الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الدرس يحث على التمسك بحبل الله الذي يشمل الإسلام والقرآن والسنة، ويعتبره السبيل للنجاة من الفتن والتفرق. التمسك بهذا الركن الوثيق يحقق الوحدة ويقي من الشرور.
التقوى تعني الالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه على علم وبصيرة، وهي مفتاح للعواقب الحميدة والنجاة من الشرور. من يتق الله يجد مخرجاً من الشدائد ورزقاً واسعاً وأموراً ميسرة.
التقوى تجلب الخير في الدنيا والآخرة وتكفي شرور الناس، حيث أن الله يؤيد المتقين وينصرهم. المتقي يحمد العاقبة ويكفيه الله شر كل ذي شر، وتكون له عواقب حميدة.
الدرس ينتهي بالدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وهو عمل صالح ومستحب في الإسلام. هذا الدعاء يعبر عن التقدير والاحترام للنبي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو حاتم رحمه الله في منظومته «عنوان الحكم»: «واشدد يديك بحبل الله معتصما فإنه الركن إن خانتك أركان من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عز ومن هان». قال الشارح -فقه الله-: «واشدد يديك بحبل الله معتصما»، أي كما قال الله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾. قال: وحبل الله قيل: دينه، وقيل: كتابه، وقيل: سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والآية تنتظم ذلك كله، يعني قيل بتفسير حبل الله القرآن، وقيل: الإسلام، وقيل: سنة النبي عليه الصلاة والسلام، كل هذه المعاني يجمعها قوله جل وعلا: حبل الله. قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله﴾، فحبل الله يشمل هذه المعاني كلها: الإسلام والقرآن والسنة. قال: «واشدد يديك بحبل الله معتصما»، أي كن بحبل الله معتصما، مستمسكا به، محافظا عليه، معتنيا به أشد العناية. فهذا حث من الناظم رحمه الله بالتمسك بكتاب الله جل وعلا، والاعتصام بحبل الله سبحانه وتعالى. قال: «فإنه الركن»، أي المرجع والملاذ والمعتمد إن خانتك أركان، فالركن الوثيق والعروة الوثقى التي من استمسك بها نجى، ومن حافظ عليها سلم، هو دين الله سبحانه وتعالى، والاعتصام بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فالتمسك بالكتاب والسنة، والعصام بهما سبب عظيم للنجاة من الفتن، والنجاة من التفرق والاختلاف. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي». فالاعتصام بالكتاب والسنة سبب عظيم للنجاة. قال: «من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عز ومن هان». قال: ثم حث رحمه الله على التقوى، وبين ثمرتها العظمى بقوله: «من يتق الله يحمد في عواقبه»، أي يحمد في عواقبه، يعني في جميع أموره وعواقب أحواله. من يتق الله أن يحقق التقوى بأن يجعل بينه وبين ما يخشاه من سخط الله وعقابه وقاية تقيه، وذلك بفعل الأوامر وترك النواهي. وهذه حقيقة التقوى: أنك تلتزم الأوامر والفرائض فتقوم بفعلها، وتجتنب النواهي فتقوم بتركها. قال: وأحسن ما قيل في تعريفها قول طلق بن حبيب رحمه الله: «تقوى الله أن تعمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله». نعم، أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، على علم وبصيرة؛ لأن العمل بطاعة الله على جهل قد يسقط، قد يوقع الإنسان في البدع والضلالات. فأنت تعمل بطاعة الله على نور وعلم وبصيرة، ويكون ذلك رجاء ثواب الله، أن تقصد من فعل الطاعات رضى الله سبحانه وتعالى، والفوز بثوابه ونعيمه. وأن تترك معصية الله على نور من الله، على علم أن هذا حرام وهذه معصية، فتتركها استجابة لأمر الله جل وعلا، وخوفا من عقاب الله. فتعبد الله عز وجل رغبة ورهبة، هذا هو سبيل أهل الإيمان. ولهذا لما ذكر الله عز وجل الأنبياء وأثنى عليهم، قال بعد ذلك: ﴿إنهم كانوا يسرعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا﴾، ويدعوننا رغبا ورهبا: رغبا في ثواب الله، وفي نعيم الله، ورهبا أي خوفا من عذاب الله، ومن عقاب الله. قال: يقول رحمه الله: «ومن يتق الله يحمد في عواقبه»، أي قال: أو يحمد في عواقبه، كلها صحيح، يحمد في عواقبه، أو يحمد في عواقبه، أي أنه سيفوز بالعواقب الحميدة والمآلات السعيدة، كما قال الله تعالى: ﴿والعاقبة للمتقين﴾، أي للمتقي العاقبة الحسنة، سواء في الدنيا أو في الآخرة. في الدنيا يوسع الله عز وجل عليه في الرزق، يسر أموره. ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب. نعم، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا. وهكذا أيضا في أمور الآخرة من مغفرة الذنوب والسيئات، والفوز بجنات النعيم. قال: كما قال الله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾، وكما قال الله: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾. فالذي يتق الله سبحانه وتعالى يحمد العاقبة؛ لأن عاقبة المتقي حميدة في الدنيا والآخرة. «ويكفيه شر من عز ومن هان»، أي يكفيه أي الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله مع المتقين: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾. فالله عز وجل مع أهل التقوى معية خاصة، معية خاصة. أما المعية العامة فالله عز وجل مع كل عباده: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، معية إحاطة، وعلم ومراقبة. وأما المعية كونه مع المتقين، أو مع الصابرين، أو مع المؤمنين، هذه معية خاصة، معية النصر والتأييد والظفر. فالله عز وجل مع المتقين يعني يؤيدهم، ويعينهم، وينصرهم. قال: أي أي إلا سبحانه وتعالى؛ لأن الله مع المتقين حافظا وناصرا ومؤيدا ومعينا. فمن يتق إلا يكفيه أي إلا سبحانه وتعالى. وإذا كان الله عز وجل يكفي أمورك فماذا تريد بعد ذلك؟ لا ترى إلا الخير، والذي يعني تتمنى وتحبه. وكذلك يدفع الله عز وجل عنك الشرور والمصائب. قال: «الشر من عز ومن هان»، ويكفيه شر كل أحد، سواء كان هذا المسيء إليه صاحب عز ومنع وقوة، أو كان دون ذلك. يكفيه شر من عز ومن هان، يعني من كانوا أهل عز وغنى كالسلاطين والأمراء والمسؤولين ونحو ذلك، أو من هانوا، من كانوا ذوي ذلك ليسوا من أهل العز والشرف. إذا أرادوا أن يسيئوا إليه فالله عز وجل يكفيه شرهم. قال: أو كان دون ذلك، فالله يكفيه شر كل ذي شر، وشر كل داب. إذا اعتصم بالله جل وعلا، واتق الله عز وجل، فله العواقب الحميدة والعواقب الحسنة، ويكفيه الله سبحانه وتعالى شر الخلائق جميعا من عزوا ومن هانوا منهم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.