محاسبة النفس في نهاية العام

الخطبة بعنوان محاسبة النفس في نهاية العام، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٦ ذو الحجة ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

محاسبة النفس في ختام العام الهجري ومواسم الطاعات

افتتح الخطيب خطبته في ختام عام 1435هـ داعياً المسلمين إلى وقفة محاسبة للنفس على ما قدموا من خير وشر، مستعرضاً مواسم العبادة التي حفاها الله في العام الهجري كصيام المحرم وعاشوراء، رمضان، وست شوال، وعشر ذي الحجة، وحثهم على اغتنام هذه النفحات قبل فوات الأوان.

تحسر السلف على تفويت الطاعات وهول الموت

استعرض الخطيب حال السلف الصالح وتحسرهم على الأوقات التي ضاعت في غير طاعة الله، وشدة هول الموت والاحتضار كما عبر عنه عمر بن الخطاب، وساق حديث الجنازة الذي يبين حال الميت الصالح الذي يستعجل للقبر لنعيمه، والميت السيء الذي يندم على تفريطه، داعياً للاستعداد للآخرة بالطاعة والإنابة.

الاغتنام بالأوقات والتحذير من التسويف قبل حلول الأجل

أكد الخطيب على أهمية استغلال ما تبقى من العمر في الطاعة مستشهداً بآيات الاستقامة وسورة العصر، محذراً من ندم المفرطين عند الموت، ومذكراً بأن بلوغ الستين سنة حجة قائمة على العبد، داعياً للاقتداء بالسلف في المبادرة بالعمل الصالح قبل فوات الأوان.

الدعاء بحسن الخاتمة وختم الأعمال بالحسنات

اختتم الخطيب بالتحريض على استغلال ما تبقى من العمر في الطاعة، وسأل الله التوفيق للعمل الصالح وختم الأعمال بالحسنات، داعياً لأن يكون المستمعون من الذين يتبعون أحسن القول.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنه من اتقى الله وقاه، ومن توكل على الله كفاه. أيها المسلمون، إننا في نهاية عام هجري، عام ألف وأربعمائة وخمسة وثلاثين للهجرة، وكادت أيام هذا العام أن تنتهي. فالعاقل منا من وقف للتأمل في هذا العام الذي ينقضي من عمره، وقف وقفة وتأمل تأملًا: ماذا عمل في هذا العام من الأعمال الصالحات؟ فيحمد الله جل وعلا على ما قدم من الخير، وماذا عمل من الذنوب والسيئات؟ وكل منا أعلم بنفسه وأعرف بها من غيره، فيستغفر الله عز وجل على تلكم الذنوب وتلكم الهفوات والزلات، وما حصل منه من التقصير في طاعة الله جل وعلا. حري بنا عباد الله أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، وأن نزن أعمالنا قبل أن نوزن. فالله جل وعلا جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا. وهذه الأيام والشهور والأعوام ينبغي أن لا تمر علينا إلا وقد وقفنا عندها وحاسبنا أنفسنا. عباد الله، فالله عز وجل جعل الأيام تتوالى، وجعل الشهور كذلك، وجعل الأعوام كذلك، فيها من القربات، وفيها من الخيرات، وفيها من الطاعات. على المسلمين عباد الله أن يتذكر الله عز وجل في هذه المواسم التي يمنحها الله عز وجل لعباده. فبدأ الله تعالى العام بشهر الله المحرم، الذي قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل» رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة. شهر الله المحرم فيه يوم عاشوراء، الذي قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أحتسب على الله أن من صامه أن يكفر الله عنه السنة الماضية»، يكفر الله عز وجل ذنوب سنة ماضية إذا صام المسلم يوم عاشوراء. ابتدأ الله عز وجل العام بقربة من القربات يتقرب بها المسلمون إلى الله عز وجل، وهو الصيام. كما أنه عز وجل ختم العام بشهر ذي الحجة، وفيه من الفضل ما تعلمون. يأتي رمضان في هذا العام عباد الله، ويغتنمه المغتنمون، ويشمر فيه المشمرون، ويجتهد فيه المجتهدون. عباد الله الصالحون الذين علموا أن هذه الأيام تأتي سريعًا وتنقضي، فيغتنمونها في طاعة الله، فلا يفرطون في الساعات، يغتنمون الأوقات ما بين صيام وصلاة وقراءة للقرآن وذكر لله عز وجل وزكاة وصدقات ونحو ذلك من العبادات، لأنهم يعلمون أنهم إذا لم يغتنموها فربما لا تعود عليهم مرة أخرى، فيدركهم الموت ويأتيهم الأجل، ويلقون الله عز وجل وقد عملوا ما عملوا من تلكم العبادات. ويأتي بعد رمضان أشهر الحج، يأتي شوال، وشرع الله عز وجل فيه لعباده صيام ست فيه، فيصومون الستة قربى لله وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإكمالًا لسنتهم في الصيام. ويأتي ذو القعدة وهو من أشهر الحج، ويأتي المعتمرون ويتقربون فيه إلى الله عز وجل بالعمرة إلى الحج. ثم يأتي شهر ذي الحجة، وفيه ما تعلمون، تدخل العشر الأول فيه، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحث الناس ويرغبهم على العمل الصالح في هذه العشر المباركة. وينتهي العام عباد الله، ينتهي العام بفضل من الله عز وجل ونعمه على عباده المؤمنين، أن أكمل لهم الدين وأتم عليهم النعمة، وأعطاهم سبحانه وتعالى من الحسنات ورفع لهم من الدرجات. فهذه عطايا، والسعيد منا عباد الله من تعرض لنفحات الله جل وعلا واغتنم لكم الأوقات الفاضلة والأيام والمواسم التي فيها قربات وطاعات لله سبحانه وتعالى. وقد كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم ما يتحسرون على شيء فات من الدنيا، وإنما يتحسرون إذا ذهبت لكم الأوقات في غير طاعة الله جل وعلا، يتحسرون ويندمون على أنهم لم يزدادوا من الخيرات، لأنهم يعلمون أنهم سيقدمون على أمور عظيمة تبدأ من الموت، وهكذا إلى الوقوف بين يدي الله جل وعلا. فهذا عُمَرُ الْفَارُوقُ رضي الله عنه عند موته يبكي ويتحسر على تلكم الأيام التي كانت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجاهد فيها مع النبي عليه الصلاة والسلام، ويعمل الطاعات ويعمل الخيرات، ويقول: «لو أن لي ما في الأرض لفتديت به من هول المطلع، لو أن لي ما في الأرض لفتديت به من هول المطلع». وما أدراك يا عبد الله ما هول المطلع؟ إنها الكرب التي يعاينها المسلم حال الاحتضار، حال ما يأتيه ملك الموت وينزع عنه روحه، حال ما تأتيه الملائكة إما تبشره بروح وريحان ورب راض غير غضبان، وإما أن تبشره بخلاف ذلك والعياذ بالله. لو أن لي ما في الأرض جميعًا لفتديت به من هول المطلع. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تتمنوا الموت، فإن هول المطلع شديد». وإن من سعادة العبد أن يرزقه الله الإنابة، إن من سعادة العبد أن يرزقه الله عز وجل قبل الممات الرجوع والتوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ويتذكر ما فرط وما قصر في طاعة الله جل وعلا. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان على حالين عندما يحتمله الرجال في الجنازة، قال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «إذا حُمِلَت الجنازة على الأعناق وَسَارَ بِهَا الرِّجَالُ قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي. إِنْ كَانَتْ صَالِحَةً تَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ. قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا يَا وَيْلَهَا أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا. قَالَ: يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ». انظروا عباد الله، هذه الجنازة الصالحة ماذا تقول للمشيعين؟ ماذا تقول للآباء وماذا تقول للأبناء وماذا تقول للإخوان؟ ماذا تقول لهم؟ ماذا تقول للناس الذين يسيرون معها؟ «قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي». لماذا قالت هذا؟ لأنها قد عاينت، عاينت عند النزع، عاينت عند الاحتضار ملائكة الرحمة، وبشرها الملائكة بروح وريحان ورب راض غير غضبان، فيتقدم فرحانة فرحانة لأنها ستلقى في قبرها، ستلقى في قبرها روضة من رياض الجنة، ستلقى في قبرها النعيم، وسيُسر لها الحساب، وسيُسر لها الجواب، ولهذا قالت لأصحابها: «قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، أَسْرِعُوا بِي». وأما الأخرى، عياذًا بالله، ماذا تقول؟ تقول: «يَا وَيْلَهَا يَا وَيْلَهَا يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟» ألا تسمعون أيها الآباء؟ ألا تسمعون أيها الإخوان؟ ألا تسمعون أيها الأصحاب؟ إنكم تذهبون بها إلى حفرة من حفر نيران، إنكم تذهبون بها إلى رب غير راض وهو غضبان، أين تذهبون بها؟ قد كنت في عمري وكنت في حياتي مقصرة، كنت لا أؤدي الصلاة، وكنت أتأخر عن الجماعات، وكنت لا أؤدي الزكاة، أفرط في الصلاة، أفرط في الصدقات، لا أبر الوالدين ولا أصل الأرحام. وهكذا عباد الله يتذكر، يتذكر وأنا له الذكرى، يقول: يا ليتني قدمت لحياتي، هنا الحياة الحقيقية التي سيعيشها بعد، لا حياة الدنيا، لأن الحياة الدنيا قصيرة وأمدها قريب، وعما قليل سننتقل إلى الدار الآخرة التي سماها الله عز وجل الحيوان، أي الحياة الكاملة التي لا منقصات فيها ولا كدر ولا نكد ولا حسد ولا حقد ولا نحو ذلك، بل يقدمون على نعيم مقيم في جنة رب العالمين، إنها الحياة الحقيقية. هذا الإنسان يتذكر عباد الله ما كان يعمله في حياته الدنيا عند الاحتضار، وعندما يأخذه الرجال على الأعناق: ماذا عمل من الصالحات؟ ذلكم الصالح الذي عاش طيلة عمره وأيامه ولياليه وشهوره وأعوامه عاش على طاعة الله تبارك وتعالى، ما كان مفرطًا في الصلاة بل كان من المحافظين عليها، ما كان مفرطًا في بر الوالدين ولا في صلة الأرحام، ولا كان مفرطًا في سائر الطاعات. إذا جاءت المواسم كان من المغتنمين لها المشمرين لها، ما كان يلهو وما كان يلعب، ما يضيع أوقاته ولا يضيع عمره فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى. علم أنه غدًا أو اليوم ميت، وأنه سيلقى الله عز وجل بأعماله، فتذكر نفس هادئة ونفس مطمئنة ونفس ثابتة ونفس راسخة على العقيدة الصحيحة وعلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما كان يتلون مع المتلونين، وما كان يتخبط مع المتخبطين، ولا متزعزعًا مع المتزعزعين، وإنما رسوخ وثبات على سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى الممات. ولهذا بشره الله عز وجل بأن أنزل إليه الملائكة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾. وأما الآخرون المفرطون، عياذًا بالله، فإنهم يقولون: يا ليتنا نرد فنعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل، يقول لهم الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. عباد الله، ينبغي علينا أن نغتنم ما بقي من الأوقات في هذا العام، فإنه من أحسن فيما بقي غفر له ما قد مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وبما بقي. نسأل الله السلامة والعافية. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. أقسم الله جل وعلا في هذه السورة الكريمة أن الإنسان، جنس الإنسان، في خسارة، إلا من اتصف بهذه الصفات: الإيمان بالله، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. فمن جمع هذه الصفات الأربع فقد سلم من الخسارة. عباد الله، إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان من دعائه: «اللهم اجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». ولما سئل عليه الصلاة والسلام: أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله». وسئل عن أي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله». ولهذا ينبغي علينا عباد الله أن نتذكر نعم الله عز وجل علينا، خاصة إذا طال بنا العمر، فقد أبلغ الله عز وجل الحجة، أقام الله عز وجل على العباد حجته إذا بلغوا من الأعمار ما بلغوا. فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلغ ستين سنة». انظر يا عبد الله، يا من بلغت الستين سنة، فقد أعذر الله إليك، أي لم يترك لك عذرًا تعتذر به يوم تلقاه حيث أخرك إلى هذا الأجل الكبير. ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في الترمذي: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل من يتجاوز ذلك». بل نرى عباد الله ونلحظ ونشاهد أن هناك من يموت ما بين فترة الشباب وأقل من ذلك. فيا من بلغت عشرين سنة، انظر إلى أمثالك وانظر إلى أقرانك في هذا العام، كم منهم من قد مات؟ ويا صاحب الثلاثين، تفكر وتأمل إلى أقرانك وأمثالك الذين ماتوا في هذا العام. ويا صاحب الأربعين، خذ حذرك، فإنك قد بلغت من العمر ما تلجأ به إلى الله عز وجل. وكان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم إذا بلغ الواحد منهم الأربعين جلسوا للعبادة ولطاعة الله عز وجل، لأنهم قد علموا أنهم قد قربوا من الآخرة. ورأى الفضيل بن عياض رحمه الله رجلاً شائبًا، فقال له: كم بلغت من العمر؟ قال: بلغت ستين سنة. قال له: «أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله عز وجل ويوشك أن تصل». هذا في من بلغ ستين أو سبعين، يوشك أن يصل إلى الله عز وجل، فعليه باغتنام الساعات والأوقات في طاعة الله عز وجل. لأنه والله ثم والله ثم والله عباد الله، إذا لم نغتنم أوقاتنا وساعاتنا وأيامنا وليالينا وشهورنا وأعمارنا في طاعة الله عز وجل، فإننا سنندم أيما ندم ونتحسر أيما حسرة على فوات تلك الأيام. فإن الإنسان لا يتحسر على شيء إذا قدم على الله سبحانه وتعالى سبحانه وتعالى مثل ما يتحسر على الأعمال الصالحة. ولهذا بكى معاذ رضي الله تعالى عنه عند موته، قال: «إنما أبكي على ظمأ الهواجر»، أي على الصيام في الحر الشديد، «أبكي على ظمأ الهواجر، وأبكي على قيام الليل في الشتاء، وأبكي على مزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر». هذا الذي يتحسر عليه الصالحون، أنهم إذا قرب أجلهم وعاينوا ساعة الاحتضار، أنهم لم يكونوا مع المصلين إذ يصلون، ولا مع المتصدقين إذ يتصدقون، ولا مع المزكين إذ يزكون، ولا مع الصائمين إذ يصومون، ولا مع الذاكرين الله تعالى إذ يذكرونه. نعم عباد الله، ينبغي علينا أن نغتنم ما تبقى من أوقاتنا وأعمارنا، فإنها قصيرة والله. نعم عباد الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لطاعته ومرضاته، وأن يختم أعمالنا بالصالحات، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.