الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 416، ألقاها
الميسر أو القمار محرم في الإسلام لأنه يسبب العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله. جاء تحريمه في القرآن الكريم في سورة المائدة.
الميسر يشمل المقامرة التي فيها غنم وغرم وكان معروفا في الجاهلية. يشمل صورا متعددة مثل الرهان على مال أو بهائم.
المراهنة على المصارعة أو الجري لا تجوز إلا إذا كانت مما يعين على الجهاد. لا يجوز أخذ العوض في هذه الأنشطة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله بكتاب الأدب المفرد، باب القمار: حدثنا فروة بن أبي المغيرة، قال: أخبرنا إبراهيم بن المختار عن معروف بن سهيل البرجمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، قال: نزل بي سعيد بن جبير، فقال: حدثني ابن عباس، قال: إنه كان يقال: أين أيسار الجزور؟ فيجتمع العشرة فيشترون الجزور بعشرة فصلان إلى الفصال، فيجيلون السهام، فتصير لتسعة، حتى تصير إلى واحد، ويغرم الآخرون فصيلا فصيلا إلى الفصال، فهو الميسر. هذا الباب باب القمار، والقمار هو الميسر، وهو من أمور المحرمة التي جاءت الشريعة بتحريمها؛ لما فيها من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن ذكر الله وعن طاعة الله وعن الصلاة. وذلك أن يتغالب اثنان أو أكثر، فيتراهنان أو يتراهنون على مال، فمن غلب أخذ المال كله. هذا هو القمار والميسر. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فأخبر الله سبحانه وتعالى أن الميسر من عمل الشيطان، وأنه يورث العداوة والبغضاء؛ وذلك حين يغلب الإنسان ويذهب ماله ويأخذه الآخر، تدخل العداوة بينه وبينه. لماذا أخذ ماله؟ ولماذا لم يتحصل على شيء؟ فتورث الميسر يورث العداوة والبغضاء بين المسلمين. وكذلك أيضا يصد عن سبيل الله وعن ذكر الله، ربما يتقامر يلعب بذلك ويأتي وقت الصلاة وهو مشغول بالميسر، فيضيع ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، وهكذا يكون في غفلة عظيمة عن ذكر الله وعن طاعة الله. فلأجل هذه المفاسد وغيرها جاءت الشريعة بتحريم الميسر، حرمته لما فيه من مفاسد كثيرة. وذكر في هذا الباب هذا الأثر عن ابن عباس: إنه كان يقال: أين أيسار الجزور؟ أيسار جمع ياسر، وهو اللاعب بالقداح، وهو اللاعب بالقداح بالميسر. والمعنى: أين من يلاعبنا بالميسر؟ والجزور ما يصلح للذبح، وكالإبل والبقر والغنم وغيرها. فقولهم: أين أيسار الجزور؟ يعني من يأتي يلاعبنا بالميسر؟ قال: فيجتمع العشرة -يعني عشرة نفر- فيشترون الجزور بعشرة فصلان إلى الفصال. يشترون الجزور، والمراد به هنا الإبل؛ لأنه قال: بعشرة فصلان، والفصيل ولد الناقة الصغير. وقوله: إلى الفصال، إما أنه وقت محدد، أو إلى فطامها، إلى أن تفطم من الرضاع. قال: فيجيلون السهام -يعني يستعملون الحظ والنصيب- ينظرون من يقع النصيب له ويكون في حظه. قال: فتصير لتسعة، يعني من خرج خرج نصيبه، ثم يقرع بين هؤلاء التسعة، حتى تصير إلى واحد، فتصير الجزور إلى واحد، يكون هو الغالب، ويغرم الآخرون فصيلا فصيلا -يعني يدفعون فصيلا- والذي وجد أو فاز بالجزور تكون له خالصة، لا يدفع شيئا، يأخذها ولا يطعمون منها شيئا. قال: إلى الفصال، فهو الميسر، يعني صورة من صور الميسر. واقس على ذلك ما كان مثلها من الصور، أن يتراهن اثنان فأكثر على أي شيء، على مال أو بهائم أو غيرها، من يفوز يأخذها كلها، فهذا هو الميسر. وهذا الأثر ضعيف؛ لأن جعفر صدوق يهم، ومعروف بن سهيل مجهول، وإبراهيم المختار ضعيف الحفظ، لكن معناه صحيح. والميسر كان معروفا في الجاهلية، وكانوا كثير التعامل به، وجاء الإسلام بتحريمه لما فيه من المفاسد. قال: وحدثنا الأويسي، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «الميسر القمار». وهذا الأثر صحيح إلى ابن عمر. فالسراء الميسر بأنه القمار، كل ما فيه مقامرة فهو من الميسر، فيكون الإنسان فيه بين غنم أو غرم، فربما يكون فقيرا فيغتني، وربما يكون غنيا فيفتقر، وربما يدخل في الميسر بأموال كثيرة فيخسر فيصير فقيرا، أو يدخل بشيء من المال فيفوز فيصير عنده مال كثير. فكل ما كان فيه هذا المعنى من الغنم والغرم، أن يكون الإنسان فيه بين غنم أو غرم، فهو من الميسر. مثله الحظ والنصيب، وما كان فيه معنى ذلك فهو من الميسر. قال: باب قمار الديك. قال: حدثنا إبراهيم المنذر، قال: حدثني معن، قال: حدثني ابن المنكدر، عن أبيه، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير بن عبد الله: أن رجلين اقترموا على ديكين على عهد عمر، فأمر عمر بقتل الديكة. فقال له رجل من الأنصار: أتقتل أمة تسبح؟ فتركها. هذا الأثر في باب قمار الديكة، قمار الديكة أو الديكة، هذا نوع من أنواع القمار، ومن ذلك التحريش بين ديكين، ثم يوضع مال، فالديك الذي يغلب يأخذ صاحبه المال. وسواء كان بأديكة أو بغيرها من البهائم، بل ولو كذلك أيضا حصل بالإنسان، شخص مع شخص يتصارعان، ثم يوضع شيء من المال على أن المصارع يفوز، يأخذ المال. والجري والمصارعة أجاز بعضها العلماء المراهنة فيها؛ لأنها مما يعين على الجهاد، فأجاز فيها المراهنة. والصحيح أنه لا يجوز إلا بما دل عليه الدليل، وما ثبت في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» -يعني السباق بالخيل أو الإبل أو رمي السهام والنبال- وما كان بمعناها. وأما الجري والمصارعة، فتجوز؛ لأن فيه تقوية للجسم وإعانة على الجهاد في سبيل الله، لكن لا يجوز أخذ العوض فيها. وإذا فعل ذلك فهو من القمار. وهذا أيضا إذا فعل ذلك بالبهائم، أن يؤتى بديكين فيحرش بينهما، أو بتيسين، ومن غلب أخذ صاحبه المال، هذا من القمار. وإن الميسر وهو فعل محرم لا يجوز. وذكر في هذا الأثر أن رجلين اقترموا على ديكين على عهد عمر، وقد يكون هذا هو المعنى -يعني التحريش بين الديكين- وقد يكون يعني وضع ديكين، هذا أتى بديك، وهذا أتى بديك، ومن فاز أخذ الديكين. قد يحتمل هذا المعنى، لكن الله أعلم. قد يراد التحريش بينهما، ويأخذ الذي يفوز ديكه، وما وضعا من مال أو غيره. فأمر عمر بقتل الديكة؛ على أنها استعملت لأجل القمار. لكن الأثر سيأتي معنى أنه ضعيف لا يصح. وعمر رضي الله عنه لا يخفى عليه مثل هذا الحكم أن يأمر بقتل الديكة وهي لذنبها. قال: فقال له رجل من الأنصار: أتقتل أمة تسبح؟ فتركها. تقتل أمة -يعني الديكة- أم من الأمم لتسبح الله. وما من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. قال: فتركها. والأثر فيه المنكدر، من المحمد بن المنكدر، لين الحديث، فهو لا يصح. لكن من حيث الحكم، الحكم أنه لا يجوز قمار الديكة، ولا غيرها من البهائم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.