الخطبة بعنوان فضل يوم عرفة، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 5 ذو الحجة 1447هـ الموافق 22 مايو 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يوم عرفة يعد أفضل أيام العشر من ذي الحجة، وهو يوم أداء ركن الحج الأعظم وهو الوقوف بعرفة، ومن أدركه فقد أدرك الحج. يقع هذا اليوم في الأشهر الحرم وأيام الحج المعلومات التي أقسم الله بها في سورة الفجر.
في هذا اليوم يشرع الصيام الذي يكفر سنتين، ويكثر الدعاء والذكر لقوله صلى الله عليه وسلم: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. كما يبين المقطع أحكام التكبير المطلق والمقيد، حيث يبدأ التكبير المقيد من فجر يوم عرفة إلى غروب آخر أيام التشريق.
تختتم السورة بتسبيح الله رب العزة عما يصفه المشركون، وتحية سلام على جميع المرسلين، وختم بالحمد لله رب العالمين. ثم يدعو المصلي بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه والقيام إلى الصلاة.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ما زلنا نعيش في رحاب هذه الأيام المباركة، أيام العشر من ذي الحجة، التي تضاعف فيها الأعمال الصالحة ما لا تضاعف في غيرها من الأيام. ألا وإن تاج هذه الأيام المباركة ذلك اليوم العظيم من أيام العشر، ألا وهو يوم عرفة، اليوم التاسع من ذي الحجة. وقد ذكر أهل العلم في سبب تسمية هذا اليوم بيوم عرفة: قالوا لأن الناس يتعارفون فيه، وقيل كما ذكر الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره وغيره: أن جبريل عليه السلام طاف بإبراهيم عليه السلام يريه المشاعر، فكان يقول له: «أعرفت؟ أعرفت؟» فيقول إبراهيم: «عرفت، عرفت»، فسميت عرفات. وقيل: إن الله عز وجل لما أهبط آدم وزوجه من الجنة نزلا إلى ذلك المكان فالتقيا فعرف بعضهم بعضا. هذا اليوم، عباد الله، له فضائل كثيرة، وله كذلك خصائص عظيمة، فمنها: أن يوم عرفة هو يوم أداء أعظم أركان الحج، وهو الوقوف بعرفة، الذي من أدركه أدرك الحج، ومن فاته فقد فاته الحج. روى الإمام الترمذي في سننه، والنسائي، عن عبد الرحمن بن يعمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج عرفة، فمن جاء ليلة عرفة قبل طلوع فجر ليلة جمع فقد تم حجه». أي: من أدرك الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر من فجر يوم النحر فإنه قد أدرك الحج، ولو وقف لحظة من الزمن. ومن فاته الوقوف ولم يصل إلا بعد طلوع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج بإجماع العلماء. هذا اليوم، عباد الله، هو من أيام الأشهر الحرم التي قال الله عز وجل فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. ويوم عرفة هو من أيام شهر ذي الحجة، فهو يوم من أيام الأشهر الحرم التي حرمها الله سبحانه وتعالى وعظم شأنها، وجعل الذنب والمعصية فيها أعظم إثما من غيرها، ولذلك قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. يوم عرفة، عباد الله، هو كذلك من أيام أشهر الحج التي قال الله عز وجل فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة. ويوم عرفة كذلك هو من الأيام المعلومات التي أثنى الله عز وجل عليها ورغب العباد بالإكثار فيها من ذكره، كما قال سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾. والأيام المعلومات، كما قال ابن عباس وجماهير العلماء، هي أيام العشر من ذي الحجة، ومنها يوم عرفة. هذا اليوم، عباد الله، الذي أقسم الله عز وجل به، فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، قال ابن عباس: هي عشر ذي الحجة، ويدخل فيها يوم عرفة. وكذلك أيضًا أقسم الله عز وجل به على جهة الخصوص في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قال أبو هريرة رضي الله عنه: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، واليوم الموعود هو يوم القيامة. والله عز وجل لا يُقسم إلا بعظيم عنده سبحانه وتعالى. هذا اليوم، عباد الله، اليوم الذي أكمل الله عز وجل فيه الدين وأتم به النعمة ورضي لنا الإسلام دينا. جاء في الصحيحين أن يهوديًا قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين، إن آية أنزلت عليكم لو أنزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وما هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فقال عمر رضي الله عنه: «أما إني أعلم متى نزلت، وأين نزلت، على رسول الله عليه الصلاة والسلام: أنزلت عليه وهو واقف بعرفة في يوم جمعة». خص الله عز وجل هذا اليوم بإنزال هذه الآية العظيمة التي بها إكمال الدين الذي بعث الله عز وجل به نبينا عليه الصلاة والسلام، وأتم علينا النعمة بهذا الدين العظيم الذي لا يقبل الله جل وعلا دينا سواه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. نعم، عباد الله، فالدين ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، وما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينًا، كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله: «الدين ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينًا». هذه الآية العظيمة أنزلها الله عز وجل في ذلك اليوم العظيم لنعلم مدى عظم هذا اليوم عند الله سبحانه وتعالى. هذا اليوم، عباد الله، يوم عرفة، يوم يباهي الله عز وجل به بأهل الموقف أهل السماء. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله عز وجل يباهي بأهل عرفات أهل السماء»، أي من الملائكة المقربين، فيقول: «انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا». رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وكذلك أيضًا هذا اليوم العظيم من أكثر الأيام الذي يعتق الله عز وجل فيه من النار من يعتق من عباده. ففي صحيح الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، إنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟» ما الذي جاء بهم إلى هذا الموقف وإلى هذا الموضع، وما الذي جعلهم يعتنون بذلك ويهتمون بذلك ويرفعون أيديهم يدعون ربهم وخالقهم، إلا أنهم يريدون مغفرة الله ورحمة الله سبحانه وتعالى، فتنالهم من ذلك، أي من رحمة الله ومغفرته، الشيء العظيم الذي كما أخبر عليه الصلاة والسلام يحصل لهم من العتق من النيران ما لا يحصل في غيره من الأوقات والأزمان. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن الذي ينبغي على المسلم في مثل هذا اليوم العظيم أن يقبل فيه على نفحات الرحمن سبحانه وتعالى، وأن يحرص على الأعمال التي ينال بها مغفرة الله وينال بها رحمة الله والعتق من النيران. ومن ذلكم: الحرص على صيام هذا اليوم. روى الإمام النسائي في سننه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام عشر ذي الحجة. وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن صوم يوم عرفة فقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده». فانظروا يا عباد الله كيف أن صيام هذا اليوم يكفر الله عز وجل به ذنوب سنتين، ذنوب سنتين مما حصل منك ومما وقع منك من ذنوب وسيئات ومن خطايا وزلات، يغفرها الله جل وعلا لك. فينبغي للمسلم أن يكون حريصا على صيامه، وأن لا يفوت هذه الفرصة عليه حتى ينال هذا الأجر العظيم، وذلك لكثرة ذنوبنا وقلة أعمالنا، وكذلك قلة استغفارنا، فنحن بحاجة عظيمة إلى أعمال وطاعات وإلى قربات وأعمال صالحات نتقرب بها إلى الله جل وعلا ليكفر بها عنا ذنوبنا وسيئاتنا. ومن ذلك أيضًا، عباد الله، ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من فضل الدعاء والذكر في مثل هذا اليوم العظيم. فقد جاء عند الإمام الترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وهذا يشترك فيه من كان في الموقف في عرفات ومن كان في سائر البلاد والأمصار، إذا أقبلوا على الله جل وعلا بالدعاء وتضرعوا إلى الله جل وعلا، فإنه يرجى أن يقبل الله جل وعلا دعاءهم. وينبغي أن يكثر أيها المسلم من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ومن ذلك، عباد الله، أن التكبير، كما قد مضى ذكره في الخطبة السابقة، يشرع أن يكبر المسلم التكبير المطلق في سائر الأوقات وفي سائر الأحوال من أول يوم من أيام عشر ذي الحجة. وأما التكبير المقيد الذي يكون بعد الصلوات فإنه يشرع من فجر يوم عرفة إلى غروب شمس آخر يوم من أيام التشريق، وهو يوم الثالث عشر من ذي الحجة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك شيء، ولكن ورد عن الصحابة كعلي وابن مسعود: أن التكبير من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى». ونقل شيخ الإسلام رحمه الله هذا القول عن جماهير العلماء، أي أنه يشرع التكبير من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق. فيحرص المسلم على مثل هذه الطاعة وعلى مثل هذه العبادة، وأن يقبل على الله جل وعلا إقبالا عظيما، سواء كان ذلك في سائر أيام العشر، فنحن ما زلنا في أوساطها والخير فيها جميعا، فإن العمل الصالح فيها يضاعف ما لا يضاعف في غيره من أيام السنة، وهذا يشمل أيام العشر كلها، ومنها كذلك يوم عرفة على جهة الخصوص. ينبغي أن نحرص على صيامه، وعلى الإقبال فيه على الله بالدعاء والذكر، فإن ذلك مما يحبه الله سبحانه وتعالى. فأسأل الله جل وعلا أن يبلغنا وإياكم هذا اليوم العظيم، ويوفقنا جل وعلا لصيامه، وللإقبال فيه على الله بالدعاء والذكر، وأن يجعلنا عز وجل فيه من عتقائه من النار. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين. اللهم لا تشمت بنا عدوا ولا حاسدا. اللهم اغفر أمطارنا، ورخص أسعارنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا ذا الجلال والإكرام. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قوموا إلى صلاتكم.