مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 9

مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 9

الدرس في مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أنواع الشفاعة المشروعة والممنوعة في توحيد العبادة

يقسم المقطع الشفاعة إلى مشروعة وهي طلب الدعاء من الحي الحاضر القادر، وممنوعة وهي طلبها من الميت أو الغائب الذي لا يسمع ولا يستجيب معتبراً ذلك شركاً بالله. يستدل المحاضر بآيات من سورة فاطر لتأكيد بطلان الشفاعة الممنوعة ووجوب إخلاص الدعاء لله وحده.

أقسام طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في المراحل الثلاث

يبين العلماء أحكام طلب الشفاعة من النبي في ثلاثة أدوار: الدنيا حيث كان جائزاً بطلب دعائه، والبرزخ حيث يحرم ويعد شركاً لانقطاع سمعه وقدرته، والآخرة حيث تختصه الله بها بإذنه يوم القيامة. يؤكد المقطع أن الشفاعة ملك لله لا يملكها النبي إلا بإذن ربه في الآخرة فقط.

تفصيل أحكام طلب الشفاعة والتمييز بين صيغتي الطلب المشروع والممنوع

يفصل المقطع أحكام الطلب في ثلاثة مواطن مانعاً إياه في البرزخ ومجيزاً الدعاء في الدنيا وحضور النبي يوم القيامة. يميز بين قول "يا رسول الله اشفع لي" وهو شرك لطلب الشفاعة من غير الله، وقول "اللهم شفع في نبيك" وهو دعاء مشروع، محذراً من التقرب للأموات والأصنام بقصد الشفاعة.

النهي عن التوسل بالغير للشفاعة وتحذير الوقوع في الشرك

يحذر المحاضر من التقرب إلى غير الله بقصد الشفاعة معتبراً ذلك شركاً صريحاً يماثل شرك المشركين الأوائل. يشدد على ضرورة وضوح هذه المسائل العقدية لدى المسلمين لتجنب مزالق الشرك وحفظ توحيد العبادة خالصاً لله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، ففي هذا المقام إن شاء الله تعالى نأخذ مبحثاً من مباحث الشفاعة. للشفاعة جهتان في بحثها: الجهة الأولى تتعلق بالعقيدة والآخرة، وهي ما قد مر معنا في الدروس الماضية، وجهة تتعلق بما يتصل بتوحيد الألوهية، توحيد العبادة، وطلب الشفاعة من الأموات. فهذا أيضاً يدخل في مباحث الشفاعة؛ لأن بعض الطوائف المنحرفة ضلت وزلت في هذا النوع وفي هذا الباب. ومن مبحث من مباحث الشفاعة، فتحقيقاً لهذا النوع الثاني من أنواع الشفاعة وهو ما يتصل بتوحيد العبادة وطلب الشفاعة من الأموات، فقد فصل أهل العلم في طلب الشفاعة من المخلوق، وقسموها إلى قسمين اثنين: شفاعة أذن بها الشارع، وشفاعة نهى عنها الشارع. فالقسم الأول: شفاعة أذن بها الشارع، وهي طلب الشفاعة ممن يملكها ويستطيع أداءها، وهو الحي الحاضر الذي يسمع. فهذا النوع من أنواع الشفاعة التي تتعلق بالعبادة تجوز لأدلة كثيرة. فمن ذلك فعل الصحابة، فقد سأل الصحابة رضي الله تعالى عنهم النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وهو حاضر بينهم أن يشفع لهم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد ثبت في الصحيح أن عمر رضي الله تعالى عنه في عام الرمادة، ذاك العام الذي اشتد وكذلك قحط فيه الناس، فاستسقى عمر رضي الله تعالى عنه بعم النبي صلى الله عليه وسلم العباس. لكن ماذا قال؟ قال عمر رضي الله تعالى عنه: «اللهم إن كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فسقنا». أي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان الصحابة يطلبون الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام، ومعنى الشفاعة في هذا المقام هو الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم، أن يدعو لهم ربهم. فهذا قد وقع في حديث الرجل الذي دخل يوم الجمعة إلى المسجد وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم، فقال له: «يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يسقينا». هذا من الشفاعة، وهو بمعنى طلب الدعاء من الحي القادر على الدعاء الحاضر الذي يسمعك وتسمعه. فمثل ذلك فهذا من الشفاعة في الدنيا التي أذن بها الشارع. وهناك نوع ثانٍ من أنواع الشفاعة في باب توحيد العبادة، وهي الشفاعة التي نهى عنها الشارع. والمراد بها ها هنا طلب الشفاعة من المخلوق الذي ليس بحي بل هو ميت، أو كذلك طلب الشفاعة من المخلوق الغائب الذي لا يسمعك ولا يعلم بحالك وهو بعيد عنه. فهذا النوع من أنواع الشفاعة شرك بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه طلب للشفاعة ممن لا يقدر عليها، فهو بمعنى دعاء الغائب، ودعاء الغائب أو دعاء الميت من الشرك بالله سبحانه وتعالى. ولذلك من طلب من الميت أن يدع له، فإنه يدخل في عموم نصوص الدعاء، والدعاء لا يكون إلا لله. فمن صرف الدعاء لغير الله فقد أشرك. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. فطلب الشفاعة من الميت أو من الغائب يدخل في عموم نصوص تلك الآيات. فالشفاعة في الدنيا أو الشفاعة فيما جاء في الأحاديث فهي في الدنيا، يعني أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إنما طلبوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لهم وهو حاضر عندهم، وهو حاضر عندهم؛ لأن كل طلب فهو شفاعة. فالطلب من الأموات هو بمعنى دعاء الأموات، بمعنى دعاء الأموات. فلذلك ينبغي أن نفصل هذا التفصيل. فطلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم والتوسل به، والتوسل به هو أن يقول الإنسان: يا رسول الله اشفع لي. هذا هو صورة الشفاعة، أو طلب الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام أن تقول: يا رسول الله اشفع لي. فتلخص لنا من ذلك أن هذا القول ليس شركاً على إطلاقه، وليس جائزاً على إطلاقه، ففيه تفصيل. فإن طلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم قسمها العلماء ثلاثة أقسام بحسب الدور، بحسب الأدوار الثلاثة: الدنيا، والبرزخ، والآخرة. فالدور الأولى: هذه يصح للإنسان أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويطلب منه الشفاعة، أي والنبي صلى الله عليه وسلم حي بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فيصح أن يأتي إليه الصحابي ويطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع له، بمعنى أن يدعو الله له، بمعنى أن يدعو الله له، ليس بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم يملك الشفاعة، وإنما المراد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الطالب للشفاعة. وهذا الذي تحمل عليه الأحاديث التي جاءت في طلب الصحابة الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا حينئذ لا إشكال فيه. وسيأتي معنا بعض الأمثلة وبعض الشبه التي يوردها من غلا في هذا الباب، باب طلب الشفاعات من النبي، بل ومن الأولياء. وأما النوع الثاني من أنواع طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم فهو طلب الشفاعة في البرزخ، يعني بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وهو الآن في قبره. فهذا لا يجوز، لا يجوز لأحد في هذا الزمان أن يقول: يا رسول الله اشفع لي. لا يجوز، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ميت ولا يملك الشفاعة، ولا يستطيع أن يدع لك، لا يستطيع أن يدع لك، ليس بحاضر ولا يسمع دعاءك. لعموم قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾. فكيف تطلب الآن الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام وهو في حياة البرزخ؟ فهذا النوع من أنواع الشفاعة لا يجوز، وهو شرك بالله سبحانه وتعالى؛ لأن الشفاعة ملك لله سبحانه وتعالى، وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. فإن قال قائل: إن الله عز وجل أعطى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الشفاعة كما جاء في الحديث: «وأعطيت الشفاعة»، «وأعطيت الشفاعة»، فلماذا لا نطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال ويرد على هذا: إن الله عز وجل أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة في الآخرة، ليس في الدنيا، وليس في حياة البرزخ، وإنما أعطاه الشفاعة أين؟ في الآخرة، كما مر معنا في الأحاديث. ومع هذا لم يعطَ الشفاعة إلا بعد إذن، وبعد أن يستأذن ويثني على الله عز وجل ثناء عظيماً، بعد ذلك يؤذن له عليه الصلاة والسلام بالشفاعة. وأما في الدنيا والبرزخ فلم يعطَ شيئاً من الشفاعة. فإذا طلبها الإنسان من الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته، فقد طلبها من غير الله، وهذا هو الشرك بعينه. هذا النوع الثاني من أنواع طلب الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في حياة البرزخ، فهذا لا يجوز. وأما في الدنيا فالطلب بمعنى الدعاء، بمعنى الدعاء، النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لك بأن يشفع فيك، أو أن يدعو بدخولك إلى الجنة، أو نحو ذلك، كما وقع لعكاشة ونحو ذلك. وأما الحالة الثالثة فهي أن يطلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، يطلب المسلم الشفاعة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا أيضاً لا إشكال فيه، فذلك الأمر يجوز، كما طلب أهل الموقف الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حاضر عندهم ويسمعهم ويسمعون. فمثل هذه الشفاعة كذلك جائزة في الدار الآخرة، في الدار الآخرة، فهو أعطيها عليه الصلاة والسلام، فيطلب منه ذلك في ذلك اليوم، يوم القيامة. فهذا هو التفصيل الذي به تزول جميع الإشكالات في هذا الباب، وجميع الشبه، ويرد على جميع الشبه التي يوردها هؤلاء الغلاة في هذا الباب. هنا تنبيه أيضاً يتعلق بباب الشفاعة، وهو أن هناك فرقاً بين أن يقول الإنسان: يا رسول الله اشفع لي، يا رسول الله اشفع لي، وبين قوله: اللهم شفع في نبيك. هناك فرق بين هذين الأمرين: أن يقول الإنسان مثلاً: يا رسول الله اشفع لي، وبين قوله: اللهم شفع في نبيك. فالأولى لا تجوز؛ لأنها طلب الشفاعة من غير الله، فهو يخاطب رسول الله، يخاطب رسول الله، يقول: يا رسول الله اشفع لي. وهل الرسول يملك الشفاعة؟ لا يملك الشفاعة. فكيف تطلب الشفاعة من غير الله، والله عز وجل يقول: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. وهكذا اللفظة الثانية تجوز؛ لأنها دعاء لله سبحانه وتعالى، تدعو الله عز وجل. ولذلك قدمت هذا الدعاء بقولك: اللهم شفع في نبيك، أي تدعو الله عز وجل أن يشفع فيك نبيه عليه الصلاة والسلام. فهذا يجوز. ففرق بين العبارتين: العبارة الأولى طلب عين الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام، والثاني طلب من العبد يطلب من ربه أن يشفع فيه نبيه، أن يشفع فيه نبيه. فهذا لا حرج فيه، فهو من باب الدعاء، فهو من باب الدعاء، دعاء الله سبحانه وتعالى. فنفرق بين اللفظين، نفرق بين اللفظين. وأمر ثالث أيضاً ينبه عليه، وهو أن مشركي العرب ما كانوا يطلبون من أصنامهم أو من معبوداتهم أن يشفعوا لهم، وإنما يتقربون إليهم كي يشفعوا لهم. وكلا الأمرين من الشرك: طلبوا الشفاعة من غير الله، أو التقرب إلى المخلوق من أجل أن يشفع لك، التقرب إليه بالعبادات، فكلاهما شرك، فكلاهما شرك. قال الله عز وجل: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، يعني يتقربون إلى هذه المعبودات بالذبح أو بالنذر أو بالدعاء أو بالخشوع والتذلل والانطراح بين قبورهم أو بين أصنامهم أو نحو ذلك، من أجل أن يشفعوا لهم عند الله عز وجل، عند الله عز وجل. وهكذا من يفعل ذلك مع غير الله عز وجل، يتقرب إليه من أجل أن يشفع له، فلا فرق بين عمله ذلك وبين عمل المشركين الأوائل. فاجتمع، فاجتمع الأوائل والأواخر في أصل من أصول الشرك، وهو التقرب إلى غير الله سبحانه وتعالى، بغض النظر عن هذا المتقرب إليه، سواء أكان صنماً أو حجراً أو شجراً أو مدراً أو ملكاً أو قبراً أو ضريحاً أو جنّياً أو ولياً صالحاً. لا يجوز أن يتقرب إلى أحد من أجل أن يشفع له عند الله سبحانه وتعالى؛ لأنه وقع في الشرك بالله عز وجل. فإذن هذه أمور ينبغي أن تكون لدينا واضحة جلية، حتى ما نقع في الشرك بالله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.