التعليق على أصول في التفسير للعثيمين  28

التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 28

الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 28، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعريف القصص لغة واصطلاحاً وخصائصه وتقسيماته

يشرح المقطع المعنى اللغوي للقصص بأنه تتبع الأثر، والاصطلاحي بأنه إخبار عن قضية ذات مراحل مترابطة، مميزاً بين القصة والخبر. ثم يبين خصائص قصص القرآن بأنها أصدق القصص وأحسنها وأنفعها مستدلاً بآيات، ويذكر تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: قصص الأنبياء، وقصص أفراد وطوائف فيها عبرة، وقصص غير الأنبياء مثل مريم ولقمان.

تصنيف قصص القرآن الكريم وأبرز حكمها

يقسم المقطع قصص القرآن إلى قصص غير الأنبياء كقصة أصحاب الجنة وقارون، ووقائع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كغزوات بدر وأحد. ثم يستعرض أربع حكم عظيمة لهذه القصص: بيان حكمة الله في نجاة المؤمنين وعقوبة المكذبين، وإظهار عدله في عقوبة الظالمين، وبيان فضله في مثوبة الشاكرين، وتسلية النبي والمؤمنين بسير من قبلهم.

حِكَم قصص الأنبياء: تسلية الداعية وإثبات النبوة

يستعرض المقطع عدة حِكَم من قصص الأنبياء: تسلية الداعية بضعف الاستجابة عبر مثال نوح عليه السلام (950 سنة)، وترغيب المؤمنين في الثبات والالتجاء لله عبر نجاة يونس من الظلمات. كما يشمل تحذير الكافرين من عاقبة المكذبين، وإثبات نبوة محمد ﷺ بإخباره بأخبار الغيب الماضية وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب.

دليل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم من قصص القرآن

يشير المقطع إلى أن ما ورد يعد دليلاً واضحاً على أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسول من الله. ويختتم بالتأكيد على انتهاء الكتابة مع تفويض العلم لله، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الشيخ والعلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "أصول في التفسير": "قال: القصص القصص والقص لغة تتبع الأثر". ومنه قوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّ عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، يعني تتبع أثر سيرهما قصصا، بمعنى تتبع الأثر. فلماذا القصة نأخوذ من ذلك لغة؟ لأن القصة فيها تتبع أدوارها، فيها تتبع أدوارها، وكأنك تتبعت آثار هذه القصة حتى وصلت إلى نهايتها. هذا هو وجه العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي. قال: "وفي الاصطلاح: الإخبار عن قضية ذات مراحل يتبع بعضها بعضا". فليست القصة جملة واحدة، بل هي جمل ومراحل تقرأها فيقال لها قصة. أما إن كانت مرحلة واحدة عبارة واحدة، فهذا لا تسمى قصة، تسمى خبرا. كقولك مثلا: مات زيد. هذا لا نقول إنها قصة، هذا نقول خبر. لكن لو قلت: سافر زيد، ثم عولج، ثم يعني شفي أياما، ثم عاد إليه المرض، ثم مات زيد، هذا قصة لأنها عبارة عن ماذا؟ عن قضية ذات مراحل، ذات مراحل، فهذا يقال لها قصة: الإخبار عن قضية ذات مراحل يتبع بعضها بعضا، يعني مرتبطة بعضها ببعض، ما فيها يعني فصل في الكلام أو أدوار مختلفة ليست في قضية واحدة. إذا قال عن قضية يعني قضية واحدة، فهذه تسمى ماذا؟ تسمى قصة. قال: "وقصص القرآن أصدق القصص"، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. وذلك لتمام مطابقتها للواقع، لأن الصدق معناه مطابقة الواقع. فقصص البشر قد اعتريه شيء من الكذب أو الزيادة أو المبالغة أو نحو ذلك. وأما قصص القرآن، لأنها من عند الله، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. فإذا قصص القرآن من أصدق القصص، فإذا تطمئن النفس لقراءتها وتصديقها، بخلاف لو أتاك أحد البشر بقصة، فقد يخونه التعبير أو الذاكرة فينسى ويزيد، صح، وربما يكذب إذا كان من أهل الكذب. وما أكثر القصص التي هي من نسج الخيال كما يقال، يعني تؤلف تأليفا، ليس لها حقيقة، لا تطابق الواقع، ما وقعت أصلا في الواقع، ما حصلت أصلا في الواقع. فلربما يؤلفها أحد الناس فيزيد فيها وينقص ويكذب. ولكن قصص القرآن أصدق القصص. قال: ﴿وَأَحْسَنُ الْقَصَصِ﴾، لقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ﴾. ولماذا هي أحسن؟ ولماذا هي أحسن القصص؟ قال: وذلك لاجتمالها على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى. فقصص القرآن تؤثر، وكذلك لا تملوا من سماعها. قصص البشر ربما إذا قرأتها مرة تتضجر أن تقرأها مرة أخرى، صح، لأنها ناقصة في البلاغة وكذلك ظهور المعنى ونحو ذلك. لكن قصص القرآن تقرأها مرارا وتكرارا ولا تمل، بل ربما في المرة الثانية أو الثالثة تزداد تمعنا وتستخرج منها معاني لم تمر على ذهنك في المرة الأولى. وهذا يدل على أن قصص القرآن أحسن القصص، كما في هذه الآية: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. متى؟ أو في أي سورة وردت هذا؟ في أي سورة؟ سورة يوسف. سورة يوسف تقرأها ولا تمل من قراءتها. ربما يقرأ الإمام في صلاة الفجر بقصة، وفي صلاة العشاء تقرأ أنت، أو الصباح بعد الشروق تقرأ هذه القصة، تزداد بها إيمانا وتستخرج من كنوز علومها ونحو ذلك. فهذا يدل على هذا المعنى: أن قصص القرآن أحسن القصص. قال: "وأنفع القصص"، بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فمن يقرأها مع استمتاعه بقراءتها لأعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى، إلا أنك تستفيد منها علما وإيمانا، فتنتفع بهذا القصص. لماذا؟ قال: وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق، فهي تربية، وهي كذلك تزكية للنفوس، فتؤثر تأثيرا بالغا في إصلاح قارئها. فهذا أيضا مما تتصف به قصص القرآن: فهي أصدق وأحسن وأنفع. قصص القرآن أصدق القصص وأحسن القصص وأنفع القصص، بهذه الأدلة الثلاثة التي ذكرها الشيخ رحمه الله، بغيرها من الأدلة. وهذا كله يدعو إلى الاعتناء في قصص القرآن. قد اعتنى العلماء بذلك، فابن كثير له كتاب في قصص الأنبياء، مأخوذ من القرآن، قصص القرآن. قال: ﴿وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَخْسَامٍ﴾. قسم عن الأنبياء والرسل، يعني ثلاثة أخسام في القرآن، قصص القرآن ينقسم إلى ثلاثة أخسام. قال: "قسم عن الأنبياء والرسل وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين". فهذا قسم خاص بقصص الأنبياء والرسل، كآدم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وعيسى ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وغيرهم من الأنبياء. فكل هؤلاء لهم قصص مع أقوامهم وفي دعوتهم، فقصها علينا ربنا سبحانه وتعالى في كتابه. قال: "وقسم عن أفراد وطوائف جرى لهم ما فيه عبرة فنقله الله تعالى عنهم". في قصة مريم، مريم ليست من الأنبياء، لأن العلماء ذكروا أن الأنبياء من الذكور ولا يكون هناك نبي من الإناث، فمريم عليها السلام ليست من الأنبياء. وذكر الله عز وجل قصتها في القرآن في سورة مريم، سورة كاملة سميت باسمها، كيف أن الله عز وجل بشرها بغلام بدون أب، كيف جاء الملك ونفخ فيها من روحه، وهكذا كيف حملت وكيف وضعت، وإلى غير ذلك مما ذكر في القرآن. وهكذا لقمان، سورة كاملة باسمه، كيف لما وعظ ابنه وذكر له من الوصايا القيمة النافعة. هذا أيضا من القرآن، والصحيح أن لقمان ليس بنبي، لقمان ليس بنبي، بل هو عبد صالح حكيم. وهكذا مثلا قصة مؤمن ياسين: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، في سورة ياسين، وغيرها من القصص التي هي ليست بقصص الأنبياء، كقصة أيضا أصحاب الجنة في سورة القلم، ونحوها من القصص التي قصها ربنا عز وجل في كتابه لأخذ العبرة والعظة. نعم، قال: ﴿وَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾، هذا أيضا قصة ذكرت في سورة البقرة. وذي القرنين ذكرت أيضا هذه القصة في سورة الكهف. وقارون كذلك ذكرت في قصة في سورة القصص: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، القصص، هذا في القصص أو في العنكبوت؟ أين الحفاظ؟ ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ في القصص. وأصحاب الكهف أيضا في سورة الكهف. وأصحاب الفيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، سورة الفيل. وأصحاب الأخدود، سورة البروج، وغير ذلك. هذا القسم الثاني ذكر فيه ماذا؟ قصص غير الأنبياء، بل هم أفراد وطوائف ذكرت قصصهم لأخذ العبرة والعظة منها. قالوا: "قسم عن حوادث وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام". هذا أيضا تفرد بقسم خاص، يعني الحوادث وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام فأخبرنا الله عز وجل بها. مثل ماذا؟ قال: قصة غزوة بدر، هذا ذكرت في سورة الأنفال، كذلك في سورة آل عمران، كذلك في سورة ماذا؟ هل ذكرت في سورة التوبة؟ غزوة بدر: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. طيب، وأحد كذلك في سورة التوبة والأنفال. والأحزاب هذا ذكرت في سورة الأحزاب، سورة كاملة باسمها. وبني قريضة، أين ذكرت هذه؟ بني قريضة في الحشر، أحسنت: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾. وبني النظير كذلك. وزيد بن حارثة، الأحزاب. وأبي لهب، سورة تبت، وغير ذلك. فهذا حوادث وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فيدخل في القسم الثالث. قال: "وللقصص في القرآن حكم كثيرة عظيمة، منها..." وهذا يدعو إلى الاعتناء بقصص القرآن، ففيه كما ذكر حكم كثيرة وعظيمة. ما هي؟ قال: "أولها: بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته هذه القصص". قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. فانظر إلى حوادث القصص تبين لك حكمة الله، وكيف أن الله سبحانه وتعالى بحكمته ينجي المؤمنين، وبحكمته يعاقب وكذلك يعذب الكافرين. هذا من الحكمة، من حكمة الله عز وجل أنه يبرئ الصادقين، وهكذا يعاقب الكاذبين ويبين كذبهم وافتراءهم. كل ذلك من حكمة الله عز وجل. من حكمة الله سبحانه وتعالى بيان البلاء، فيبتلي المؤمنين ليزدادوا إيمانا ويصبروا، ويتبين الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق. هذا أيضا في حكمة بالغة. قال: "ثانيا: بيان عدله تعالى بعقوبة المكذبين". لقوله تعالى عن المكذبين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾. والمعنى أن الله عز وجل لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون. فقارون، كم نصحه الناصحون، وكم بين له العالمون، ولكنه أبى، قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾، وخرج على قومه في زينته متبخترا متكبرا، فكانت العاقبة أن خسف الله به وبداره الأرض. ما ظلمه ربه سبحانه وتعالى، ولكن هو الذي ظلم نفسه وأبى إلا الكفر. وهكذا قوم نوح، كم دعاهم نبي الله نوح، يدعوهم سرا وجهارا وليلا ونهارا، ألف سنة إلا خمسين عاما، كما أخبر الله في كتابه، فما آمن معه إلا قليل. قد أقيمت عليهم الحجة فأغرقهم الله. ما ظلمهم، ولكن ظلموا أنفسهم. فقصص القرآن فيها بيان عدله، فيها بيان عدله سبحانه وتعالى بعقوبة المكذبين. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. لو نظرت في قصص القرآن تجد أن العقوبة ما تنزل إلا على من أقيمت عليه الحجة، أما من لم تقم عليه الحجة لم يذكر أن الله عز وجل عاقبه أبدا. ففي قصص القرآن بيان عدله سبحانه وتعالى بعقوبة المكذبين. قال: "ثالثا: بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين". لقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، أي المؤمنين منهم، ﴿نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾. شكر وآمن، أثابه الله وآكرمه وأعزه ورفعه. فهذا أيضا من حكم القرآن، من حكم القرآن. قال: "رابعا: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المكذبين له". ومعنى التسلية يعني رفع الحزن والهم والغم. فالمؤمن إذا أصيب بمصيبة فسلي بمصيبة غيره أو بثواب الصابرين، ربما يزال همه وغمه وحزنه. فكيف ورب العالمين يسل نبيه؟ كما في هذه الآية: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. أنت لست أول من كذب، قبلك أنبياء ورسل بعثوا إلى أقوامهم فكذبوهم، فماذا كانت العاقبة؟ ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. فكل من كفر وأبى وأصر فإنه متوعد بالعقوبة. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. وهكذا أخذ الله عز وجل سنة ضيد الكفر، فنصر الله نبيه كما في غزوة بدر وأحد والأحزاب، ونحوها من تلك الغزوات التي غزاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا هذا فيه تسلية. القصص فيها تسلية للمؤمنين، للنبي عليه الصلاة والسلام ولأتباعه. إذن الداعية إلى الله إذا لاقى في دعوته الأذى والإعراض وكذلك النفور، يتذكر ما جاء في القرآن من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، كم أوذي، ووضع على ظهره سلى الجزور، ورمي بالحجارة، وأخرج من أحب البلاد إليه، اتلاءات عظيمة. فالداعية لما يقرأ هذه السيرة يتسلى ويقوى وينشط ولا يبالي بما لاقى. قد تشعر بعدم الاستجابة أو ضعف الاستجابة من المدعوين، تذكر نبي الله نوح، تربما بدأت في دعوتك منذ عشر سنين أو خمسة عشر سنة، نوح كم دعا؟ ألف سنة إلا خمسين عاما، يعني تسعمائة وخمسين عاما وهو يدعو، وفي آخر الأمر قال الله عز وجل: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. هذا يجعل المؤمن ماذا؟ يتسلى ولا يبالي بقلة المستجيبين أو ضعف كذلك المدعوين، استجابة المدعوين أو نحو ذلك. فقصص القرآن وقراءة السيرة وقراءة حياة السلف تعين على الدعوة والصبر والاستمرار. قال: "خامسا: ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه، إذا علموا نجاة المؤمنين السابقين وانتصار من أمروا بالجهاد". لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. لما تقرأ هذه الآية، وقعت في كربة، وقعت في ضيق وهم وشدة، تذكر نبي الله يونس عليه السلام، شدة عظيمة مر بها في بطن الحوت، في بطن الحوت، ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة كذلك البحر، ظلمات يعيش فيها، كربة عظيمة، فدع الله وذكر الله، قال: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فنجاه الله. فلا تقول هذا خاص بنبيه، هذا نبي وكذا لا، لأن الله عز وجل ماذا قال في هذه الآية بعدما ذكر قصة يونس ونجاته من بطن الحوت؟ قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. ولذلك ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث صحيح أنه قال: «دعوة ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما دعا بها مكروب إلا استجاب الله له»، أو بهذا المعنى. فإذن هذا يرحب المؤمن في الإيمان والثبات والالتجاء إلى الله وانتظار الفرج ونحو ذلك من هذه المعاني. فإذن هذا أيضا من حكم القرآن. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. حقا أوجبه الله عز وجل على نفسه تكرما وتفضلا أن ينصر المؤمنين. هذا يحث على الإيمان، فإن أردت النصر يا أيها المؤمن فازدد إيمانا وثباتا والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى. إن أردت النصر فالله ينصر من ينصره ومن يؤمن به، ويمكن أهل الإيمان والتوحيد، كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ما هو أول الآية؟ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، الإيمان والعمل الصالح سبب للتمكين، وسبب لكذلك الأمن والأمان والرغد في العيش. هذا كل فيه ترغيب الإيمان والازدياد منه. قال: "سادسا: تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم". كما أنه ترغيب المؤمنين في الإيمان، كذلك تحذير الكافرين في الاستمرار في كفرهم. فكم من كافر سمع القرآن فآمن وتأثر بذلك، فانقطع عن الكفر، فر، واستمر في الإيمان. لهذه الآية: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. انظر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، هذا الخطاب للكافرين، دمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها. انظر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، هذا الخطاب للكافرين، دمر الله عليهم، وللكافرين أمثال من كفر، فمثله مثل من كان قبله من الكفرة، من الكفرة تنزل عليهم العقوبة. قال: "سابعا: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله عز وجل". لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فذكر هذه القصص فيه علم من أعلام نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. انظر أمم منذ عهد آدم، كم بينها بين ذاك الزمن وبين الزمن الذي بعث فيه النبي عليه الصلاة والسلام، سنوات كثيرة، من ذا الذي يعلم هذه القصص من البشر؟ لا يعلمها أحد. فإخبار الله عز وجل بهذه القصص، يعني في القرآن الذي أنزل على رسوله عليه الصلاة والسلام، هذا لشك فيه معجزة وإظهار لصدق رسالة النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. قال: "في هذه الآية: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾، هذه أمور غيبية لا يعلمها إلا الله، ولا يعلمها أحد البشر لأن العهد قديم، أو قصة قريبة حتى ربما الأجداد حكوها للأبناء، لا، قصص منذ سنوات كثيرة، فهي من علم الغيب، أوحاها الله عز وجل إلى نبيه". وإذا قال: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا﴾، ما أحد يعلمها أبدا. ففيه إثبات رسالة النبي عليه الصلاة والسلام. والآية الأخرى أيضا: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾. والآن علمتموها بما أوحى الله عز وجل إلى نبيه عليه الصلاة والسلام. فإذا هذا فيه كذلك إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولو سلم الكفار من الكبر والعناد لآمنوا، فهذه دلائل واضحة وبينة في صدق رسالة النبي عليه الصلاة والسلام. هذا النبي أمي لا يقرأ ولا يكتب، حتى يقال أن هذا القصص تعلمها من أحد ممن عنده علم بذلك وكتبها عنه، أبدا، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. لو كنت تخط الكتاب وتقرأ المكتوب لارتاب الذين كفروا، سيقولون: هذا أنت كتبته عن أحد علمك إياه. لكن النبي عليه الصلاة والسلام ما يقرأ ولا يكتب، أمي، فلم يستطع الكفار إيراد هذه الشبهة. فإذا من أين له عليه الصلاة والسلام ذلك؟ من الوحي الذي أنزله الله عليه. فإذا هذا يدل على أنه رسول من الله، فهذا دليل واضح وبين على إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نكتب بهذا إلى هنا، والله أعلم. ترجمة نانسي قنقر.