجد المسلم في هذه المساجد وفي هذه المجالس الراحة والطمأنينة والسكينة: ﴿إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ﴾. ما أحوجنا إلى رحمة الله عز وجل! ما أحوجنا إلى أن يغفر الله ذنوبنا، وأن يسر أمورنا، وأن يرحم ضعفنا! فنجد ذلك بإذن الله عز وجل في مثل هذه المجالس. والموفق من وفقه الله عز وجل لمثل هذا الخير، والمحروم من حرم مثل هذه المجالس. حديثي معكم في هذه المحاضرة عن حديث عظيم من أحاديث النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وهو ما جاء في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله أوصني»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب». فكرر مراراً، أي: هذا الرجل كأنه أراد الزيادة في النصيحة، أراد الزيادة في النصيحة، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: «أوصني»، أي: زدني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب». ما زاد النبي صلى الله عليه وسلم على هذه النصيحة. يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: «ويدل هذا الحديث على أن الغضب جماع الشر، وأن التحرز منه جماع الخير». انظر إلى كلام هذا العالم الجليل ابن رجب الحنبلي، يقول: «وهذا الحديث يدل على أن الغضب جماع الشر، وأن التحرز منه» يعني التخلص منه وعدم الانسياق إليه «جماع الخير». فجمـاع الخير: الذي يملك نفسه عند الغضب فقد حاز الخير، وأما من يطلق لنفسه العنان ويتبع ما يمليه عليه هذا الغضب فهذا والعياذ بالله قد جمع الشر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لماذا الغضب فيه جماع الشر؟ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد هذا الرجل على أن يقول له: «لا تغضب». قال العلماء: لأن الغضب فيه آثار أليمة وعواقب وخيمة على القلب، وعلى الجوارح، وعلى اللسان، وعلى المجتمع. ما هي عواقبه على القلب؟ الذي يغضب يمتلئ قلبه غيظاً وحقداً وغِلاً وحسداً، لأن الغضب هو السبب في مثل هذه الأمراض القلبية. وأما آثاره على اللسان: فإن الغاضب يسب ويلعن، ويخرج من الكلام ما لو قيل له بعد أن يهدأ من غضبه: «قلت كذا وكذا» لما صدق نفسه، لما صدق نفسه أنه قال هذا الكلام من السب والشتم واللعن وغير ذلك من الألفاظ البذيئة. وأما آثار الغضب على الجوارح: فإن الغضبان لربما ضرب، ولربما قتل، ولربما كذلك رمى بما في يده من شدة غضبه، ولو بآلة حادة. وهكذا أثره على المجتمع: فإن بسبب الغضب تحصل الشحناء والبغضاء بين أفراد المجتمع. فكم حصل بسبب هذا الغضب من عقوق، ومن قطيعة، ومن طلاق، ومن فراق، ومن كذلك تخاصم وتهاجر! كل ذلك بسبب الغضب، فيصير المجتمع مفككاً، يصير المجتمع متعادياً بسبب هذا الغضب. فإذن عرفنا الآن يا عباد الله الآثار الأليمة والعواقب الوخيمة التي يجنيها الغضب. ولذلك جاءت هذه الوصية النبوية من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، ما هي الأمور التي تذهب الغضب وتسكنه؟ هناك مذهبات ومسكنات للغضب، لأن كل إنسان لربما يطرأ عليه هذا الغضب. كما قال معاوية بن الحكم السلمي: لما كانت له جارية ترعى الغنم، فجاء الذئب وأكل شاة من غنمه، فغضب معاوية رضي الله عنه على هذه الجارية، فسَكَّها سَكَّة. قال: «ولكنني من بني آدم أغضب كما يغضبون، فَسَكَّكْتُهَا سَكَّة، سَكَّكْتُهَا سَكَّة». ثم ندم، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ائتني بها». فجاء بهذه الجارية، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أعتقها، فإنها مؤمنة». انظر، يعني جعل النبي صلى الله عليه وسلم كفارة هذا الفعل الذي بسبب الغضب أن يعتق هذه الجارية، أن يعتق هذه الجارية. الشاهد من هذا الحديث: أن أي إنسان قد يقع في الغضب لأنهم بنو آدم، وقد قال معاوية: «وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون»، يعني: أغضب كما يغضبون. ولكني سَكَّكْتُهَا سَكَّة، أي: لم يتمالك غضبه، فدفعه هذا الغضب إلى هذا الظلم، إلى هذا الظلم، وهو ضرب هذه الجارية. إذن الغضب يقع من بني آدم، لكن هناك غضب محمود وهناك غضب مذموم. الغضب المذموم: حين يكون في أمر الدنيا، فتنساق خلف هذا الغضب، فكما تقدم ربما تعتدي، ربما تظلم، ربما تسب، ربما تضرب، ربما تحسد، ربما تتكبر، وربما... وربما. فهذا الغضب المذموم. أما من ملك غضبه واتقى ربه فهنا تغلب على هذا الغضب، وهذا معنى قول النبي عليه السلام: «لا تغضب». قال المفسرون لهذه الكلمة: أي لا تتبع أسباب الغضب، لا تتبع أسباب الغضب، بل كف عن هذا الغضب. ولذلك كما ذكرنا: فإن من الغضب الممدوح أنك إذا غضبت فإنك تسيطر على هذا الغضب وتذهب عنك هذا الغضب، فهذا من أعظم العلاجات. وما هي أسباب ذهاب الغضب وتسكين الغضب؟ ذكر العلماء عدة أسباب، نذكر بعضها على سبيل الاختصار: من أعظم هذه الأسباب: الاستعاذة من الشيطان الرجيم. لأن الغضب، قال العلماء: هو فوران الدم، والشيطان يحرص على أن يغضب هذا الإنسان ليوقع بين بني آدم العداوة والبغضاء. من أعظم مهام الشيطان أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فالشيطان يفرح عندما يغضب الإنسان، لأنه يعلم أن الإنسان إذا غضب خرج عن اعتداله، خرج عن اعتداله، فيتصرف تصرف المجنون، يتصرف تصرف المجنون، ثم يندم بعد ذلك حين لا ينفع الندم. فلذلك جاء ديننا بأن نستعيذ من الشيطان عند الغضب. رأيت نفسك ثائراً غضبان، قل: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». ودليل ذلك نذكر آية وحديثاً: أما الآية فهي قول الله عز وجل: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الشيطان يخنس ويذهب ما بك بإذن الله عز وجل من الغضب. وجاء في الصحيحين من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: استبّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسبّ أحدهما صاحبه حتى احمر وجهه من شدة الغضب. لأنه قلنا: الغضب ثوران أيش؟ الدم. فالغضبان ربما ترى وجهه أحمر من شدة الغضب، وجهه يكون أحمر. قال: هذا سبّ صاحبه حتى صار وجهه أحمر، احمر وجهه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ما به، لو قال هذه الكلمة لذهب ما به من غضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». يعني: لو قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» لذهب ما به من غيظ. فقيل لهذا الرجل وهو مستمر في غضبه: «أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقول؟» فمن شدة الغضب ماذا قال هذا الرجل؟ قال: «بي جنون، أنا مجنون، حتى نقول هذه الكلمة». من شدة الغضب، ربما لو هذا غضب وقيل له ذلك لا يلتفت. لكن انظر كيف شدة الغضب تجعل الإنسان يخرج عن اعتداله ويخرج عن صوابه. فانظر كيف النبي صلى الله عليه وسلم وجه بهذا التوجيه النبوي، هذا التوجيه النبوي. وهكذا من أسباب ذهاب الغضب وتسكينه: أن الغضبان يسكت ولا يتكلم ولا يتحرك، يسكت ويسكن ويصمت. ودليل ذلك ما جاء في مسند الإمام أحمد ويحسنه العلامة الألباني: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا غضب أحدكم فليسكت». لا تتكلم، الحريص يعني: أغضبتك وأتت بكلام، اهدأ، اسكت، انتبه، تقرر طلاق أو تسب أو تلعن، اهدأ، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اسكت. ساعد، هي الآن في حالة غضب، سبك أحد، أثارك أحد، لا يستفز هؤلاء الطائشون وهؤلاء الجاهلون، اسكت، لا، جزاك الله خير، وهدأ. هذا هو التوجيه النبوي، هذا هو التوجيه النبوي: «إذا غضب أحدكم فليسكت». ألزم الصمت لأنك أنت الآن غضبان، وكما ذكرنا أن الغضبان إذا تكلم تكلم بكلام ما يدري ما يخرج من رأسه. كم من شخص يأتي يستفتي يقول: «والله أنا في حالة غضب طلقت امرأتي». شيء مخرج، في العلماء يفصلون في هذا، قالوا: إذا كان الغضب مطبقاً بحيث أنه ما يدري ما يقول، ما يدري ما يقول، مثل المجنون ومثل السكران، قالوا: هذا لا يعد طلاقاً، لأنه هذا يسمى غضباً مطبقاً. لكن لو كان غضب ليس مطبق، قال هذا باختياره بسبب الغضب، فهذا تطلق، لأنه لو قلنا لا يكون طلاق إلا بغير غضب ما طلق أحد، ليس يطلق المطلق لأنه يغضب، يغضب على زوجته، صح؟ فإذا ننظر: ربما بسبب الغضب يطلق امرأته، ربما بسبب الغضب يسب ويلعن ويتوعد، وربما ذهب وأتى بسكين أو بآلة أو كذا وضرب. لعلكم سمعتم هذه الحادثة الأخيرة، حادثة تلك الطفلة حنين البكري: أي سبب قتلها؟ وأي سبب الحكم بالإعدام على قاتلها؟ الغضب. لأنه غضب، جاء هذا ودهس سيارته، فجاءه الغضب. لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لو سكت، لو تفاهم بالتي هي أحسن، ما صار شيء من هذا. وهكذا كم من حوادث تقع بسبب الغضب! فصدق النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب». وصية نبوية ويكررها عليه الصلاة والسلام، وكما قال ابن رجب: جماع الشر الغضب، جماع الشر الغضب، سبب للقتل، سبب لكل شر. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «دخل الناس النار من ثلاثة أبواب: دخل الناس النار من ثلاثة أبواب: من باب شبهة أورثت شكاً في دين الله، هذا الأولى، ومن باب شهوة أورثت الوقوع في الهوى الذي يصد عن طاعة الله ومرضاته، وباب غضب أورث العداوة على الناس». الغضبان يعتدي على الناس، فالغضب من أبواب دخول النار، والعياذ بالله. انظروا إلى خطورة الغضب! لا يستهين الإنسان بهذا الأمر، لا يستهين الإنسان بهذا الأمر، أمر خطير، ينبغي لنا أن نتخذ الإرشادات النبوية. وهكذا ذكروا من أسباب ذهاب الغضب وتسكينه: أنك إذا كنت غضبان وواقف فاجلس، وإذا لم يذهب الغضب فاضطجع. إيش سبب الجلوس؟ هذا السبب: الجلوس أنك ما تروح تخب وتجيب آلة ولا تجيب سكين. هذا توجيه نبوي، خلاص. انظر: تحفظ لسانك، تسكت، تجلس، تحفظ إيش؟ جوارحك، ما تضرب، ولا تكف، ولا ترمي، ولا ترص. وهذا ورد في حديث أيضاً عند الإمام أحمد، يحسنه العلامة الألباني، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن لم يذهب به فليضطجع». ينام. انظر هذا الذي غضب وراح يذهب يأتي بالآلة، لو اتخذ هذا التوجيه النبوي: جلس في سيارته، سكن، ذهب إلى بيته، ما سيحصل شيئاً. أنا انظر: بسبب مخالفة هدي النبي عليه الصلاة والسلام، خرج من سيارته وذهب إلى بيته وأتى بالآلة وهو لا يزال ينساق للغضب، ينساق للغضب حتى فعل هذه الفعلة الشنيعة والعياذ بالله. انظر هذا كل بسبب الغضب. وكم من حوادث تقع بسبب هذا الغضب! يخبرني أحد الإخوة قال: كان مجلس عند بدو فيه ضيوف، فجاء أحد أبناء صاحب البيت ويسقي بالشاي الضيوف، فزلت يده فانسكب الشاي الحار على يد أحد الضيوف، فغضب أحد كبار السن من... يعني الذي هو جد هذا الولد، فأخذ السكين ورمى من شدة الغضب، رمى هذا الولد بالسكين. غضب هذا الضيف عندنا: كيف تحرق يده؟ ليش؟ هم متعمد؟ لكن انظروا إلى الغضب! غضب هذا الشاي، أخذ السكين ورمى هذا الولد، فجاءت هذه السكين في عينه فأخرجت عينه، وفقد عينه. فندم بعد ذلك، وهل ينفع الندم بعد وقوع الفأس على الرأس؟ أبداً ما ينفع الندم. وكم من أب ندم عندما عامل ولده في حال الغضب معاملة قاسية، وربما كسر يده، أو سفك الدم من جسده، كل ذلك بسبب الغضب والانسياق إليه. لكن لو هدأ وسكن الغضبان لما وقع شيء من ذلك، لما وقع شيء من ذلك. كذلك من الأسباب التي بها ذهاب الغضب وتسكينه: أن تتذكر أيها الغضبان قدرة الله عز وجل عليك. إذا أنت قادر أن تنفذ غضبك وأن تعتدي بالظلم على غيرك، فتذكر قدرة الله عز وجل عليك. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان لي غلام، فكنت أضربه بالسوط. غلام يعني: عبد له. قال: فكنت أضربه بالسوط، فسمعت صوتاً: «اعلم أبا مسعود». قال: ومن شدة الغضب لم أنتبه للصوت، يسمع صوتاً لكن ما يدري صوت من هذا. قال: قال فإذا به المرة الثانية والثالثة: «اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود». قال: فنظرت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فرميت بالسوط. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم له: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك من هذا، الله أقدر عليك من هذا». قال: فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله. فأعتق هذا الغلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «لو لم تفعل للفتحتك النار، ولفحَتْك النار». انظر: الله أقدر عليك من هذا. لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً، فالظلم آخره يفضي إلى الندم. تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك، وعين الله لم تنم. إذا أنت قادر تقتل، أو قادر تضرب، أو قادر تسب وتشتم، فالله عز وجل أقدر عليك. ودعوة المظلوم مستجابة، لا يحجبها شيء، ترتفع إلى السماء فيستجيب الله عز وجل لصاحبها. الحذر الحذر من أن يغفل الغضبان عن قدرة الله عز وجل، وعن انتقام الله سبحانه وتعالى من الظالم. وهكذا وهكذا من مسكنات الغضب وما يذهب الغضب: أنك إذا غضبت تذكر فضل العفو والصفح عن المخطئ. نعم، قد يغضبك شخص لأنه أخطأ عليك، أخطأ عليك، لكن أين العفو؟ وأين الصفح؟ وأين كظم الغيظ؟ هذه كلها أخلاق دعا إليها الإسلام. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. لم يحدد الله عز وجل أجر العافي عن الناس، لأن الله عز وجل تكفل بأجر ذلك العافي، وهو أجر عظيم، والله أكرم الأكرمين. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما عند أبي داود وغيره، يقول عليه الصلاة والسلام: «من كظم غيظاً، من كظم غيظاً وهو قادر، وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، الناس كلهم ينظرون إليه، ثم يخيره الله من الحور العين ما شاء، يقول له: خذ ما شئت من الحور العين، لأنه كظم غيظاً، لأنه كظم غيظاً وهو قادر أن ينفذه، قادر على أن ينفذه». مثل ما سمعنا في هذه القصة العجيبة: تلك الطفلة حنين، كيف عفى أبوها عن ذلك القاتل في اللحظات الأخيرة! فنسأل الله أن ينال هذه الأجور وهذه الفضائل التي جاءت في فضل من عفى عن الناس. جزاه الله خيراً، جزاه الله خيراً على هذا، يشكر على ذلك. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الطفلة شافعة له، وأن يجزيه على بره وإحسانه، وأن يتجاوز عن ذلكم القاتل. لكن هذه فيه عبرة، هذه الحادثة والله فيها عبرة: أن نسلك المسلك النبوي في معالجة الغضب كما تقدم معنا. وهكذا مما يذكر في العفو: قول النبي صلى الله عليه وسلم... لأن بعض الناس يقول: «أنا إذا عفوت هذا موضع ذل، وموضع مهانة، وموضع ضعف». بالعكس! الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. هذا العدو إذا رأى منك إحساناً ورأى منك معاملة حسنة، فإن عداوته تنقلب إلى محبة وإلى مودة، فهو رفع لك وكسب منك لهذا العدو. وهكذا يقول الله عز وجل: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، إلا رفعه الله». مع التنبيه على أن من يعفى عنه فيزداد شره ويزداد عدوانه، فهذا لا يعفى عنه، لقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال: ﴿وَأَصْلَحَ﴾، يعني: إذا كان العفو فيه إصلاح. سئل العلامة ابن عثيمين عن رجل يعتدي على الناس ثم يعفون عنه ثم يرجع مرة ثانية يعتدي على الناس، قال: «هذا لا يعفى عنه لأنه مستهتر بالناس، وإنما يعفى عن من يعلم منه الصلاح والإصلاح والكف عن ظلم وعن الاعتداء، فهذا الذي يعفى عنه». فهذا الذي يعفى عنه، وفيه هذه الأجور العظيمة، في هذه الأجور العظيمة. وهكذا مما يذكر في هذا الباب، باب الغضب: حديث يحسنه بعض أهل العلم، وهو الوضوء عند الغضب. لأن كما ذكرنا أن الغضب من الشيطان، يفور دم الإنسان، ومما يهدئ هذا الفوران الماء، وذلك بالوضوء. إذا شعرت بغضب: اغتسل أو توضأ، فلعل ذلك يهدئ من أعصابك. والغضب كما أن له أضرار في الدين، كذلك له أضرار في الدنيا، بل وفي الصحة. فالغضب يكون سبباً لمرض الجسد، لمرض الجسد. بعض الناس يسمي الغضب الأعصاب، يقول لك: «فلان عنده أعصاب»، يعني: عنده غضب. فالغضب سبب لارتفاع الضغط، ارتفاع السكر، والجلطات، ونحو ذلك. فلماذا تنساق خلفه؟ هذا أمر يقرره الأطباء، هذا أمر يقرره الأطباء. فلان جاءته جلطة لأنهم فعل كذا وغضب، ووقع له كذا وكذا من الظروف القاسية أو نحو ذلك، فيحمل على نفسه ويغضب ويتشاجر مع الناس حتى يصاب بهذه الأمراض. انظروا إلى هذه الكلمة المختصرة من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن حملت هذه المعاني العظيمة وهذه المعاني الجليلة: «لا تغضب». فوائد دينية: ربما بعض الناس بسبب الغضب يكفر بالله، يكفر بالله، يغضب فيسب الدين والعياذ بالله، ويسب الرب، ويسب الملة، وهذا كفر. بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله أن من سب الدين فإنه يكفر، ولو كان مازحاً، ولو كان غاضباً، فإنه يكفر. هذا يدل على خطورة الغضب، خطورة الغضب، وخطورة ما يصدر بسبب الغضب من الكلام، من الكلام. وكم من الناس ندم بسبب الغضب، كما تقدم: طلق زوجته، أو خاصم أباه، أو كذلك خاصم أرحامه، فصارت القطيعة، وصارت العداوة، كل ذلك بسبب الغضب. انظروا يا عباد الله إلى خطورة هذا الداء، إلى خطورة هذا الداء، ولا تحسبن أن بانفعالك أنت المنتصر وأنت القوي الشديد. جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». إيش معنى: «ليس الشديد بالصرعة»؟ يعني: ليس الشديد الذي يصرع الناس، يغضب يصرع الناس ويغلب الناس بقوته، يعني بعضلاته. لا، ليس هذا هو الشديد. الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب. هذا هو المحمود، هذا هو الرجل الرشيد، الرجل العاقل. أما الرجل السفيه، الرجل الذي قد انساق إلى هواه، فهذا الذي يتابع غضبه، يتابع غضبه وينفذ غضبه، غضبه. هذه كلها توجيهات نبوية من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والقصص في يعني أخطار الغضب في المجتمع كثيرة، كثيرة جداً. حتى في أمور الدنيا: كم الإنسان حرم وظيفته بسبب الغضب! بسبب الغضب غضب فسب صاحب العمل، فأخرجه صاحب العمل: «أنت ما تحترمني، أخرج من العمل». ضيع نفسه. بل ربما الغضب يكون سبباً لانقطاع الطالب من الدراسة: غضب الطالب فتشاجر مع المدرس، فطرده المدرس، فحرم نفسه من العلم ومن الخير. انظروا إلى آثار الغضب: آثار في الدين، في الدنيا، في الأسر، في المجتمع. فلذلك نعلم، نعلم عظم هذه الوصية التي وصى بها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل حين قال له: «لا تغضب»، وكرر مراراً، قال: «لا تغضب». ما زاد على هذا. لا تقول: هذه وصية يعني قصيرة، ما فيها فائدة. هذه الوصية، انظر إلى فوائدها! والله لو أخذنا بهذه الوصية لما وقعنا في شر من الشرور بإذن الله سبحانه وتعالى، لا في بيوتنا، ولا مع إخواننا، ولا مع آبائنا، ولا مع أرحامنا، ولا مع كذلك أبنائنا، نسلم من هذه الغوائل ومن هذه الشرور بإذن الله سبحانه وتعالى. وأنتم تعلمون كم من قضايا، وكم من قتل، وكم من تخاصم بسبب الغضب، بسبب الغضب. فهذه وصية عظيمة، بدأنا بها هذه المحاضرة، وبينا فيها خطر هذا الخلق الذميم. وأما في أمر الدين: إذا انتهكت حرمات الله فالمؤمن يغضب لله، لكن غضبه لا يكون فيه اعتداء. ولذلك جاء في حديث عائشة في الصحيح، قالت رضي الله تعالى عنها: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادماً ولا امرأة، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه في شيء فانتقم من صاحبه». انظر إلى خلق النبي: يأتيه رجل من الأعراب فيجذبه بردائه جذبة شديدة، يعني ينزعه، ويقول له: «يا محمد، أعطني مما لله، ليس ما لك ولا ما لأبيك». لو واحد الآن أغضبك بهذا، إيش تستفعل؟ ربما تعطيه كف من يده. إيش قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «مروا له بشيء، أعطوه شيء». ما يعني غضب، ولا شيء. سبحان الله! هكذا ينبغي أن يكون المسلم. أحياناً في البيت: المرأة تخطئ في شيء، تغضبك في شيء، كسرت شي من البيت من غير عمد، تغضب وتسب، وربما تبكيها. لماذا يا أخي؟ لا تغضب فتندم، وتكرهك هذه المرأة، وتكره عشرتك. لا تغضب. فعائشة تقول: «وما نيل منه في شيء فانتقم من صاحبه». ما ينتقم لنفسه عليه الصلاة والسلام. قالت: «ولكن إذا انتهكت حرمات الله فإن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم ينتقم لله سبحانه وتعالى». يعني: يغضب لله سبحانه وتعالى. رأى منكراً، رأى معصية، لا بأس أن تقوم وتنكر: «هذا ما يجوز، هذا كذا»، تنصح، تعظ، تغضب لما ترى هذه الأشياء، تغضب لله، من دون تعد، من دون سب، ومن دون غلظة، ومن دون تنفير، وإنما من أجل أن تصحح هذا المنكر، وتعظ الناس من أجل أن يبتعدوا عن هذه المحرمات. فهكذا، فهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم. هذا من الغضب المحمود: أن تغضب لله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم لما سرقت المرأة المخزومية، فبنو مخزوم شق عليهم ذلك، قالوا: «من يكلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم؟ من يشفع لها؟» فقالوا: «ما في إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم». جاء أسامة: «اشفع لي هذه المرأة المخزومية». فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، ووعظ الناس عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «إن بني إسرائيل كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله» يقسم بالله صلى الله عليه وسلم: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». الشاهد: فغضب النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا أمر يا عباد الله من جوامع الكلم التي جاءت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فينبغي أن نأخذ بهذه الوصية، وأن نتبع الأسباب في تسكين غضبنا. فإن كما سمعت: التحرز من الغضب فيه جماع الخير. والآن حان وقت الأذان، فإن شاء الله يؤذن مؤذن، وأظن تجلسون بين الأذان ربع ساعة، صح؟ يكمل هذا الوقت إن شاء الله أخونا الأستاذ سعد بن ربيل، حفظه الله تعالى وبركاته. ترجمة نانسي قنقر.