التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 6

الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

التعامل الإيجابي مع أخطاء الآخرين

يتحدث الشارح عن أهمية التعامل بإيجابية مع أخطاء الآخرين، والصفح عن زلاتهم العارضة، وكظم الغيظ عند المقدرة. هذا التعامل يعزز من مكانة الفرد ويزيد من عزه.

العفو والصفح وأثرهما على الفرد والمجتمع

العفو عن الناس والصفح عنهم من صفات المتقين، ويترتب عليه أجر وثواب عند الله، كما أنه يعزز مكانة العبد ويكرمه يوم القيامة. يجب أن يكون العفو مقرونًا بالمقدرة.

أهمية مساعدة الآخرين وصفاتهم المحمودة

يؤكد الشارح على أهمية مساعدة الآخرين، مستندًا إلى الأحاديث النبوية التي تشير إلى فضل نفع الناس. كما يشير إلى أن الأخوة الحقيقية تظهر في أوقات الشدائد، وأن التحلي بخلق المساعدة والعطاء من الصفات المحمودة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو حاتم البستي رحمه الله في منظومته «عنوان الحكم»: «وإن أساء مسيء فليكن لك في عروض زلته صفح وغفران». قال الشارح - فقهه الله -: هذا البيت يبين لك الطريقة المثلى في التعامل مع من يخطئ في حقك، ويسيء إليك، كيف تتعامل معه، ولا سيما تلك الزلة العارضة؛ لأن الزلة التي تكون من الناس منها زلة عارضة، ومنها إساءات متواصلة. «لا» هنا جئ بها للتأكيد، يعني: ليست نافية، والمقصود أنها من الزلات ما يكون مقصودًا، وإساءات متتابعة لا أمرًا عارضًا. قال: هذه لها حكم، وتلك لها حكم. فهو يتحدث رحمه الله عن الزلة، يعني: الزلة العارضة، يعني: شخص دائمًا يعاملك المعاملة الطيبة، ولا ترى منه إلا الإحسان، لكن في يوم من الأيام أخطأ معك في كلمة، إن فلتت منه عبارة لا تناسب مقامك، ولا تليق في حقك، أو أساء إليك بفعل، أو قصر في واجب من الواجبات التي ترى أنك جدير بأن تعامل بها. هذه تسمى زلة عارضة؛ لأنك تعرف هذا الشخص دومًا بالتعامل الكريم والخلق الفاضل، لكنها زلة عارضة. فكيف تكون التعامل مع ما كان من هذا القبيل؟ نعم، في هذا - يعني: في هذا الصنف - يقال: من ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسن فقط. وهكذا أيضًا إذا كنت في كل الأمور معاتبًا أخاك لم تلقى الذي لا تعاتبه، إذا كنت في كل الأمور معاتبًا أخاك لم تلقى الذي لا تعاتبه؛ يعني: أن الإنسان مهما بلغ في الكمال، وفي الفضل، وفي حسن الأخلاق، وحسن المعاشرة، فهو بشر معرض للزلل والخطأ، فقد يحصل منه شيء من ذلك، فينبغي - يعني - أن تتحمل خطأه، وأن تغتفر زلته، وإلا لما بقي معك صديق، لما بقي معك صديق لو كنت تأخذ كل واحد مما صدر منه من خطأ ومن زلل ما بقي معك أحد؛ لأن الجميع معرض للخطأ والزلل. قال: «وإن ساء مسيء فليكن لك في عروض زلته صفح وغفران»؛ يعني: مثل هذه الزلات قابلها بالصفح والغفران. والله جل وعلا يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فالله عز وجل أثنى على عباده المتقين، وذكر من صفاتهم أنهم يكظمون الغيظ إذا غضبوا، كظموا غيظهم وما أظهروه، وإن كان يستطيع أن يظهر غيظه وأن يأخذ بحقه، لكن مع ذلك يكظم غيظه، ويعفو عن الناس إذا أخطأوا عليه، وأساؤوا إليه، وحصل منهم شيء من ذلك ممن - يعني - لا يعهد منهم الإساءة والخطأ، فإذا حصل شيء من ذلك عفى، سواء كانت الإساءة - يعني - بقول أو بفعل أو بتقصير. قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا من الإحسان أن تكظم غيظك، وأن تعفو عن من أخطأ عليك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا»، لا تظن أنك إذا عفوت أنك هذه مذلة، وهذه منقصة في حقك، لا، بل هي عزة، العفو مع المقدرة عزة، أنت عزيز بهذا، ويزيدك الله عز وجل عزًا. «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا». وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه - يعني: قادر أن يخرج هذا الغيظ - فإن الله عز وجل يكرمه يوم القيامة، إلا قال الله عز وجل له يوم القيامة: «أو ألبسه الله من حلل الإيمان ما شاء»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والمعنى أنه يكرم يوم القيامة بإكرام عظيم بسبب ذلك. وهكذا أيضًا يكون له الأجر والثواب من الله. ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، فمن عفى وأصلح فأجره على الله، أنت تعفو تريد الأجر من الله، فتعفو عما أساء إليك لأجل نيل الثواب من الله سبحانه وتعالى. وقال عز وجل: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، من الأمور التي تأخذ بالعزيمة والقوة، فالذي يصبر ويعفو ويصفح هذا من قوته، وقوة عزيمته. قال: بينما إذا كان الشخص له صفة أخرى، دائم الإساءة، ودائم التجني، ودائم العدوان، فهذا يعمل الإنسان على كف أذاه، والسلامة من شره وعدوانه؛ يعني: يريد أن النوع الثاني من الزلة، الزلة المتواصلة المقصودة، هذا لا يقابل بالعفو؛ لأنك إذا عفوت عنه زاد شرًا، وزاد طغيانًا، بل هذا ينبغي أن يؤاخذ، ويعاتب حتى يتأدب، ويكف شره عن الناس، ويكف أذاه عن الخلق. قال: هذا معنى قولي رحمه الله: «وإن ساء مسيء فليكن لك في عروض زلته صفح وغفران». قال الناظم رحمه الله: «وكن على الدهر معوانًا لذي أمل يرجو نداك، فإن الحر معوان». قال الشارح - وفقه الله -: «وكن على الدهر» أي: على مر الأيام دائمًا، وفي سائر الأوقات معوانًا، أي: كثير العون، كثير العون للناس والإخوان؛ فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه من كمال خلق الإنسان أن يكون ذا عون لإخوانه، يعينهم بماله، يعينهم بقوته، يعينهم بجاهه، يعينهم بسلطانه، بما يستطيع ويقدر، فإنه يكون بهذا من خير الناس. بل إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»، أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، الذي ينفع الناس بما يستطيع من نفع حسي أو نفع معنوي، فهذا من أحب الناس إلى الله. ويقول عليه الصلاة والسلام: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب». نعم، والحديث في هذا الباب كثيرة. قال: «لذي أمل» أي: من يؤمل حاجة عندك، أو مطلبًا من طريقك، «يرجو نداك» يعني: يطمع في كرمك وإحسانك، يعني: كن عند حسن الظن من أمل فيك خيرًا، أن تعينه، وأن تسد حاجته، أن تقضي دينه، أو أن تدينه، أو تعينه في قضاء حاجة، فلتكن كذلك. «وكن على الدهر معوانًا لذي أمل يرجو نداك» يعني: يرجو خيرك وفضلك وكرمك وجودك وإحسانك. «فإن الحر معوان»؛ قال: الحر يطلق على ضد العبد الرقيق، ويطلق أيضًا على الخيار من الناس، وهو المراد هنا؛ يعني: خير الناس الذي يكون معوانًا لإخوانه. قال: وهو المراد هنا، «فإن الحر معوان» أي: خيار الناس هذه صفتهم أنهم يعينون إخوانهم، ولا يكونوا خاذلين لأخيه عند الحاجة وعند الشدة، هنا تظهر صدق الأخوة عند حصول الشدائد، عند حصول الشدائد. وكما قيل: «وما أكثر الأصحاب حين تصحبهم، ولكنهم في النائبات قليل»، وما أكثر الأصحاب حين تعدهم، نعم، حين تعدهم تجدهم كثير، لكن عند الحاجة وعند النائبات قليل من يقف معك، ولا يقف معك إلا من كانت - يعني - صحبته لك صادقة. «وما أكثر الأصحاب حين تعدهم، ولكنهم في النائبات قليل»، عند حصول النائبات والنوازل والشدائد قليل من يقف معك منهم. قال: أي خيار الناس هذه صفتهم حريصون على معاونة الآخرين ومساعدتهم. «وكن على الدهر معوانًا لذي أمل يرجو نداك، فإن الحر معوان». نعم، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.