الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 33، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ ابن عثيمين جواز إرجاع الضمير إلى المفرد أو الجمع إذا كان المرجع يصلح لهما مستدلاً بآية «وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ»، ويقرر أن الأصل في الضمائر المتعددة الاتحاد في مرجع واحد ممثلاً بضمائر سورة النجم العائدة على «شديد القوى».
يبين المقطع قاعدة اتحاد مرجع الضمائر في سورة النجم وأن الضمير يعود على جبريل، ثم يوضح قاعدة الأصل في عودة الضمير على أقرب مذكور مع استثناء المتضايفين حيث يعود على المضاف، مستشهداً بآية «وآتينا موسى الكتاب» ومثال «التقيت بزيد وعمر فأكرمته».
يستعرض المقطع استثناءات القاعدة الأصل في المتضايفين حيث يعود الضمير على المضاف إليه لا المضاف لقرينة السياق كقوله «كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا»، ويبين جواز عودة الضمير على أبعد مذكور للسياق كقوله «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ».
أعلن المحاضر انتهاء مبحث الضمير بالكامل، وأشار إلى أن المبحث القادم سيتناول الإظهار في موضع الإضمار، ثم ختم الجلسة لانتهاء الوقت المحدد.
قال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله في كتابه أصول في التفسير، ويتكلم على الضمير، ولا يزال الكلام على المرجع في ضمير الغائب. فذكر مسألة الرتبة واللفظ، ومسألة المطابقة في المعنى واللفظ، كل ذلك أخذ، ثم قال: وإذا كان المرجع صالحاً للمفرد والجمع جاز عود الضمير عليه بأحدهما، يعني إذا كان المرجع يصدق أن يطلق على المفرد ويطلق على الجمع، فكيف الضمير الذي يرجع إليه؟ هل نجعله مفرداً أو جمعاً؟ قال: يجوز لك أن تجعله مفرداً، ولك أن تجعله جمعاً، كما سيأتي في المثال. قال: مثل ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾، من هذا يسمى اسم موصول، ويقال لها الأسماء أو اسم موصول مشترك، يعني يجوز إطلاقه على المفرد ويجوز إطلاقه على الجمع. فتقول مثلاً: جاء من أحبه، هنا على المفرد صح، وتقول: جاء من أحبهم، من يعود على الجمع صح، فهو بمعنى الذي أو بمعنى الذين على حسب ما تريد، فهو يطلق على المفرد والجمع. طيب، جاء من أحبهم، نعم على الجمع. فمثلا هذه الآية: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾، هنا الضمير يرجع إلى من، صح؟ طيب، هل هو مفرد أو جمع؟ مفرد، صح، باعتبار أن من مفرداً. طيب، في نفس الآية: خالدين، يعني هم هنا مفرد أو جمع؟ جمع. إذن باعتبار أن من هنا تدل على الجمع. كذلك ﴿ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾، الها هنا يعود على من، مفرد أو جمع؟ مفرد. إذن جاز أن يعود الضمير على مفرد أو جمع. واضح؟ خالدين يعني هم، نعم، خالدين هم هنا جمع، خالدين واضح، فيدل على الجمع، يدل على الجمع. ثم قال: والأصل اتحاد مرجع الضمائر إذا تعددت، ومعنى الأصل يعني الأكثر، أن الضمائر إذا تعددت ترجع إلى مرجع واحد. واضح؟ ترجع إلى مرجع واحد. ومثل بهذه الآية، وبالمثال يتضح المقال. قال: مثل ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾. طيب، أين المرجع الآن؟ المرجع: شديد القوى. علمه شديد القوى، وهو من جبريل، فكل ضمائر الرفع الموجودة بعده تعود عليه. فقوله مثلاً: ذو مرة فاستوى، فاستوى من هو؟ صح، تعود على من؟ على شديد القوى، صح. وهو، هذا الضمير الغائب يعود على من؟ على شديد القوى. دنا يعود على من؟ شديد القوى. تدلى يعود على من؟ شديد القوى. كان، شديد القوى. طيب، طيب، هذه كلها الضمائر تعود على شديد القوى، فالمرجع واحد والضمائر تعددت، فكلها تعود إليه. هذا معنى قوله: والأصل اتحاد مرجع الضمائر. فمرجع الضمائر هذه كلها مرجعها واحد وهو من شديد القوى. وهذا ينفع في التفسير، تفسير القرآن، فإن هذه الآية وقع فيها شيء من الخلاف، فمنهم من قال: قوله ﴿ ثُمَّ دَنَا ﴾ أي النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا غير صحيح لأن الآية في سياق ذكر جبريل عليه السلام، لأن الضمير يعود عليه. ولذلك قال الشيخ: فضمائر الرفع في هذه الآية تعود إلى شديد القوى وهو جبريل، فهو الذي استوى، ذو مرة فاستوى، ذو قوى فاستوى، ﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾ أي جبريل، ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴾ أي جبريل، وليس النبي عليه الصلاة والسلام. رأيتم الآن فائدة ذكر هذه المباحث في أصول التفسير؟ لأنها تفيد في التفسير وتفهم كلام المفسرين بها. ثم قال: والأصل عود الضمير على أقرب مذكور، وتقدم معنى الأصل يعني الأكثر، وقد يأتي ما هو خلاف الأصل كما سيأتي من كلام الشارع أو من كلام المؤلف. قال: والأصل عود الضمير على أقرب مذكور، إلا في المتضايفين فيعود على المضاف، لأنه المتحدث عنه، لأنه المتحدث عنه. ما معنى هذا؟ يعني إذا جاءتك كلمتان ثم أتى الضمير بعدهما، يصح هذا الضمير أن يعود على الكلمتين، قد يكون على الأولى أو الثانية. طيب، تجعل هذا الضمير يعود على الأولى أو الثانية؟ على الثانية لأنها أقرب مذكور، لأنها أقرب مذكور. مثاله كما مثل هنا: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾، هنا ذكر موسى والكتاب، صح؟ ذكر موسى والكتاب. طيب، ﴿ وَجَعَلْنَاهُ ﴾، الهاء هنا يعود على موسى أو الكتاب؟ على الكتاب لأنه أقرب مذكور إلى الضمير، ولا نجعله يعود على موسى. واضح؟ هذا الآن. لو قلت مثلاً: التقيت بزيد وعمر فأكرمته، الآن أكرمت من؟ زيد أو عمر؟ ها؟ الأصل أنك أكرمت... التقيت بزيد وعمر فأكرمته، الآن أكرمت زيد أو عمر؟ ها؟ التقيت بزيد وعمر فأكرمته، الآن أكرمت من؟ زيد أو عمر؟ عمر، لأنه أقرب مذكور، ذكر يعني قبل الضمير، صح؟ أما زيد فهو بعيد من الضمير، عاد قبله ومن عمر. فهمتم هذا الآن؟ وهذا المثال كذلك: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ ﴾، الهاء هنا يعود على الكتاب، يعني جعلنا هذا الكتاب هدى لبني إسرائيل، ولا يعود على موسى، لأنه يصح أن نقول: موسى جعله الله هدى لبني إسرائيل من باب هداية الإرشاد، صح؟ لكن هنا نقول: لا، يعود هنا الضمير على الكتاب لأنه أقرب مذكور، وهذا هو الأصل، وهذا هو الأصل. أما قوله: إلا في المتضايفين فيعود على المضاف، فمثلا لو قلت: جاء غلام زيد فأكرمته، الآن أيهم أقرب مذكور؟ زيد، والله، الغلام، ها، زيد. طيب، فأنت الآن لما تقول: فأكرمته، هل يعود على زيد أو على الغلام؟ على الغلام، لأنه هنا متضايفين، وأنت ما أردت إكرام زيد، إنما أردت إكرام الغلام. ومثل هذه الآية: ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾، الآن ﴿ تُحْصُوهَا ﴾ يعود على ماذا؟ على نعمة، على النعمة، مع أن أقرب مذكور لفظ الجلالة، تمام، لفظ الجلالة، لكن ليس هو المراد، لأن في المتضايفين المتحدث عنه هو المضاف، وليس المضاف إليه، وليس المضاف إليه. فهمتم هذا؟ قال: وقد يأتي على خلاف الأصل فيما سبق بدليل يدل عليه، يعني قد يعود الضمير ليس على أقرب مذكور بل على أبعد مذكور، وهذا على حسب ما يدل عليه السياق. مثلوا له بقول الله سبحانه وتعالى: نعم، مثلوا له بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ﴾، الآن معنا الله لفظ الجلالة وآدم، ﴿ عَلَى صُورَتِهِ ﴾، الهاء تعود على آدم أو على الله؟ الصواب أنه يعود على الله عز وجل، مع أنه ليس أقرب مذكور، صح؟ أقرب مذكور هو آدم. لماذا؟ لأنهم قالوا: هناك قرينة تخرج عن هذا الأصل. ما هي القرينة؟ قالوا: القرينة أن الحسن والجمال والكمال ليس في آدم، وإنما هو في الله عز وجل، في الله سبحانه وتعالى، فالتشبيه هنا جاء لفظه أو صورته هنا لا يراد بها آدم، لأن أهل السنة فسروا هذا الحديث أن الله عز وجل خلق آدم غاية في الحسن والجمال والكمال. طيب، فصورته يعني خلقها الله عز وجل الكامل، الكمال المطلق، الكامل الكمال المطلق، وجاءت رواية: على صورة الرحمن، لكنها رواية ضعيفة، لكنها صحيحة في المعنى، صحيحة في المعنى. فأهل السنة يقولون في معنى هذا الحديث: على صورته، يعني على صورة الله عز وجل. نعم، فالهاء تعود على لفظ الجلالة، وهذا من الخروج عن الأصل، الخروج عن الأصل. وأما مثال المتضايفين أيضاً هذا يفرج عن الأصل، فقد يكون المضاف إليه هو المراد وليس المضاف. ومثل له بقول الله عز وجل: ﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾، فهنا الحمار مضاف إليه، والضمير يعود عليه، ﴿ يَحْمِلُ ﴾ يعود على مثل أو الحمار؟ ﴿ يَحْمِلُ ﴾ هو يعود على من؟ على الحمار، والحمار مضاف أو مضاف إليه؟ الحمار مضاف إليه. إذن خرج عن الأصل، لأن قال: إذا كان متضايفين فيعود على المضاف، صح؟ يعود على ماذا؟ على المضاف، لا يعود على المضاف إليه. لكن هنا خروج عن الأصل، لأن هنا قرينة تدل على ذلك، وهو أن الحمل لا يكون بالمثل، وإنما يكون بالحمار. فهمتم هذا الآن؟ وبهذا نكون قد انتهينا من مبحث الضمير، وبقي أيضاً مبحث آخر يتعلق بالضمير وهو الإظهار في موضع الإضمار، نؤجرهم إن شاء الله إلى درس قادم، والوقت قد حان.