الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الشيخ ابن عثيمين أن السلف كانوا يتعلمون ألفاظ القرآن ومعانيه معاً لتمكين العمل بمراد الله، مستشهداً بأثر أبي عبد الرحمن السلمي عن الصحابة أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يفقهوا علمها ويعملوا بها، محذراً من الاقتصار على التلاوة دون فهم يؤدي إلى الانفصال بين القرآن وسلوك المسلم.
كان الصحابة رضي الله عنهم يتعلمون عشر آيات فيفهمون معانيها ويعملون بها، وهذا المنهج يبرز أهمية التفسير لا مجرد التلاوة. وشبّه ابن تيمية القرآن بكتب العلوم الدنيوية التي لا تُفهم إلا بالشرح، مؤكداً أن فهم معاني القرآن عصمة ونجاة. كما أوجب الله على أهل العلم بيان القرآن للناس كتابةً أو مشافهةً، فمن لم يستطع التأليف فليبلغ كلام العلماء في التفسير.
يؤكد المتحدث أن أهل السنة يواصلون تدريس التفسير تنفيذاً لعهد الله ببيان القرآن، وأن الغاية من تعلم التفسير هي التصديق بأخباره، العمل بأوامره، اجتناب نواهيه، والانتفاع بعبره. لذا يجب أن تكون العناية بالقرآن تلاوةً وتفسيراً وعملاً وتدبراً أولويةً قصوى، فهو نور وحياة للقلوب وشفاء وهداية.
يؤكد النص أن القرآن ذكرى وموعظة وهدى وشفاء، ولا يتحقق ذلك كاملاً إلا بتلاوته وتفسيره وفهم معانيه. ويحث على العناية بعلم التفسير بوصفه علماً عظيماً.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله في كتابه «أصول في التفسير»، وفي كلامه على مبحث التفسير: «وكان سلف الأمة على تلك الطريقة الواجبة يتعلمون القرآن ألفاظه ومعانيه؛ لأنهم بذلك يتمكنون من العمل بالقرآن على مراد الله به، فإن العمل بما لا يعرف معناه غير ممكن». وهذا فيه حث على معرفة التفسير. ولما كان هذا الأمر مهماً، كان السلف يحرصون عليه؛ فيتعلمون القرآن، ليس نطق ألفاظه كما هو حال بعض الناس اليوم، تجده ماهِراً بتلاوة القرآن وبمخارج حروفه، ولكن انظر إلى لباسه، وانظر إلى مظهره، وانظر إلى عمله، تجده في شق والقرآن في شق آخر. فلا بد من الجمع بين تعلم ألفاظ القرآن وكذلك معاني القرآن. لماذا؟ علل الشيخ هنا فقال: «لأنهم بذلك يتمكنون من العمل بالقرآن». إذا علمت المعاني والتفسير، تستطيع أن تعمل بالقرآن لأنك فهمت مراد الله، فهمت مراد الله عز وجل. مثلاً قول الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، كثير من الناس ربما يعرف معنى العبادة؛ العبادة معناها إفراد الله عز وجل بالعمل وبما أمر به من الأوامر والنواهي. فذاك الذي يعبد حجراً أو شجراً أو قبراً أو ضريحاً، هذا ما عرف معنى العبادة، ما عرف معنى العبادة الذي من معانيها الحب والذل؛ فأحب غير الله وذل لغير الله. فإذا لا بد من معرفة معاني القرآن؛ لأنه بذلك يتمكن الإنسان من العمل، من العمل بالقرآن على ما أراد الله عز وجل. وقال: «فإن العمل بما لا يعرف معناه غير ممكن»، بل ربما تعمل خلاف ما يأمر القرآن لأنك تجهل معنى القرآن، تجهل معنى القرآن. وقال: «وكان سلف الأمة على تلك الطريقة». هذا ورد فيه هذا الأثر الذي سيذكره رحمه الله تعالى. قال: «وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل». انتبه إلى قوله: «من العلم والعمل». قالوا: «فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً». هكذا كان دأبهم وطريقتهم؛ يتعلمون عشر آيات لا يخطونها لا يتجاوزونها، فيتعلمون ما فيها من العلم والعمل، يعني يعلمون معناها ويعملون بمقتضاها وما دلت عليه من الأعمال. هذا كان هكذا طريقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم في تعلم القرآن. قال: «قال شيخ الإسلام...» وهذا الأثر مشهور، وهو أثر صحيح، ذكره أبو عبد الرحمن السلمي ذلك التابعي رضي الله تعالى عنه، وكان من القراء، فأخذ القرآن من الصحابة كعثمان وعبد الله بن مسعود. قال: «قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والعادة تمنع أن يقرأ قوم كتاباً في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم». وهذا أيضاً فيه حث على معرفة تفسير ومعاني القرآن. يقول شيخ الإسلام: «جرت عادة الناس أن أي قوم يقرأون كتاباً في أي فن من الفنون، ولو كانت من الفنون الدنيوية، فإنهم لا يقرأونه قراءة مجردة دون أن يستشرحوه». ومعنى «يستشرحوه» يعني يشرحونه ويفهموا معانيه. أرأيت لو أن أهل الطب ألف أحدهم كتاباً، فقرأه من أراد الطب قراءة دون فهم وشرح، هل سيفهمه؟ ها، ما سيفهمه، وما سيستفيد منه، ما يستفيد منه. أو في الحساب، أو في الكيمياء والأحياء، أو نحو ذلك من علوم الدنيا. إذا ما شُرِح له وما بَيَّن له معاني هذا الكتاب، ما سينتفع به، وما سيعمل به. أليس كذلك؟ فكتاب الله عز وجل من باب أولى لا يُفهم، أو أن لا يعمل به إذا لم نفهم معانيه. وفرق بين كتب الدنيا أو غيرها من الكتب وبين القرآن. فكما ذكر أن القرآن به عصمة الخلق ونجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم ودنياهم. قال: «ويجب على أهل العلم أن يبينوه للناس عن طريق الكتابة أو المشافهة، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾». وتبين الكتاب للناس شامل لتبين ألفاظه ومعانيه، فيكون تفسير القرآن مما أخذ الله العهد على أهل العلم ببيانه. وهذا أيضاً فيه حث على تعلم تفسير القرآن وتبليغ هذا التفسير إلى العباد. فمن يسر الله له التأليف والاختصار من كلام أهل العلم فعل كالعلماء، وإلا فيقرأ للناس كلام العلماء في تفسير القرآن. ولله الحمد والمنة، فإن أهل السنة ما تخلو دروسهم ومساجدهم من دروس التفسير، من دروس التفسير، وكل ما فرغوا من كتاب فتحوا كتاباً آخر في تفسير القرآن، في تفسير القرآن. وهذا من العهد والميثاق الذي أخذه الله عز وجل على أهل العلم: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾. فالبيان يشمل بيان الألفاظ بتعليم الناس النطق الصحيح، النطق الصحيح للقرآن. وهذا فيه حث على تعلم وتعليم القرآن تلاوة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فأيضاً يشمل التلاوة والتفسير، يشمل التلاوة والتفسير. قال: «والغرض من تعلم التفسير هو الوصول إلى الغايات الحميدة والثمرات الجليلة». وما هي هذه الغايات الحميدة والثمرات الجليلة؟ قال: «وهي التصديق بأخباره والانتفاع بها، الانتفاع بهذه الأخبار». فأخبر الله عز وجل عن قصص الأمم السابقة، فهذا القصص لم يذكره ربنا عز وجل من غير فائدة، بل فيه من العبر، وفيه من الفكر، وفيه من الفقه والعلم الشيء الكثير. فإذا نستفيد من هذه الأخبار. ولذلك قال الله عز وجل بعدما ذكر قصة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. عبرة، فمن فوائد الأخبار أن يعتبر المعتبرون، وأن ينتفع المنتفعون بما في هذه الأخبار من دروس وعبر وعلم وفقه ونحو ذلك. قال: «وتطبيق أحكامه، تطبيق الأحكام بفعل الأوامر واجتناب النواهي». فالقرآن أمر ونهي وإخبار، فالواجب عليك في الأخبار التصديق، وفي الأوامر العمل، وفي النواهي الترك، تترك هذه النواهي. قال: «وتطبيق أحكامه على الوجه الذي أراده، الذي أراده الله، ليعبد الله بها على بصيرة». وهذا كله فيه حث على تعلم القرآن، فلا يهمل هذا الجانب. تجد بعض الطلاب يعتني عناية كبيرة بعلوم الآلة مثلاً، أو بعلم السنة، وهذا أمر طيب، ولكن ينبغي أن تكون العناية العظمى والاهتمام الأكبر بالقرآن الكريم؛ يكون لك حظ من القرآن الكريم تلاوة وتفسيراً، وكذلك عملاً وتدبراً. فالقرآن حياة للقلوب، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. أي بهذا القرآن. وقال الله عز وجل: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. فالقرآن ذكرى وموعظة وهدى ونور وشفاء، ولا يكون ذلك أتم وأكمل إلا بتلاوة القرآن وبتفسيره ومعرفة معانيه. فإذا اعتنيتم، بارك الله فيكم، بهذا الجانب وبهذا العلم العظيم، ألا وهو تفسير القرآن. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله أعلم.