الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الناظم الفتح البستي يقدم في منظومته "عنوان الحكم" سلسلة من الحكم والوصايا النافعة. يبدأ بتوجيه الانتباه إلى أهمية الاستماع لهذه الحكم.
الإحسان بكل وجوهه يحث على فعل الخير ويستميل قلوب الناس. تأثير الإحسان يختلف حسب طبائع الناس ومعادنهم.
الناس يتفاعلون بشكل مختلف مع الإحسان، فمنهم من يقدره ومنهم من لا يتأثر به. هناك تفاوت في استجابة الناس للمعروف والإحسان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الناظم الفتح البستي رحمه الله في منظومته «عنوان الحكم»: وأرعى سمعك أمثالا أفصلها كما يفصل ياقوت ومرجان أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، فطالما استعبد الإنسان إحسان يا خادم الجسم، كم تشقى لخدمته؟ أتطلب الربح مما فيه خسران؟ أقبل على النفس واستكمل فضائلها، فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان وإن أساء مسيء، فليكن لك في عروض زلته صفح وغفران وكن على الدهر معوانا لذي أمل، يرجو نداك، فإن الحر معوان واشدد بيدك بحبل الله معتصما، فإنه الركن إن خانتك أركان من يتق الله يحمد في عواقبه، ويكفيه شر من عز ومن هان ويكفيه شر من عز ومن هان من استعان بغير الله في طلب، فإن ناصره عجز وخذلان من كان للخير من ناعا، فليس له على الحقيقة إخوان وأخدان من جاد بالمال مال الناس قاطبة إليه، والمال للإنسان فتان من سالم الناس يسلم من غوائلهم، وعاش وهو قرير العين جذلان من كان للعقل سلطان عليه، غدا وما على نفسه للحرص سلطان من مد طرفا لفرط الجهل نحوه، هوى، أغضى على الحق يوما وهو خزيان قال الشارح - فقه الله - يقول رحمه الله: «وأرعى سمعك أمثالا أفصلها كما يفصل ياقوت ومرجان». قال: أي بعد هذه المقدمة في التحذير عن الانكباب على الدنيا والافتتان بها، وجعلها أكبر هم الإنسان، بعد تحذيره - رحمه الله - من ذلك، بدأ يصوغ حكما، وينثر وصايا عظيمة في أبيات، كل بيت منها بمفرده يحمل حكمة عظيمة، وصية نافعة، وبدأ بأول ما بدأ باسترعاء الاهتمام، والحث على الانتباه لهذه الوصايا بقوله: «وأرعى سمعك أمثالا نفصلها كما يفصل ياقوت ومرجان». وهذا من بلاغة المصنف أنه شبه هذه الحكم التي سيذكرها بالياقوت والمرجان، وذلك لصفاء هذين النوعين من الجواهر، وغاية نقائهما وصفائهما، فكأنه يقول: هذه نصائح في غاية من الصفاء والنقاء التي ينبغي أن يعتنى بها. وكذلك أيضا أن الياقوت والمرجان من الجواهر الثمينة، فكأنه يقول: هذه نصائح ثمينة وغالية ينبغي أن يعتنى بها. قال: لا يمدح نفسه، ولا يمدح أيضا شعره، ولكنه يستحث السامع، ويستنهض الهمم لحسن الاستفادة، وجميل الانتفاع. ولهذا يقول: «أرعى سمعك» أي: اسمع بإنصات، وتأمل وعناية دقيقة بفهم ما يقال لك، فإن في ذلك نفعا عظيما، وفائدة كبيرة. قال: والياقوت والمرجان نوعان من الجواهر والزينة. قال: «أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، فطالما استعبد الإنسان إحسان». قال: بدأ أولا بالحث على الإحسان بكل وجوه الإحسان: القول والفعل. والإحسان أمر الله جل وعلا به، العبادة، وحث عليه، ووعد عليه عظيم الثواب، فقال جل وعلا: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فالناظم يحث على الإحسان بقوله: «أحسن إلى الناس» أي بما تستطيع أن تحسن إليهم به، وهذا ندبت إليه الشريعة، وحث عليه الإسلام في نصوص كثيرة جدا، يعني الأمر بالإحسان، سواء كان هذا الإحسان إحسانا حسيا، أو كان إحسانا معنويا. الإحسان الحسي ببذل المال، وسد الدين، وقضاء الحاجة، وإعانة من يحتاج إلى إعانة في حمل شيء ثقيل، أو إصلاح شيء، ونحو ذلك. وقد يكون معنويا ببذل النصيحة، وأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم، هذا من الإحسان. وهكذا بذل الجاه يحتاج إلى من يتوسط له، أو يشفع له، ونحو ذلك. قال: «تستعبد قلوبهم» أي: بإحسانك إليهم يحصل من آثار ذلك، وثماره أن تستميل قلوبهم، وتستلطفها، وتستعطفها، بحيث لا تكون معك غليظة، بل تكون معك في أجمل ما يكون من تعامل، وأدب، وتقدير. «تستعبد قلوبهم» أن يكون لك بسبب إحسانك إليهم مثل حال العبيد، أي من حيث الاحترام، والتقدير، والتوقير، ونحو ذلك. «فطالما استعبد الإنسان إحسان» أي: كثيرا ما كان كذلك أن استعبد الإنسان إحسان الآخرين إليه. قال: مراد الناظم من هذا البيت واضح: أن الإحسان إلى الآخرين فيه ثمار، ومن ثماره أن من تحسن إليه لا ينسى معروفك، ولا يغيب عنه إحسانك، فيذكرك بالجميل، ويعاملك بالحسنة، ويحترمك، ويعرف لك إحسانك. هذا هو مراد من حيث الجملة، يعني أنك إذا أحسنت إلى الناس تستميلهم، وتستعطفهم بذلك، ويصبحون ممن يعرفون هذا الجميل، ولا ينسونه لك. فإذا طلبت منهم شيئا، أو أردت إعانة، أو شيء من ذلك، فإنهم يقومون معك مقابل ما أحسنت به إليهم. قال: لكن البيت بهذه الصيغة التي أوردها - رحمه الله تعالى - عليه انتقاد من عدة وجوه. أما الأول، فمن جهة التعبير بقوله: «تستعبد قلوبهم»، وقوله: «استعبد الإنسان». فالعبارة هنا ليست سديدة، ولا يناسب التعبير لمثل ذلك. وإنما يقال: تستلطف، أو تستميل، أو تكسب، أو نحو ذلك من العبارات. حتى وإن كان معنى العبودية ليس مقصودا، لكن تجنب العبارة مطلوب. يعني بدل قوله: «تستعبد قلوبهم»، يقول: «تستلطف قلوبهم»، أو «تستميل قلوبهم»، ونحو ذلك من العبارات التي فيها معنى هذه الألفاظ أفضل من التعبير بالاستعباد. «تستعبد قلوبهم» وإن كان لا يريد معنى العبودية، لكن يعني ذكر هذا اللفظ فيه ما فيه. فالأولى ترك هذا اللفظ، ولتزم لفظا آخر يحصل به المقصود، ويسلم من هذا الانتقاد، «تستلطف قلوبهم»، ونحو ذلك من العبارات. قال: ثانيها: أن من يحسن إلى الناس ليس هذا مقصوده، وإنما مقصوده الفوز برضا الله، وثوابه. فالإحسان إلى الناس قرب من القرب، وباب من أبواب اكتساب الثواب. فمن يحسن إلى الناس لا يحسن إليهم لأجل هذا الأمر، وإنما يحسن إليهم طلبا لرضا الله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. ثم تأتي الآثار والثمار اتباعا، ليست أصالة، ولا قصدا. قال: ثالثا: أن الأمر من حيث واقع الناس، فالناس معادن، كما أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام -: «الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». يعني أصناف وأشكال مختلفون في طبائعهم، واختلفوا في أخلاقهم، وفي صفاتهم. قال: منهم من ينفع فيه الإحسان، ويفيد فيه الجميل، فلا ينسى جميلا، ولا ينكر إحسانا معروفا. ومن الناس من سرعان ما ينسى الجميل، وينكر ما عليه من معروف، لما طبع عليه من لؤم، يعني يكون لئيما، فلا يعرف المعروف، وينسى المعروف، مهما أحسنت إليه، فإنه يقابلك بالإساءة. وكما قيل: «إن أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا». قال: فإن كان يحسن إلى الناس ليستميل قلوبهم، سيصادف في الناس أناسا ذوي أكباد غليظة، وذوي طبع لئيم، فلا يستميله إحسان، ولا يؤثر فيه معروف، مهما أحسن إليه لا يؤثر فيه ذلك شيء. قال: إذا كان هذا قصده، سيصدم - يعني في واقع الناس - أن منهم من لا يؤثر فيه الإحسان. بينما إذا كان قصده التقرب إلى الله عز وجل، لا يبالي في أثر ذلك في الناس، من حيث تقديرهم له، أو اعترافهم بجميله، أو ذكرهم لإحسانه، لا يبالي بذلك، لأنه ما قصد هذا أصلا، وإنما قصد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وطلب رضاه جل في علاه. ولعل مراد الناظم - رحمه الله - هذا المراد، الأغلب والأكثر، أن الإحسان يؤثر في قلب صاحبه، هذا الغالب. وقد وجد كما ذكر الشارح: أن من لا يؤثر فيه الإحسان، وهذا ربما يكون قليل. على كل، فما وجه به، وانتقذ به هذا البيت له وجه. فالأولى التعبير بغير لفظ العبودية، بقوله: «تستعبد قلوبهم». فلو قال: «تستلطف»، أو «تستميل قلوبهم»، أو نحو ذلك من العبارات، كان أفضل. ثم كون الإحسان قد يؤثر، وقد لا يؤثر، هذا نعم، يختلف باختلاف الناس، والناس طبائع ومعادن. منهم من يعرف المعروف حقه، ومنهم من يكون لئيما، فلا يؤثر فيه المعروف والإحسان. وإن كان الغالب أن الإحسان يعني يؤثر في صاحبه، وكذلك يستلطفه، ويستميله.