الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 51، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن هذا المحور أن التفكر في خلق السماوات والأرض يعد أجل العلوم وأكملها، إذ يورث معرفة صفات الكمال والعظمة لله تعالى، ويكشف نعمه الواسعة، مما يقوي الإيمان ويبعث على الخشية والطاعة كما وصف أولي الألباب في القرآن.
يتناول هذا المحور العلم الثاني وهو التفكر في المخلوقات المسخرة للإنسان لاستخراج منافعها الدينية والدنيوية، مع ضرب الأمثلة بالحديد والأنعام والنفط، ويؤكد أن تعلم الصناعات الحديثة والمخترعات واجب شرعي وعقلي وجهاد في سبيل الله استجابة للأمر القرآني بالسعي لتحصيل المنافع.
يستعرض هذا المحور كيف سخر الله موارد الأرض من بترول ومعادن وحديد لتمكين الإنسان من صناعة وسائل القوة والنفع، مبيناً أن تقدم الصناعات واكتشاف الموارد يتم بتسخير الله وتوفيقه، مستدلاً بقوله تعالى في إنزال الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.
يختتم المتحدث الدرس بتأكيد أن الله نبه على هذه القواعد العلمية في كتابه، ثم يعلن انتهاء اللقاء ويطلب من المشاهدين الاشتراك في القناة لدعم المحتوى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: يقرأ قول المؤلف رحمه الله: «أحدهما أننا نستدل بها على ما لله من صفات الكمال والعظمة، وما له من النعم الواسعة والأيادي المتكاثرة، وعلى صدق ما أخبر به من المعاد والجنة والنار، وعلى صدق رسوله وحقية ما جاء به». وهذا النوع قد أكثر منه أهل العلم، وكل ذكر ما وصل إليه علمه؛ فإن الله أخبر أن الآيات إنما ينتفع بها أولو الألباب. وهذا أجل العلمين وأعلاهما وأكملهما. نعم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قوله: «أفادنا هذا الفكر فيهما علمين جليلين». تقدم أن النوع الثاني من أنواع الإرشادات: أن يرشد إلى استخراج الأشياء النافعة من أصول معروفة. يريد بالأصول المعروفة: خلق الله عز وجل، وآيات الله سبحانه وتعالى الكونية، ونحو ذلك. ويعمل الفكر في استفادة المنافع منه. من أعظم المنافع ما ذكرها هنا: أننا نستدل بهذه الآيات على ما لله من صفات الكمال والعظمة. فيستدل بهذه الآيات، لمن تفكر فيها، على كمال علم الله، وعلى كمال قوة الله وقدرة الله ومشيئة الله، وكذلك حلم الله وجلال الله وعظمة الله. كل هذا من تفكر في هذه الآيات يوقع في قلبه هذا الإيمان. فهذا التفكر يقوي إيمان العبد. ولذلك ذكر أهل العلم أن من أعظم ما يقوى به إيمان العبد التفكر في آيات الله. هذا أعظم ما يقوي إيمان العبد. ودليل ذلك ما مضى معنا من قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾. من هم أولو الألباب؟ أولو الألباب: أولو العقول النقية الصافية السليمة، الذين يستعملون هذه العقول في التفكر في آيات الله، فيحدث لهم هذا التفكر الإيمان في قلوبهم. لذلك قال: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ﴾، بما يرون من انتظام هذا الخلق وهذا الكون، ومن عجيب إتقانه وصنعه وخلقه. فهذا التفكر يحدث في قلوبهم عظمة الله، وخشية الله، وإجلال الله. فهذه العظمة وذاك الإجلال يدفعهم إلى طاعة هذا الإله العظيم، وإلى الخوف منه، وذلك بترك المعاصي والذنوب. وهذا هو أصل العلم؛ أصل العلم خشية الله. ولذلك قال هنا: «وهذا أجل العلمين»؛ لأن هذا العلم به حياة القلوب، وبه كذلك النفع الروحاني الإيماني. فهذا معنى قوله: «أننا نستدل بها، لمن تفكر فيها، على ما لله من صفات الكمال والعظمة». فخلق السماوات والأرض والجبال والبحار والأشجار والأنهار، ونحو ذلك، كل هذا يدل على كمال الرب سبحانه وتعالى، وأنه هو كامل في قوته، وفي علمه، وفي مشيئته، وفي قدرته، وفي كذلك إحاطته، ونحو ذلك. «وما له من النعم الواسعة»: انظر هذه المخلوقات، سخرها من أجل ماذا؟ من أجل أن تقوم حياة هذا الإنسان. لماذا خلق الله عز وجل الجمال؟ لماذا خلق الأنعام؟ لماذا خلق الجبال؟ لماذا خلق البحار؟ لماذا خلق الأنهار؟ لماذا خلق الشمس؟ لماذا خلق القمر؟ كل هذا من أجل الإنسان. لو غابت عن هذه المخلوقات يوماً واحداً لفسدت حياتنا. تصور أن الشمس انقطعت عن العباد، كيف ستكون حياتهم؟ لا يوجد شمس، كله ليل، ليل، لا يوجد شمس. ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَاءَكُمُ اللَّيْلُ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ ﴾. من إله غير الله؟ لا إله غير الله عز وجل. فتفكر في هذه المخلوقات: هذه الجبال الراسيات هي التي تمسك الأرض عن أن تتحرك وعن أن تزلزل، جعلها أوتاداً للأرض. تفكر فيها. كذلك هذه الأمطار: لو انقطعت عن العباد لهلكوا، وهلكت مواشيهم، وما وجدوا ما يشربون ولا ما يعقلون. فهذه تحتاج إلى تفكر. كل نعمة لو تفكر فيها العبد كما ذكر هنا المؤلف... وهذا النوع قد أكثر منه أهل العلم، وكل ذكر ما وصل إليه علمه، بحسب صفاء ذهنه وقوة إدراكه وتفكره. كل عالم تجده يأتي بأمر لم يأت به العالم الآخر. فهذا كله يحتاج إلى تفكر وإلى تذكر، فبه ينتفع الإنسان بزيادة إيمانه. نعم، والعلم الثاني: أننا نتفكر فيها ونستخرج منها المنافع المتنوعة؛ فإن الله سخرها لنا وسلطنا على استخراج جميع ما لنا فيها من المنافع والخيرات الدينية والدنيوية. فسخر لنا أرضها لنحرثها ونزرعها ونغرسها ونستخرج معادنها وبركتها، وجعلها طوع علومنا وأعمالنا. إن استخرج منها الصناعات النافعة، فجميع فنون الصناعات على كثرتها وتنوعها وتفوقها، لا سيما في هذه الأوقات، كل ذلك داخل في تسخيرها لنا. وقد عرفت الحاجة، بل الضرورة، في هذه الأوقات إلى استنباط المنافع منها، وترقية الصناعات إلى ما لا حد له. وقد ظهر في هذه الأوقات من موادها وعناصرها أمور فيها فوائد عظيمة للخلق. وقد تقدم لنا في قاعدة اللازم: أن ما لا تتم الأمور المطلوبة إلا به فهو مطلوب. تعديل هنا تحت مهم: الصواب أن ما لا تتم الأمور المطلوبة إلا به فهو مطلوب. وقد تقدم لنا في قاعدة اللازم: أن ما لا تتم الأمور المطلوبة إلا به فهو مطلوب. وهذا يدل على أن تعلم الصناعات والمخترعات الحادثة من الأمور المطلوبة شرعاً، كما هي مطلوبة لازمة عقلاً، وأنها من الجهاد في سبيل الله، ومن علوم القرآن. فإن القرآن نبه العباد على أنه جعل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وأنه سخرها لهم، ما في الأرض سخر لهم، وأنه سخر لهم ما في الأرض، فعليهم أن يسعوا لتحصيل هذه المنافع من أقرب الطرق إلى تحصيلها، وهي معروفة بالتجارب. وهذا من آيات القرآن، وهو أكبر دليل على سعة علم الله وحكمته ورحمته بعباده، بأن أباح لهم جميع النعم ويسر لهم الوصول إليها بطرق لا تزال تحدث وقتاً بعد وقت. وقد أخبر في عدة آيات أنه تذكرة يتذكر به العباد كل ما ينفعهم فيسلكونه، وما يضرهم فيتركونه، وأنه هداية لجميع المصالح. خلاصة هذا العلم الثاني: أن ننتفع بهذه الآيات وبهذه المخلوقات التي سخرها الله عز وجل لنا. فالعلم الأول الذي تقدم هو علم الروح والإيمان، وهذا الثاني علم الدنيا: أي أننا نتفكر في هذه المخلوقات ونستخرج منافعها، نستخرج منافعها. مثل على ذلك بالحديد: الله عز وجل قال في سورة الحديد: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾. الآن لو نظرت إلى الحديد: الحديد يأتي في الجبال ويأتي في الأرض، ويستخرج من عدة مواضع. لو نظرت في هذا الحديد، كم ينتفع به هذا الإنسان! بل في الصناعات الحديثة: السيارات من الحديد، صح. الطائرات من الحديد، الدبابات من الحديد، الدراجات من الحديد. بل البيوت: بعضهم يبنيها من الحديد، الشبابيك هذه، والمراوح، وكله. كم صناعات من الحديد! انظر كيف انتفع الإنسان بهذا الحديد، وهو خلق من خلق الله سخره لنا، وذكر أن فيه منافع. وهذا من إعجاز القرآن. الآن ما يكاد فيه شيء ينتفع به الإنسان إلا وفيه... حتى النظارة هذا فيها حديد، صح. الحديد في كل شيء الآن. فانظر منافع الحديد: لو جلست تتفكر فيها لا تستخرج... نعم كثيرة من هذا الحديد. كذلك سخر الله لنا مثلاً الأنعام: الأغنام، كم ننتفع بهذه الأغنام! من لحمها، من لبنها، من جلدها، من شعرها. سبحان الله! صخر الله عز وجل لنا السيارات، كم نستفيد من هذه السيارات! وهكذا. فقوله هنا: «أننا نتفكر فيها ونستخرج منها المنافع المتنوعة، فإن الله سخرها لنا وسلطنا على استخراج جميع ما لنا فيها من المنافع»: يعني بعض الأشياء ربما في الزمن الأول ما استطاعوا أن يستخرجوا أشياء وأمور فيها منافع كثيرة تناسب وتوافق العصر. مثلاً الآن: النفط، هل كان موجوداً في الزمن الأول؟ ما كان موجوداً، ظهر في هذه الأزمان المتأخرة. انظر الآن إلى هذا النفط الذي يكون في أسفل الأرض، صار شريان الحياة كما يقال: السيارات ما تمشي إلا به، الطائرات ما تطير إلا به، الدبابات ما تمشي إلا به، الدراجات ما تمشي إلا به، يستخرج منه الغاز، يستخرج منه كذلك... الديزل. يعني سبحان الله! هذا آية من آيات الله، هذه آية من آيات الله سخرها الله لنا، فجاء هذا الإنسان واستخرج كل ما يستطيع أن يستفيد منه من هذه المادة التي تستخرج من باطن الأرض. فهذا معنى قوله: «وصلطنا على استخراج جميع ما لنا فيها من المنافع والخيرات الدينية والدنيوية». الدينية: تنتفع من السيارات في الدعوة، في طلب العلم، في الحج والعمرة، هذه طاعات دينية. دنيوية: في عمل دنيوي، في وظيفة، أجرة تحمل فيها نحو ذلك. كذلك السفن: كانت تصنع السفن من الخشب، والآن ما شاء الله من الفايبر، ومن أين جاء الفايبر هذا؟ من البترول، من أشياء حديثة انتفع الإنسان بها. كم أشياء سخرها الله عز وجل لنا فاستخدمها الإنسان في منافع متعددة لا تعد ولا تحصى! فسخر لنا أرضها لنحرثها: انظر الآن في الزراعة، كم نأكل من الأرض، وكم أشياء ربما غريبة ما كانت موجودة، الآن موجودة في الأرض: مأكولات ومشروبات، ويعني زروع. ونزرعها ونغرسها ونستخرج معادنها: معادن يعني البترول أو الحديد أو الفضة أو الذهب أو نحو ذلك، وبركتها. وجعلها طوع علومنا وأعمالنا: يعني أن الإنسان يستطيع أن يجعلها في أي شيء ينتفع به، فصارت هذه طوعاً له، طوع بمعنى طائع له، طائع له، يستخدمها فيما شاء من منافع. لنستخرج منها الصناعات النافعة: الآن الصناعات الحديثة، كل هذا مما سخر الله عز وجل، سواء كان الحديد أو الذهب أو الفضة أو البترول أو الديزل أو غيرها من تلك المنافع. تلك المنافع: كجميع فنون الصناعات على كثرتها وتنوعها وتفوقها، لا سيما في هذه الأوقات، كل ذلك داخل في تسخيرها لنا. ما يفعله أعداء الإسلام الآن من هذه الصناعات: الجوالات ونحو ذلك، هذا كله من نعم الله مما سخر الله لهذا الإنسان. قال: «وقد عرفت الحاجة بل الضرورة في هذه الأوقات إلى استنباط المنافع منها»: يعني مما يواكب العصر، مما يواكب ماذا؟ العصر. الآن وصلوا إلى ماذا؟ إلى القنبلة النووية، وإلى الفضائيات، وإلى أشياء يعني كبيرة جداً. كله هذا من أين؟ من أين تجمعوا؟ من أين تصنع؟ مما سخر الله عز وجل للإنسان. ما صنعه هذا وخلقه البشر والخلق لا، مما خلقه الله وسخره الله لهذا الإنسان. لكن الإنسان أعمل فكره وأعمل كذلك ذهنه، فاستطاع أن يصنع هذه الصناعات. قال: «وترقية الصناعات إلى ما لا حد له، وقد ظهر في هذه الأوقات من موادها وعناصرها أمور فيها فوائد عظيمة للخلق». كما تقدم. وقد تقدم لنا في قاعدة اللازم: يعني ما لا... كما ذكر هنا: تتم الأمور المطلوبة إلا به فهو مطلوب. يعني مثلاً: ما لا يتم الجهاد إلا به فهو من الجهاد. فالآن الطائرات والدبابات والراجمات هذه مطلوبة، لأن لا يقوم عز الإسلام والمسلمين إلا به، وهو من العدة التي أمرنا الله عز وجل أن نعدها: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾، كما مر معنا في قاعدة سابقة. ثم ذكر ما يكون من فوائد الحديد، وقد تقدم ذكر شيء من ذلك. وكل ذلك كما ذكر من آيات القرآن، من آيات القرآن: فسورة الحديد، وذكر الحديد ظاهرة في هذا: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾. كم الآن ينتفع الناس بهذا الحديد! هذا فيه آية من آيات الله، وأكبر دليل على سعة علم الله، وأن الله يعلم أن الخلق في الزمن الآتي سيستخدمون هذا الحديد في صناعة تلك الصناعات الحديثة من الطائرات والدبابات وغيرها من تلك الأمور. هذا دليل على سعة علم الله، وعلى حكمته ورحمته بعباده، أن سخر لهم هذه النعم، بأن أباح لهم جميع النعم ويسر لهم الوصول إليها. سبحان الله! كيف هؤلاء البشر وصلوا إلى النفط في أعماق الأرض؟ من الذي دلهم على هذا؟ إنه الله عز وجل سخر لهم ذلك. كيف نقبوا الجبال فاستخرجوا منها المعادن من الذهب والفضة والحديد ونحو ذلك؟ من الذي سخر لهم ذلك؟ إنه الله. انظر أنت إلى الأنفاق تستغرب: فكر نفق ربما طوله ثلاثة كيلو، أربعة كيلو، في جبل عظيم، نقبوا هذا الجبل حتى جعلوا فيه ممراً. من الذي دلهم على هذا؟ إنه الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل قد نبه وذكر هذه الأشياء في كتابه. طيب، نكتفي بهذا، وبهذا نكون قد انتهينا من هذه القاعدة. إلى هنا، الله تعالى، آلو، اشتركوا في القناة.