الدرس في التعليق على منظومة السير إلى الله والدار الآخرة، مجلس علمي والذي كان بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفة بالشحر يوم الخميس 20 صفر 1447هـ الموافق 14 أغسطس 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يفتتح الشيخ المجلس بشرح منظومة ابن سعدي التي ترسم منازل السائرين إلى الله، مميزاً بين الأبرار في بداية الطريق والمقربين في ذروته. ويؤكد أن السير يتم بالقلب لا بالبدن، مستشهداً بأقوال ابن القيم وابن رجب، مبيناً أن الوصول إلى الله نوعان: معرفة ومحبة في الدنيا، ودخول الجنة في الآخرة.
يشرح المقطع أصول طريق النجاة مستهلاً بدعاء الهداية في الفاتحة، مركزاً على التخلية من الشرك والبدع والمعاصي والتحلية بالأخلاق الحسنة. ويبين شرطين لقبول العمل هما الإخلاص لله والمتابعة للنبي ﷺ، مع تفصيل منازل الخوف والرجاء والمحبة كعبادات قلبية تدفع للعمل الصالح.
يوضح المقطع التوازن الدقيق بين الخوف والرجاء كجناحي الطائر، مبيناً أن المحبة هي أصل المنازل كلها ومنشأ الأعمال الصالحة. ويبرز فضل ذكر الله كأعظم العبادات ودوائها للقلوب، مختتماً بمنزلة التقرب بالطاعات والفرائض والنوافل واجتناب المحرمات.
يشرح المقطع منزلة التقرب إلى الله بأداء الفرائض ثم النوافل حتى تنال محبة الله، مؤكداً أن أعظم الكرامات دوام الاستقامة على الصراط المستقيم. ويحذر من تقديم النوافل على الفرائض ومن ذنوب الخلوات التي تحبط الأعمال، مستعرضاً حال السلف في الجمع بين كثرة الطاعة والخوف من عدم القبول وسوء الخاتمة.
يشرح المقطع منزلة الصبر كحبس النفس على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره، مستعرضاً أركانه الثلاثة التي ذكرها ابن القيم في «الوابل الصيب» والتي تقلب المحنة منحة. ويستدل بآيات وأحاديث وآثار سلفية تبرز فضل الصبر وعظيم أجره، منها وصف النبي ﷺ الصبر بأنه ضياء وقول علي بن أبي طالب: الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فنحمد الله تبارك وتعالى على نعمه الكثيرة وآلائه العظيمة التي لا نستطيع لها حصراً، وصدق ربنا إذ يقول: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾، وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾. ومن هذه النعم، أيها الأحبة في الله، نعمة مجالس العلم وحلق الذكر التي يحبها ربنا تبارك وتعالى، وهكذا يحب أهلها. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يجعل هذا الاجتماع مرحوماً، وتفرقنا من بعده معصوماً، وأن لا يجعل منا ولا بيننا شقياً ولا محرماً. أسأله جل في علاه الذي جمعنا في هذا المسجد المبارك أن يجمعنا في دار كرامته وعلياء جنته إخواناً على سرر متقابلين. ثم جزى الله خيراً من كان سبباً في هذه اللقاءات العلمية وهذه المجالس النافعة، ألا وهو أخونا المبارك أبو خليل حفظه الله تعالى، وهكذا من معه من إخوانه المتعاونين على هذا الخير، على نشر العلم وبثه في أوساط الناس. أيها الأحبة في الله، سمعتم عنوان هذا المجلس، ألا وهو عبارة عن تعليق لمنظومة وقصيدة للعلامة المفسر الفقيه الأصولي الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهذه القصيدة أو هذه المنظومة تتحدث حول السير أو في السير إلى الله والدار الآخرة، بيّن رحمه الله تعالى فيها بعض منازل السائرين إلى الله تبارك وتعالى، وهذه المنازل تعتبر مقامات العبودية التي ينزل بها الموحد في طريق سيره إلى الله عز وجل في هذه الدنيا. في هذه الدنيا، وأسائرون في هذا الطريق إلى الله عز وجل والدار الآخرة، هم عبارة عن صنفين اثنين من الناس: الصنف الأول هم الأبرار، والصنف الثاني هم المقربون. والأبرار هم في أوائل هذا الطريق، بينما المقربون هم في ذروة السنام، هم قد سبقوا غيرهم في هذا الطريق. وينبغي أن نعلم كذلك أيضاً أن السير إلى الله عز وجل يكون بلزوم العبودية لله تبارك وتعالى، فالسير إلى الله عز وجل وإلى الدار الآخرة يكون بالقلوب، يكون بالقلوب. وهكذا أيضاً قد يشارك البدن القلب في هذا الطريق. ورحم الله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إذ يقول في كتابه «الفوائد»: «فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه، قال: فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته، لا ببدنه، لا ببدنه». ونحن يا إخوان نسير في هذه الدنيا إلى الله عز وجل، لا ندري متى ينتهي سيرنا ومتى ينقطع سفرنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». بل ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾، كدحاً فملاقيه. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾، أي حتى يأتيك الموت، وينتقل العبد من هذه الدار إلى دار البرزخ، ومن ثم ينتقل إلى الدار الآخرة، ينتقل إلى الدار الآخرة. ومما ينبغي أيضاً أن يعلم أن الوصول إلى الله عز وجل على نوعين، الوصول في سيرنا إلى الله عز وجل على نوعين: النوع الأول يكون في الدنيا، بينما الثاني يكون في الآخرة. فأما الوصول الدنيوي إلى الله عز وجل، فالمراد به أن القلوب تصل إلى معرفة الله عز وجل، قلوبنا، قلوبنا تصل إلى معرفة ربنا عز وجل. فإذا عرفت القلوب ربها سبحانه وتعالى فإنها تحبه، وهكذا تأنس به سبحانه وتعالى، فيكون ربنا عز وجل قريباً منها ومجيباً لدعائها. ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾، إذا دعان. وأما الوصول الأخروي إلى الله تبارك وتعالى، فهذا أحبتي في الله يكون بدخول الجنة، يكون بدخول الجنة. والجنة يا إخوان هي الدار التي يكرم الله عز وجل بها أولياءه، أولياءه. وأولياء الله في الجنة ليسوا على درجة واحدة، وإنما هم في درجات، الجنة مئة درجة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ما بين الدرجة والأخرى كما بين السماء والأرض. ما سبب هذا التفاوت بين أهل الجنة في هذه الدرجات؟ هو تفاوتهم في سيرهم في هذه الدنيا إلى الله تبارك وتعالى، إلى الله تبارك وتعالى. ورحم الله العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى، فقد ذكر في شرحه لهذه المنظومة قائلاً: «قد حصلت على كثير من منازلي، أو قد حصلت على كثير من منازلي السائرين إلى الله التي توصل صاحبها إلى جنات النعيم، إلى جنات النعيم في جواري الرب الكريم، وتمنعه من عذاب الجحيم والحجاب الأليم». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وهذا إن دل على شيء دل على ما تضمنته هذه المنظومة من ذكر وبيان لمنازل هذه المنازل ينزلها السائرون إلى الله عز وجل، السائرون إلى الله عز وجل. ومنازل السائرين والسالكين إلى الله تبارك وتعالى اهتم العلماء ببيانها وإيضاحها، وممن فصل في ذكر هذه المنازل الإمام شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي رحمه الله تعالى، أبو إسماعيل الهروي له كتاب عظيم اسمه «منازل السائرين»، منازل السائرين. جاء بعده الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وشرحه في كتابه العجاب، في كتابه العجاب «مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين». والكتاب الأصل لأبي إسماعيل الهروي، وشرحه لابن القيم، رحم الله الجميع، يعتبر من أحسن ما ألف وصنف في هذا الباب. هذه المنظومة التي نظمها العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى، اجتمعت على ثمانية عشر بيتاً، ثمانية عشر بيتاً. وهذه الأبيات تضمنت ذكر وبيان لمجموعة كبيرة من هذه المنازل، منازل السالكين والسائرين إلى الله تبارك وتعالى. وكلنا يا إخوان يسير في هذا الطريق، كلنا يريد ما عند الله تبارك وتعالى. وقد ذكر الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى قائلاً: قال ابن رجب: «والطريق الموصل إلى الله هو سلوك صراطه المستقيم، سلوك صراطه المستقيم الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه، وأمر الخلق كلهم بسلوكه والسير فيه، بسلوكه والسير فيه». وذكر رحمه الله تعالى حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: في خط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً، وجعل على جانبي هذا الخط خطوطاً أخرى، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «هذا صراط الله مستقيماً، وهذه السبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، شيطان يدعو إليها». وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾. ونحن يا إخوان ندعو في كل ركعة من ركعات صلاتنا بأعظم دعاء، ألا وهو ما جاء في سورة الفاتحة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾. ثم بين ذلك قال: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾، أي من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. كن رفيقاً لهم في هذا الصراط وفي هذا الطريق إلى الله عز وجل، ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾. والمغضوب عليهم هم اليهود الذين علموا ولم يعملوا بهذا العلم، فكان ذلك سبباً لغضب الله عليهم، ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾، أن يحملوا كتباً. وأما الضالون فهم النصارى، عملوا بلا علم، عملوا بلا علم، فظلوا. ولهذا يقول سفيان رحمه الله تعالى: «من ضل من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن ضل من عبادنا ففيه شبه بالنصارى»، ففيه شبه بالنصارى. والمصنف رحمه الله تعالى ذكر أو استهل هذه المنظومة النافعة بقوله رحمه الله تعالى: «سعد الذين تجنبوا سبل الردى وتيمموا لمنازل الرضواني، وتيمموا لمنازل الرضواني». فذكر رحمه الله تعالى ذكر أول هذه المنازل، ألا وهي أن الإنسان يجمع همته على الآخرة، يهتم بعمارة الدار الآخرة. قال: «سعد الذين تجنبوا سبل الردى، سبل الردى، وتيمموا لمنازل الرضواني». وسبل الردى يتضمن ثلاثة أشياء: الأمر الأول الشرك، والأمر الثاني البدع، والأمر الثالث المعاصي. فهذه هي أنواع الردى، تدخل فيها، تدخل فيها. قال: «سعد الذين تجنبوا سبل الردى وتيمموا»، ومعنى تيمموا أي قصدوا لمنازل الرضواني. وهذه المنازل عند الله تبارك وتعالى في ماذا؟ في هذه المنازل التي تنال بها أو ينال بها العبد ما عند الله تبارك وتعالى. وهذا البيت أيها الأحبة في الله اشتمل على أصلين عظيمين، اهتم بهما أهل السنة والجماعة، وكثيراً ما يدندن حولها. الأصل الأول يسمى التخلية، والأصل الثاني هو التحلية، هو التحلية. بمعنى آخر التصفية، ثم بعدها يأتي التربية على ماذا؟ على هذا الخير. بعد ذلكم، الصفا: ذكر العلامة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى في شرحه على هذا الباب قال: «هذا هو أصل طريقهم، هذا هو أصل طريقهم وقاعدة سير فريقهم، وقاعدة سير فريقهم: أنهم يجتنبوا طرق الخسران وتيمموا طرق الرضوان، تجنبوا طرق الشيطان وقصدوا عبادة الرحمن، تجنبوا طرق الجحيم وتيمموا سبل النعيم، تركوا السيئات وعملوا الحسنات، نزهوا قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم عن المحرمات والمكرهات، وشغلوها بفعل الواجبات والمستحبات، تحلوا بالأخلاق الجميلة وتخلوا من الأوصاف الرذيلة». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فهذه تعتبر أول المنازل لهؤلاء السائرين إلى الله تبارك وتعالى، أنهم جمعوا هممهم لماذا؟ للآخرة وعملي الآخرة. قال رحمه الله تعالى: «قال فهم الذين أخلصوا في مشيهم متشرعين بشرعة الإيمان». وفي هذا البيت ذكر رحمه الله تعالى ذكر منزلتين هما تعتبران أصل لقبول الأعمال وصحة هذه العبادات، ألا وهما: الإخلاص لله عز وجل، الأمر الثاني الاتباع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾. فالعبادات لا تكون مقبولة والأعمال لا تكون صحيحة إلا بهذين الميزانين: ميزان باطن وهو الإخلاص لله عز وجل، وميزان ظاهر ألا وهو المتابعة لنبينا صلى الله عليه وسلم، لنبينا صلى الله عليه وسلم. قال: «فهم الذين أخلصوا في مشيهم، أخلصوا في مشيهم». والأعمال إذا لم يوجد فيها إخلاص كانت وبالاً على صاحبها، كانت سبباً للعذاب الأليم عند الله تبارك وتعالى. ولهذا في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم في أولئكم الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة: الأول عالم، في رواية قارئ للقرآن، والثاني مجاهد، والثالث جواد كريم منفق. أعمال عظيمة، لكن حين أن فقدت الإخلاص لله عز وجل كان أصحابها من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. ولهذا يقول الإمام مالك بن دينار رحمه الله تعالى: «قولوا لمن لم يكن صادقاً لا يتعنى، قولوا لمن لم يكن صادقاً أي مع الله عز وجل لا يتعنى، أي لا يتعب نفسه، لأنه يعمل فيما لا ينفعه بل يضره، بل يضره». والإخلاص يا إخوان هذا سر بين الله عز وجل وبين العبد، لا نستطيع أن نطلع على ما في قلوب البشر، وإنما لنا الظواهر، لنا الظواهر. وهكذا الأمر الثاني، ألا وهو المتابعة، لأن نبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «متشرعين بشرعة الإيمان، بشرعة الإيمان». وهذا يتضمن الاتباع لأن نبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن نبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي مردود على صاحبه، مردود على صاحبه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، فهو رد». والخير كل الخير في اتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: «قال وهم الذين بنوا منازل سيرهم بين الرجاء والخوف للديان». وهنا ذكر ثلاث منازل للسائرين إلى الله عز وجل: المنزلة الأولى منزلة الخوف من الله تبارك وتعالى، والثانية هي منزلة الرجاء، والثالثة هي منزلة المحبة، هي منزلة المحبة. أما بالنسبة للرجاء فقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مدارج السالكين» أن الرجاء هو الاستبشار بجود وفضل الله عز وجل. قال: «الرجاء هو الاستبشار بجود وفضل الله عز وجل». وبعبارة أخرى قال العلماء في الرجاء: «هو الطمع في الحصول على الشيء، الطمع في الحصول على الشيء». والرجاء يعتبر عبادة قلبية، ومما يدل على أن الرجاء عبادة أن الله تبارك وتعالى جعله صفة لعباده المؤمنين، قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا ﴾ إلى أن قال: ﴿ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾، أولئك بفعلهم هذا وأعمالهم هذا يرجون رحمة الله. وأيضاً مما يدل على أن الرجاء عبادة أن الله تبارك وتعالى علق على الرجاء العمل الصالح، قال سبحانه: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً. والذي يحرك الرجاء في قلب المؤمن ويجعله يعظم هو أنه يطالع كرم الله عز وجل ويتأمل في فضله سبحانه وتعالى، ينظر إلى عفوه وحلمه سبحانه وتعالى، فعندها يعظم في نفسه وفي قلبه الرجاء الذي هو ماذا؟ طمع فيما عند الله تبارك وتعالى. أما بالنسبة للخوف فالخوف أيضاً عرفه ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: «هروب القلب». قال: «الخوف هو هروب القلب من حلول مكروه عند استشعاره، إذا شعر أن المكروه قد دنى واقترب منه هنا ينتاب القلب شعور، هذا الشعور يسمى خوفاً». والخوف عبادة قلبية عظيمة يظهر أثرها على الجوارح كالبكاء والخشوع، وهكذا غيرها من هذه الآثار. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَلِمَان خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾، ولمن خاف مقام ربه، خاف الوقوف بين يدي الله عز وجل، هذا له جنتان. ولما ذكر ربنا عز وجل من النعيم ما ذكر قال: ﴿ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾، لمن خشي ربه. والخوف والرجاء ينبغي أن يكون عند المؤمن كجناحي الطائر، فلا يغلب جانب الرجاء، وهكذا لا يغلب جانب الخوف، وإنما الأصل أن يكون معتدلين: رجاء يجعلك تجتهد في فعل الفرائض والواجبات وجمع الأجور والحسنات، وخوف يجعلنا ننزجر، وهكذا نبتعد عن الوقوع في السيئات والخطايا، وهكذا المعاصي والمحرمات. إلا أن العلماء ذكروا أنه عند شدة المرض أو عند دنو واختراق الأجل هنا ينبغي أن يغلب جانب الرجاء، أن يغلب جانب الرجاء، أي ما عند الله تبارك وتعالى، ما عند الله تبارك وتعالى. فإذا جاءه الموت فيكون محسناً للظن بالله تبارك وتعالى، بالله تبارك وتعالى. وهكذا قل في ماذا؟ في منزلة المحبة. ومنزلة المحبة ذكرها الناظم رحمه الله تعالى في البيت الذي بعده فقال: «وهم الذين ملأ الإله قلوبهم بوداده ومحبة الرحمن، بوداده ومحبة الرحمن». والمحبة لله عز وجل هذه تعتبر منزلة عظيمة من منازل السائرين والسالكين إلى الله تبارك وتعالى. منزلة الحب يا إخوان، قالوا هي أصل المنازل كلها، أصل المنازل كلها، ومنها تنشأ جميع الأعمال الصالحة، جميع الأعمال الصالحة، وهكذا النافعة، وهكذا المنازل العالية، كما ذكر ذلك العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى في شرحه. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى حين أن تحدث عن منزلة المحبة في كتابه «مدارج السالكين» قال رحمه الله تعالى: «قال: المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون». قال رحمه الله تعالى: «قال فهي قوت القلوب، المحبة، قال فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، قال وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، المحبة، قال وهي الحياة التي من حرمها كان من جملة أو فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام». إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. والمحبة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: «قال: بل جميع الأعمال، بل جميع الأعمال الإيمانية والدينية لا تصدر إلا من محبة الله، إلا من محبة الله». وهذا إن دل على شيء دل على عظم هذه المنزلة، ألا وهي منزلة المحبة، منزلة المحبة. قال رحمه الله تعالى: «قال وهم الذين قد أكثر من ذكره في السر والإعلان والأحيان». وهم الذين، أي السائرون إلى الله تبارك وتعالى، هم الذين قد أكثر من ذكره. ولاحظوا يا إخوان منزلة الذكر هذه تعتبر أثراً من آثار المحبة، الشخص إذا أحب شيئاً أكثر من ذكره. أو ما تلاحظون من يعشق الكرة دائماً حديثه حول الرياضة، دائماً يتحدث حول المسابقات الكروية، وهكذا المنافسات الرياضية، ما يتعب. الذي يحب مهنته، صاحب البحر مثلاً دائماً يتحدثون في الصيد والسمك وغيرها، الذين تعلقت قلوبهم بالأراضي والعقار ونحوها دائماً حديثهم حول هذا. فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره. وهكذا يا إخوان من أحب الله عز وجل فإنه يكثر من ذكره سبحانه وتعالى. قال: «قد أكثر من ذكره في السر»، أي خالياً لوحده، «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». قال: «والإعلان»، أي في العلن أمام الناس. قال: «والأحيان»، والأحيان جمع حين، والمقصود به هاهنا أنهم يذكرون الله عز وجل في جميع أحيانهم وأوقاتهم، كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها عن نبينا صلى الله عليه وسلم: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في جميع أحيانه». أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وربنا عز وجل أمرنا بذكره، بل أمرنا أن نكثر من ذكره سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾، بكرة وأصيل. وتكلم شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى عن الذكر وفوائده، فذكر للذكر ما يزيد على مئة فائدة، على مئة فائدة. ولهذا يا إخوان ذكر الله يعتبر من أعظم العبادات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، الذهب والفضة، قال: وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله، ذكر الله». فإذن يا إخوان ذكر الله يعتبر دواء، وذكر الناس يعتبر داء، كما قال الإمام عبد الله أو عبد الله بن عون رحمه الله تعالى: «عبد الله بن عون يقول: ذكر الناس داء، كلم دائماً في الناس، فلان فعل وفلان ترك، هذا مرض. ذكر الناس داء، وذكر الله دواء». علق الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه «سير أعلام النبلاء» على ذلك قائلاً: «إي والله، قال: إي والله، فالعجب منا، فالعجب منا ومن جهلنا، كيف ندع الدواء ونقتحم الداء، كيف ندع الدواء ونقتحم الداء». ومما يدل على أهمية هذه المنزلة، ألا وهي منزلة الذكر، أنها العبادة التي لا تنقطع حتى في الجنة، العبادة التي لا تنقطع حتى في الجنة. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة يلهمون التسبيح والذكر كما يلهمون النفس، كما يلهمون النفس. قال العلماء: هذه عبادة تلذذ لا عبادة تكليف، فالتكليف قد انقطع بدخول الجنة، فالآخرة هي دار الجزاء والدنيا هي دار الابتلاء، الآخرة دار الحصاد والدنيا دار الجد والاجتهاد. ولهذا يقول الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: «لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا»، سفيان بن عيينة يقول: «لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا، لأهل الدنيا». وكذلك أيضاً ذكر رحمه الله تعالى من هذه المنازل في هذه المنظومة قال: «يتقربون إلى المليك بفعلهم طاعاته والترك للعصيان، يتقربون إلى المليك بفعلهم طاعاته والترك للعصيان». هذه المنزلة التي ذكرها بعد منزلة الذكر هي منزلة فعل الطاعات وترك المعاصي، وترك المعاصي. فهم يتقربون إلى الله عز وجل، وتقربهم إلى الله بأمرين اثنين: الأمر الأول فعل الأوامر، الأمر الثاني ترك النواهي. ففعل الأوامر يشمل الفرائض والواجبات والنوافل، وهكذا وسائلها. وترك النواهي يشمل المحرمات والمكرهات وما يكون من الورع تركه. وقد جاء في حديث أبي هريرة القدسي في صحيح الإمام البخاري قال نبينا صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه». إذن أداء الفرائض هذا أحب الأعمال إلى الله عز وجل. قال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»، ما هي النوافل؟ المستحبات، التطوع. «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»، أي بعد أدائه للفرائض، «حتى أحبه». قال: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». قال العلماء: معنى ذلك أي أن الله عز وجل يوفقه لعمل الخير، هذه الجوارح يستعملها في عمل الخير. قال: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». أكذا جاء في حديث أبي هريرة القدسي، القدسي. إذن أداء الفرائض، فعل الطاعات، واجتناب المعاصي والمحرمات، اجتناب المعاصي والمحرمات. طيب، هناك من الناس من يخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، صلى بعد الصلاة قد يفعل من المحرمات ما يفعل. فذكر العلماء أن من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً كان له من القرب بقدر الطاعات، وله من البعد بقدر المعاصي والسيئات، بقدر المعاصي والسيئات. وقوله هنا: «يتقربون إلى المليك»، المليك اسم من أسماء الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾، عند مليك مقتدر. والذين يحرصون على التقرب إلى المليك هم السابقون بالخيرات، هم السابقون بالخيرات. السابقون، السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم، في جنات النعيم. وقال تعالى في ورثة القرآن: ﴿ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ﴾، ومنهم سابق بالخيرات. فمن كان أكثر تقرباً إلى الله في الدنيا كان أقرب منه سبحانه وتعالى في الجنة. فماذا الجزاء من جنسي العمل؟ الجزاء من جنسي العمل. وينبغي أن نعلم يا إخوان أن من أعظم الكرامات التي يكرم بها ربنا عز وجل عباده هو ماذا؟ أن يكون على استقامة، وأن يكون في طاعتهم مستمرين ومداومين، مستمرين ومداومين. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال: أعظم الكرامة دوام الاستقامة، دوام الاستقامة». وهذه هي وصية النبي صلى الله عليه وسلم، جاء سفيان بن عبد الله الثقفي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً أحداً بعدك». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم، ثم استقم». والاستقامة معناها يا إخوان هي سلوك الصراط المستقيم، كما قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه «جامع العلوم والحكم»: «قال والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، يمنة ولا يسرة». قال: «ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك». أكذا يقول رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «قال فعل الفرائض والنوافل دأبهم مع رؤية التقصير والنقصان». هذه المنزلة التاسعة من المنازل التي اشتملت عليها هذه المنظومة، ألا وهي أنهم مع فعلهم للفرائض وفعلهم للنوافل ومداومتهم على ذلك طول حياتهم، إلا أنهم لا يغترون بهذا العمل، لا يغترون بهذا العمل، وإنما يخافون أن لا يتقبل منهم، يخافون أن لا يتقبل منهم. وقد قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾، أي خائفة ﴿ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾. ومعنى ذلك يا إخوان أنهم يخافون أن لا يتقبل الله منهم ذلك، يخاف أحدهم أن يحبط عمله، أن يحبط عمله، يخاف أحدهم من الخاتمة السيئة. فهم جمعوا بين كثرة العمل والعبادة مع الخوف والوجل وعدم الأمن من مكر الله تبارك وتعالى. قال: «فعل الفرائض والنوافل دأبهم»، ومعنى دأبهم أي طول حياتهم، طول حياتهم. قال: «مع رؤية التقصير والنقصان». أحدهم لا يعجب بعمله ولا يغتر بحاله، يخاف أن الله تبارك وتعالى، أما ذا لا يتقبل منه. ولهذا ربنا تبارك وتعالى، أما ذكر جملة من أنبيائه ورسله قال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾، رغبا ورهبا، خائفين. يا إخوان، ألا يتقبل الله عملهم؟ جاء عن صديق هذه الأمة أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لو دخلت إحدى رجلي الجنة لما أمنت أن تدخل الأخرى». أكذا جاء عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وهو المبشر بالجنة، وهو صاحب المواقف العظيمة والبطولات الكبيرة. سفيان بن عيينة أو ماذا؟ سفيان الثوري رحمه الله تعالى كان يبكي بكاءً شديداً، فلما سئل عن ذلك ذكر أنه يخاف من سوء الخاتمة، يخاف من سوء الخاتمة، يخاف من ماذا؟ من أن يحبط العمل. جاء في حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ابن ماجه وغيره وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام: «لأعلمن أقواماً من أمتي، أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات كأمثال جبال تهامة بيضاً، كأمثال جبال تهامة بيضاً، قال: يجعلها الله هباء منثوراً، يجعلها الله هباء منثوراً». قال ثوبان: «قلنا يا رسول الله صفهم لنا، جلهم لنا، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم». فقال عليه الصلاة والسلام: «هم من إخوانكم ومن بني جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى قال: «أجمع العارفون بالله أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وأن عبادات الخفاء هي من أعظم أسباب الثبات، من أعظم أسباب الثبات». ذنوب الخلوات هذه سبب لنسف الحسنات، تذهب الحسنات وتكون هباء منثوراً. نسأل الله العافية والسلامة. قال: «مع رؤية التقصير والنقصان». إذن مع أعمالهم التي يعملونها إلا أنهم يشعرون بالنقصان، وهكذا أيضاً بالتقصير. وهذا هو دأب المؤمن، وهكذا ينبغي أن يكون ديدن المسلم. وقد ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه «تلبيس إبليس»، و«تلبيس إبليس» هذا كتاب قيم يا إخوان لشيخ الإسلام أو للإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى. قال ابن الجوزي: «قال: وقد لبس إبليس، لبس إبليس على جماعة من المتعبدين، فأكثر، فأكثر من صلاة الليل، وفيهم من يسهره كله، ويفرح بقيام الليل وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض». قال: «ثم يقع قبيل الفجر فتفوته الفريضة». أيهما أحسن يا إخوان؟ رجل نشيط يقوم يصلي الليل ويقرأ قرآن ويدعو ويستغفر، لكنه قبل أذان الفجر تأخذه عينه ويهجم عليه النوم فلا يستيقظ إلا بعد صلاة الفجر، بينما آخر قد يتعشى وينام، لكنه ماذا؟ يستيقظ قبيل الفجر ويحافظ على صلاة الجماعة. أيهما أفضل يا أبا عبد الرحمن؟ أيهما أفضل؟ الثاني، لأنه حافظ على الفريضة، حافظ على الفريضة، ولم يقدم النافلة عليها. وليس معنى هذا التزهيد في الطاعة وفي قيام الليل، النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أفضل الصيام صيام داود، وأفضل القيام قيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه»، أي ماذا؟ كي يعين بهذا النوم الأخير على الفرائض، على الفرائض. أكذا يقول رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «صبروا عندكم، صبروا أو صبروا بالتشديد، بالتخفيف كأنها بالتشديد أو لا، صبروا بتشديد، نعم عندنا في بعض النسخ بالتخفيف، قال: صبروا النفوس على المكاره كلها». نبه على هذا: صبروا من أجل، من أجل ضرورة الشعر هنا، طيب هذا يحتمل، وكذلك أيضاً بالتشديد، من حيث المعنى هو الأقرب، ومن حيث الوزن. نبه أخونا أبو خليل على أن بعض أهل العلم وهو الشيخ عبد الرزاق البدر نبه على أنها بالتخفيف، طيب. «صبروا النفوس على المكاره كلها، شوقاً إلى ما فيه من إحساني». هذه المنزلة ماذا نسميها يا إخوان؟ منزلة الصبر، منزلة الصبر. والصبر هو حبس النفس على طاعة الله عز وجل، وهكذا عن معصية الله، وهكذا على أقداره سبحانه وتعالى. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه ماذا؟ في كتابه «الوابل الصيب»، ذكر رحمه الله تعالى أن مدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، على هذه الأركان الثلاثة. فإذا قام بها العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، انقلبت المحنة الشدة في حقه منحة، أي جائزة، وهكذا كرامة وفضيلة. قال: «واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوباً، وصار المحبوب أو ماذا؟ المكروه محبوباً». والصبر يا إخوان يعتبر من أعظم هذه المنازل للسائرين إلى الله تبارك وتعالى. الصبر يا إخوان من الإيمان كالرأس من الجسد، كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس له. أكذا جاء عن الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً ولا أوسع من الصبر، ولا أوسع من الصبر». ولما ذكر الله عز وجل الجنة ونعيمها قال سبحانه: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا ﴾، والغرفة من أعلى منازل أهل الجنة، من أعظم منازل أهل الجنة. قال: «شوقاً إلى ما فيه من إحساني، شوقاً إلى ما فيه من إحساني». فهذا الشوق إلى ما عند الله تبارك وتعالى حملهم على الصبر. قال عمر: «وجدنا خير عيشنا في الصبر، وجدنا خير عيشنا في الصبر». قال رحمه الله تعالى: «والنبي صلى الله عليه وسلم وصف الصبر بأنه ضياء، قال: والصبر ضياء، ما قال نور، قال: والصبر ضياء». ولهذا ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى نكتة علمية، والنكتة أي الفائدة المستنبطة بدقة، ذكر عند قوله عليه الصلاة والسلام: «والصبر ضياء». قال: «وأما الصبر فإنه ضياء، والضياء هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة، الضياء قال: