الخطبة بعنوان الصحابة اتبعوا ولم يحتفلوا ويبتدعوا، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 9 ربيع الأول 1446هـ الموافق 12 سبتمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستهل الخطيب بالحمد والشهادة مستشهداً بآيات تقوى الله، ويؤكد أن الصحابة هم خير من وطأت أقدامهم الأرض بعد الأنبياء لاصطفاء الله لهم. يبين أن الله ورسوله أثنيا عليهم كثيراً في القرآن والسنة مقدماً طرفاً من فضائلهم.
تستعرض الآيات فضائل المهاجرين الذين تركوا ديارهم ابتغاء مرضاة الله، والأنصار الذين آثروا إخوانهم على أنفسهم. كما تذكر تزكية أهل بيعة الرضوان بإخلاص قلوبهم وإنزال السكينة عليهم.
يستعرض المقطع آيات تشهد لفضل الصحابة بوصفهم بالرحمة والشدة على الكافرين وعلامات السجود، وتفاضل من أنفق وقاتل قبل الفتح. يؤكد ابن تيمية أن شهادة الله لهم بالرضا تقتضي ثباتهم على الإسلام حتى الممات.
يشهد الله بتوبته على النبي والمهاجرين والأنصار في غزوة تبوك خلال ساعة العسرة. يبين القرآن أن قبول الإيمان مشروط بموافقة إيمان الصحابة ومنهجهم كما ورد في الآية الكريمة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفوته من خلقه وخليله، أشهد بأنه قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلاة ربي وسلامه عليه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن خير من وطأت أقدامهم أرض الله جل وعلا بعد النبيين: الصحابة الكرام، الأجلا، الأتقياء، الأصفياء، فقد اصطفاهم الله جل وعلا لصحبة رسوله عليه الصلاة والسلام، لما علم ما في قلوبهم من الإجلال والتعظيم لله تبارك وتعالى الكبير المتعال، ولما في قلوبهم من المحبة العظيمة لرسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. فكم أثنى الله عز وجل عليهم في كتابه الكريم المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وكم أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته الغراء، التي قال جل وعلا في وصفها: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وإني في هذا المقام أذكر طرفًا من فضائل أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ففي هذه الآية تزكية من الله جل وعلا للصحابة، تزكية لبواطنهم، علم الله عز وجل صدقهم فأخبر عن صدقهم وعن إخلاصهم، وأنهم يبتغون من الله فضلا ورضوانا، وأنهم يريدون نصر الله جل وعلا ونصر رسوله عليه الصلاة والسلام، وأثنى جل وعلا عليهم لتركهم أموالهم وديارهم ابتغاء مرضاة الله جل وعلا، وأثنى الله جل وعلا على الأنصار الذين سبقوا المهاجرين إلى المدينة، وعلم الله جل وعلا صدق قلوبهم ومحبة قلوبهم لإخوانهم المهاجرين، وأنهم يحبون هجرتهم إليهم، وأنهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، وأنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وأنهم لا يوجد في قلوبهم الشح، الشح ولو القليل. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. آية ثانية في تزكية بواطن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، الذين شهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية، الذين بايعوا رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال جابر كما في الصحيح: «كنا ألفًا وأربعمائة». هؤلاء رضي الله جل وعلا عنهم، هؤلاء علم الله جل وعلا ما في قلوبهم، أي من الإخلاص والصدق والتقوى والتوحيد والإيمان والتعظيم لشهادة رب العالمين تبارك وتعالى. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. آية في تزكية ظواهر الصحابة، كما زكى الله عز وجل بواطنهم زكى الله جل وعلا ظواهرهم، فصلاحهم ظاهر على وجوههم، وفي سيماهم آثار الركوع، وسيماء السجود ظاهر على ظواهرهم، صدقهم الله جل وعلا، وبين إخلاصهم جل وعلا، وأن ما ظهر على وجوههم من آثار وسيماء هي لإخلاصهم وصدقهم. قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. تزكية من الله جل وعلا، وشهادة من الله جل وعلا الشهيد للصحابة جميعًا، وأنهم من أهل الجنة، من أنفق وقاتل قبل الفتح، أو أنفق وقاتل بعد الفتح، وكلا وعد الله الحسنى وهي الجنة. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ذلك الفوز العظيم، ذلك الفوز العظيم. تزكية من الله جل وعلا للسابقين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، بأنه جل وعلا رضي عنهم. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم: إن الله جل وعلا لا يرضى عن أحد ولا يشهد لأحد بالجنة ثم يموت على غير الإسلام، ثم يموت على غير شهادة الله التي شهد جل وعلا بها لهم، هذا محال، لأنه جل وعلا العليم سبحانه وتعالى بخواتيم عباده التي يختم بها لهم. وقال عز وجل: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. شهادة من الله عز وجل بأنه قد تاب عليهم جل وعلا، كما تاب على نبيه، تاب على المهاجرين، وتاب على الأنصار الذين اتبعوه عليه الصلاة والسلام في ساعة العسرة، في غزوة تبوك، في ساعة الشدة، في ساعة المحنة. وقال جل وعلا في كتابه الكريم مبينًا فضل الصحابة، وأنه لا يقبل إيمان من أحد إلا إذا كان إيمانه موافقًا لإيمان الصحابة، ولا يقبل منهجه إلا إذا كان منهجه موافقًا لمنهج الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِم