التعليقات على كتاب الأدب المفرد 2

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية طاعة الوالدين وبرهما

يشرح المقطع الأول أهمية طاعة الوالدين وبرهما، ويبين أن رضا الله مرتبط برضا الوالدين إذا كان في إطار المعروف. هناك استثناءات لطاعة الوالدين إذا أمرا بمعصية.

تقديم حق الأم في البر

يشرح المقطع الثاني الحديث النبوي الذي يبين أهمية بر الوالدين وتقديم حق الأم على الأب، حيث سأل رجل النبي عن من يبر أولاً، فأجاب النبي ثلاث مرات بأمه ثم بالأب.

توبة القاتل عمدا وبر الوالدة

تروي المقاطع الأخيرة قصة رجل قتل امرأة ثم سأل ابن عباس عن توبته، فأمره بالتوبة وبر الوالدة، ويبين أن ابن عباس كان له رأيان حول توبة القاتل عمدا، ولكنه تراجع عن رأيه الأول.

التفريغ النصي الكامل

وأبوه هو أعطى، قال المنقطعان: هو مجهول. قال: هو مجهول الحال. وهذا أيضا الإمام الذهبي رحمه الله حكم عليه بالجهالة. عن عبد الله بن عمر، هذا هو في هذه النسبة. وفي الأصل في سنن الترمذي عن عبد الله بن عمر، وهو الأصح. قال: رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد. الحديث بهذا الإسناد فيه ضعف، ضعف أعطى. ولكن له شواهد، له شواهد قد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في صحيحه بشواهده. وهذا الحديث رواية مرفوعا، ورواية موقوفا. رواية مرفوعا، ورواية موقوفا. ورجح الإمام الترمذي رحمه الله الموقوف، قال: ولم يرفعه من أصحاب شعبة إلا خالد بن الحارث، والبقية رووه موقوفا. لكن ذكر الحافظ الباني رحمه الله مترجمين لخالد بن الحارث، وهما عبد الرحمن بن مهدي وأبو إسحاق الفزاري، كلاهما روى هذا الحديث عن شعبة مرفوعا. فيكون بذلك يصح كذلك مرفوعا، والحديث هو صحيح بشواهده. جاء من حديث أبي هريرة مرفوعا، ومن حديث ابن عباس موقوفا، فيه ضعف، لكن ضعف يسير يرتقي إلى الحسن. ففي هذا الحديث أخبر عليه الصلاة والسلام أن رضا الرب في رضا الوالد، أي: إذا كان والدك راض عنك فإن ذلك سبب في رضا الله عنك، وذلك إذا قمت ببرهما والإحسان إليهما بكل معاني الإحسان، ويرجع بذلك أيضا إلى العرف. والله جل وعلا قال: «بالوالدين إحسانا»، فكل ما يعرف عند الناس أنه إحسان ينبغي أن يكون للوالدين. فإذا كنت قائما بهذا الأمر ومعتنيا برضا والديك كان ذلك سببا في رضا الله سبحانه وتعالى عنك، إذا أرضيت والديك رضي الله سبحانه وتعالى عنك. وهكذا بالعكس، سخط الرب في سخط الوالد، إذا أسخط والديك سخط الله جل وعلا عليك، إذا أسأت إليهما في المعاملة، رفعت صوتك عليهما، أو سببتهما، أو لعنتهما، أو ضربتهما، فهذا سبب في أن يسخط عليك. وإذا سخط عليك سخط عليك الله سبحانه وتعالى. فينبغي للمسلم أن يحسن إلى والديه قبل الاستطاعة، لكن هذا إذا كان الرضا والسخط في غير معصية. أما إذا أمر بالمعصية فإنك لا تطيعهما ولو سخطا، لا تطيعهما ولو سخطا. إنما طاعة بالمعروف، وكما قال الله جل وعلا: «وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا». نهى الله سبحانه وتعالى أن نطيع الوالدين إذا أمرا بالمعصية. وسبب نزول هذه الآية ما جاء في مسلم في قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، حين أسلم فأرادت أمه أن يرجع إلى دين آبائه وأجداده - يعني الكفر - فأبى رضي الله تعالى عنه، فقالت أمه: إن لم ترجع أو لا تركنا الطعام حتى ترجع، ثم تركت الأكل ولم تأكل وتشرب، ثم قالت له: أتزعم أن هذا الدين يأمرك بطاعة والديك ثم تعصيني؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات: «وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما»، ليس لهما مطاع في المعصية أبدا. ومن أعظم المعاصي الشرك، من أعظم المعاصي الشرك بالله سبحانه وتعالى. فإذا أمرك بالشرك حتى يرضى عنك فلا تطعهما، ليس لهما مطاع. وهكذا إذا أمرك بمعصية، يأمرك أبوك أن تشتري له شيئا محرما، رغم أن يكون ممن ابتلي به، كالقات أو الدخان أو الشمة، قال: يا ولدي هات، اذهب واشتر لنا الدخان، إذا ما سميته كلاما، قال: أنت عاص، أين طاعة الوالدين؟ تقول له: طاعة بالمعروف، هذه معصية، والمعصية ليس فيها طاعة. فإنك تراقب رب جل وعلا ولو سخط عليك الناس، ولا تسخط الرب عز وجل برضا الناس، فإنما طاعة بالمعروف، إذا أمر بالمعروف، والأمر ليس فيه معصية، فإنه يطاع. أما إذا أمر بالمعصية فلا، فإن طاعة الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام مقدمة على طاعة الوالدين. قال: باب بر الأم. قال: حدثنا أبو عاصم عن بزيع حكيم، عن أبيه، عن جده، قلت: يا رسول الله، من أبر؟ قال: أمك. قلت: من أبر؟ قال: أمك. قلت: من أبر؟ قال: أمك. قلت: من أبر؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب. هذا الحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء، وهو أيضا في سنن الإمام الترمذي. أخرجه الإمام الترمذي بهذا السياق. وبزيع وبزيع حكيم فيه كلام، تكلم فيه أبو حاتم. ولكن صححه يحيى بن سعيد القطان، وابن المديني، والنسائي. وأبوه هو حكيم بن معاوية، وجده هو معاوية بن حيدة القشيري. وهذه السلسلة سلسلة حسنة، سلسلة بزيع حكيم عن أبيه عن جده سلسلة حسنة. وأصل الحديث في الصحيحين، من حديث أبي هريرة، وسيأتي أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وفيه أن معاوية سأل النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، من أبر؟ قال: أمك. قال: أمك. قلت: ثم من؟ قلت: من أبر؟ قال: أمك. قلت: من أبر؟ قال: أمك. قلت: من أبر؟ قال: أباك. وقوله: «أباك» بالنصب على إغناء فعل، أي: بر أباك. ففي هذا الحديث جعل النبي عليه الصلاة والسلام للأم ثلاثة أضعاف ما للأب، جعل الأم ثلاثة أضعاف ما للأب. فأمره أن يبر أمه ثلاث مرات، ثم في الرابعة قال: أباك. قال: أباك. العلم في ذلك أن حق الأم أعظم من حق الأب، فإن الأم تتعب وتشقى في الابن ما لا يتعب فيه الأب، فهي تتعب في حمله، وفي وضعه، وفي رضاعته، تتعب في حمله، وفي وضعه، وفي رضاعته. فلهذا جعل لها ثلاثة حقوق، واستدل بعضهم بقول الله عز وجل: «وصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين»، فلهذا جعل لها ثلاثة حقوق، بخلاف الأب، فهو مشترك مع الأم في الوصية له بالإحسان، ثم انفردت الأم بهذه الثلاثة الأمور. ولهذا جمهور أهل العلم على أن الأم مقدمة في البر على الأب، على أن الأم مقدمة في البر على الأب. لهذا الحديث، وأيضا يدل على تقديم الأم كذلك ما جاء في سنن أبي داود، أن امرأة قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزع مني ابني. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت أحق به ما لم تنكحي»، أنت أحق به ما لم تنكحي. والحديث صحيح، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام الأم مقدمة، جعلها مقدمة على الأب. وهذا دليل على أن الأم لها مزية أعظم من الأب. قال بعد أن قال: من أبر؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب، يعني: يقدم في البر الأقرب فالأقرب بعد الأم وبعد الأب. وجاء في رواية في بعض الأحاديث: ثم أختك وأخاك، ثم أدناك أدناك، يقدم بعد الأم والأب الأقارب. قال: واستعمل العلماء هل يقدم الجد أو الأخ؟ والصحيح أنه يقدم الجد، أنه يقدم الجد، ثم يقدم الأخ. ويقدم من الأصحاب على الشقيق، على الأصحاب لأب، من أدناه منهم من جهتين، فيقدم على من أدناه من جهة. فالنفس الشقيق مقدم على الأخ لأب، والنفس الشقيقة مقدمة على الأخت لأب، وهكذا. ثم كذلك يقدم ذوي الأرحام، ثم يقدم العصبات كالأعمام وبنيهم، وهكذا. ثم يقدم من كان بينه وبينهم مصاهرة، ثم الولاء، كما ذكر الحافظ رحمه الله. قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمك حيا؟ قال: لا. قال: تب إلى الله عز وجل وتقرب إليه ما استطعت. فذهبت فسألت ابن عباس: لما سألته عن حياة أمه؟ قال: إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة. هذا أثر صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة. وفيه أن هذا الرجل خطب امرأة فرفضته وأبت أن تنكحه، ثم خطبها غيره فوافقت، فغار عليها فقتلها، ثم جاء يسأل: هل له من توبة؟ فقال ابن عباس: أمك حيا؟ قال: نعم. أو قال: لا. قال: تب إلى الله عز وجل وتقرب إليه ما استطعت. تب: يعني عليك بالتوبة على ما فعلت، والإقلاع عن هذه المعصية، وكذلك الحرص على ألا تعود عليها. وقوله: «وتقرب إلى الله جل وعلا ما استطعت من الطاعات والقربات»، حتى تكفر هذه الكبيرة، وهو قتل النفس. فذهب ثم سأل ابن عباس عطاء بن يسار: لما سألته عن حياة أمه؟ لماذا سأله هل هي حية؟ قال: إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة. رأى رضي الله تعالى عنه أنه إذا قام ببر والدته أن ذلك سببا في تكفير هذا الذنب، سببا في تكفير هذا الذنب الذي وقع فيه. وهذا الحديث أو ما دل عليه جليل، جليل على أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما يرى أن للقاتل توبة، يرى أن للقاتل توبة. وقد كان ابن عباس يقول: ليس للقاتل عمدا توبة، كان يقول: ليس للقاتل عمدا توبة، كما جاء في صحيح البخاري، وهو أيضا مشهور عنه بطرق كثيرة، كما قال ابن كثير، وكذلك الحافظ ابن حجر. لكن في هذا أثر صريح فيه صراحة ودلالة على أن ابن عباس تراجع عن ذلك، وأنه يرى للقاتل توبة، كما هو قول الجمهور. ويدل على ذلك أنه رأى قول الله عز وجل: «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها»، مع قوله سبحانه وتعالى: «والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات». فهذه الآية التي في سورة الفرقان فيها ذكر التوبة، وأن للقاتل توبة. وآية النساء فيها ذكر العقوبة، آية النساء فيها ذكر عقوبة القاتل، أنه إذا قتل فهو مخلد في نار جهنم. والقول كما قال أهل العلم: هو أن المقصود أنه يطول المقام في النار، أنه يطول المقام في النار. وعلى قول الآخر الذي مر بك أيضا هو أن قاتل النفس إذا قتل متعمدا فإن ذلك سببا في أن يضيق عليه حتى يقع في الكفر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب الدم الحرام ضيق عليه في دينه حتى ربما يقع في الكفر». فيكون ذلك سببا في خلوده في النار. وقد جاء عند الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره، عن ابن عباس أيضا ما يدل على تراجعه، وأنه قال: ليس للقاتل توبة إلا أن يستغفر الله، ليس للقاتل توبة إلا أن يستغفر الله. قال شيخ الباني رحمه الله: يريد ليس للقاتل توبة على رأيه الأول، ثم تراجع ورجع، وقال: إلا أن يستغفر الله. فالصحيح أن للقاتل توبة، تساوي المعاصي والذنوب. وهذا أيضا هو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ويدل عليه هذا الأثر.