الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 19، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «هم الذين لا يسترقون» مبيناً أن المراد عدم طلب الرقية من الغير لا عدم الرقية مطلقاً، ويفرق بين الاسترقاء (طلب الرقية) والرقية (إجراؤها)، ويقسم الناس في طلب الرقية إلى ثلاثة أقسام: من يطلبها فيفوت الكمال، ومن لا يمنعها فيرجى دخوله في السبعين ألفاً، ومن يمنعها فهو خلاف السنة.
يبين المقطع الفرق الشرعي بين طلب الرقية المنهي عنه في حديث السبعين ألفاً، والاكتواء الذي جاء النهي فيه مطلقاً مع جوازه للعلاج لكن تركه من كمال التوحيد، والتطير وهو التشاؤم بالآيات والأصوات والأزمنة من أعمال الجاهلية المنافية للتوكل، ويجمع قوله «وعلى ربهم يتوكلون» هذه الأمور الثلاثة تحت أصل التوكل.
يوضح أن ترك الاسترقاء والكي والتطير يعود إلى شدة التوكل على الله، وأن التداوي بالأسباب النبوية كالعسل والحبة السوداء وزيت الزيتون جائز ولا ينافي التوكل، ثم يفرق بين أمة الإجابة (المؤمنون المستجيبون) وأمة الدعوة (كل من بلغتهم الدعوة مؤمنين وكافرين) مبيناً أهمية هذا التفريق في فهم النصوص الشرعية.
يسأل المتحدث عن موعد تحرك الباص فيُجاب بأنه في الخامسة والنصف إن شاء الله، ثم يختم بدعوة للاشتراك في القناة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: وقفنا عند الباب الثاني، أو الباب الثالث: "من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب"، عند حديث ابن عباس، بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». قوله -كما تقدم-: «لا يسترقون»، أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم. لا يطلبون الرقية من غيرهم. وذكر المؤلف الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله أن هذا الفعل منهم يدل على كمال التوحيد من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: قوة اعتمادهم على الله، فلم يتعلقوا بغيره. وفيه: عزة نفوسهم، فلم يذلوا أنفسهم بالسؤال والطلب. وفيه كذلك: التعلق بالله عز وجل وحده. وأما رواية «لا يرقون»: جاءت رواية «هم الذين لا يرقون»، فهذه الرواية خطأ، لم ترد في هذا الحديث، وتنافي فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وما الفرق بين «لا يسترقون» و«لا يرقون»؟ «لا يسترقون»: لا يطلبون. أنت مريض الآن، تقول مثلاً لأحد إخوانك: «تعالَ أخي، أنا مريض، اقرأ عليَّ، اكني». هذا أنت طلبت الرقية. لكن «لا يرقون»: أي لا يرقون أنفسهم بأنفسهم، ولا كذلك يأذنون لمن أراد أن يرقيهم دون طلبه أن يرقيه، لا يأذنون بذلك. وهم لا يرقون، فلا شك أن المعنى الثاني يختلف عن المعنى الأول. وأن يرقي العبد نفسه هذا مما جاءت به السنة، أو أن يأتي أحد إخوانه ويرقيه دون أن يطلب، هذا كذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل، ورقته عائشة، وكذلك الصحابة كانوا يرقون، كما ذكر الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله. فإذن: فرق بين اللفظين، بين «لا يسترقون» و«لا يرقون». فلا شيء في كون العبد مريضًا فيأتي أحد إخوانه ويرقيه. وأكد: ينبغي أن يتنبه إخواننا، ولا يحرج، ويلجأ المريض لطلب الرقية. فإذا رأيت أحدًا لك مريضًا، تبادر من تلقاء نفسك برقيته دون أن يطلب، دون أن يطلب. خصوصًا إذا ظهر لك أن هذا المرض يحتاج إلى رقية، كمرض حسد أو سحر، أو كذلك تفريق بين الزوج وزوجته، أو نحو ذلك. فأنت تبادر وتباشر. والرقية مطلوبة في كل مرض، في كل مرض، فإن القرآن شفاء، فإن القرآن شفاء. قال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله: أقسام الناس في طلب الرقية: القسم الأول: أن يطلب من يرقيه. وهذا قد فاته الكمال، فيخرج من السبعين ألفًا. هذا القسم الأول: أنك مريض تطلب من غيرك أن يرقيك، فهنا حرمت نفسك من هذه الفضيلة، حرمت نفسك من هذه الفريضة، فتخرج من السبعين ألفًا، تخرج منهم. هذا القسم الأول. القسم الثاني: أن لا يمنع من يرقيه. يعني: يأتي شخص دون أن تطلب، فيرقيك، فلا تمنعه، ما منعه، سكت، وجعله يقرأ عليه. فهذا لم يفته الكمال؛ لأنه لم يسترقِ ولم يطلب، فلا يزال يرجو أن يدخل في هؤلاء السبعين. والقسم الثالث من أقسام الناس في طلب الرقية: أن يمنع من يرقيه. وهذا خلاف السنة. أنت مريض، يأتي أخ يريد أن يقرأ عليك دون أن تسأل، تقول: «لا، أنا ما أريد أحدًا يقرأ عليك». لا، هذا خلاف السنة. قد أذن من هو خير منك بأن يرقيه غيره دون أن يطلب، وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا هو القسم الثالث: أن يمنع من يرقيه، وهذا خلاف السنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع عائشة أن ترقيه. وقوله في الحديث: «ولا يكتوون»، أي: لا يطلبون من أحد غيرهم أن يكويهم. «لا يكتوون»، وأيضًا لا يفعلون ذلك. لا يفعلون ذلك، ليس مثل الرقية. يعني: مثلاً له مريض، وجاء واحد وقال له: «أريد أن أكويك؛ لأن هذا المرض يحتاج إلى الكي، يحتاج إلى الكي». فهذا -والله أعلم- ليس مثل الرقية، فيدخل في النهي؛ لأن النهي هنا ما أتى بالطلب، ما قال: «ولا يستكون» يعني يطلبون الكي من غيرهم، وإنما جاء اللفظ عام، جاء اللفظ عام، فيكون هنا عدم الكي مطلقًا: إذا طلب أو لم يطلب. بخلاف الرقية، بخلاف الرقية. والفرق بين الرقية والكي: أولاً: لفظ الحديث. أولاً: لفظ الحديث. «فلا يسترقون»، السين هنا والتاء تدل على الطلب، تدل على الطلب. وأما في الكي فلم تأتِ، أو لم يأتِ ما يدل على الطلب، لم يأتِ ما يدل على الطلب. والله تعالى أعلم. وهذا ليس معنى محرمًا أنك ما تكتوي لا يجوز، لكن تحرم نفسك من هذه الفضيلة، وهو كمال التوحيد، ودخول الجنة بغير حساب ولا عذاب. وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم الشفاء ثلاثة»، وذكر منها: «شرطة محجم»، شرطة محجم: أي وكية نار، وكية نار. بمعنى أن الكي مما يتعالج به، لكن من فعل ذلك يخرج من هذه الفضيلة، يخرج من هذه الفضيلة. وقال: «وقول: ولا يتطيرون». قال: التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، مكانًا وزمانًا. التطير هو التعلق بأسباب في الإقدام أو الإحجام. هذا كان من عادة واعتقادات أهل الجاهلية الباطلة. إذا أراد أحدهم سفرًا أو تجارة أو زواجًا أو نحو ذلك، هيّج طائرًا. فإن ذهب ذات اليمين أقدم على مراده، وإذا ذهب ذات الشمال امتنع عن المضي في مراده. هكذا كان أهل الجاهلية متشائمين بالطير، ولذلك سُمّي التطير نسبة إلى الطير. وإلا فهو من التشاؤم. فقد يكون بطير، وقد يكون بشيء مسموع: صوت طير، أو صوت شيء يتشاؤمون منه، أو شيء معلوم: كالتشاؤم بشهر صفر، أو كذلك بأعرج أو أعمى أو أبرص، أو نحو ذلك. كل هذا من أعمال أهل الجاهلية؛ لأن هذا ينافي كمال التوحيد، وأن العبد يعلق قلبه بالله لا بشيء من هذه المخلوقات وحركات هذه المخلوقات. فهذا هو معنى «لا يتطيرون»، لقوة إيمانهم. وقوله: «وعلى ربهم يتوكلون». هذا عموم بعد خصوص. هذا عموم بعد ماذا؟ بعد خصوص. لأن الثلاثة الأمور التي مضت: الاسترقاء، والاكتواء، والتطير، هي من عدم التوكل على الله. فقوله: «وعلى ربهم يتوكلون»، هذا لفظ عام يشمل عدم التطير، والاسترقاء، والاكتواء. فهو عموم بعد تخصيص، فيجمع هذه الأمور الثلاثة. بماذا؟ التوكل على الله. الذين لا يفعلون ذلك، ما الذي دفعهم، وكذلك منعهم من فعل الأمور الثلاثة المتقدمة؟ هو شدة توكلهم على الله سبحانه وتعالى. قال ابن عثيمين عليه رحمة الله: «ما عدا هذه الثلاثة لا يمنع من دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب». يعني: من اتخاذ الأسباب للنصوص الواردة بالأمر بالتداوي والثناء على بعض الأدوية، كالعسل والحبة السوداء. يعني: إنسان لو مرض وطلب الشفاء، لا بالرقية من غيره، وإنما بطلب العلاج من غيره، هل يدخل في هذا النهي؟ لا، لا يدخل في هذا النهي؛ لأن الحديث اقتصر على هذه الأمور الثلاثة، وليست هذه بمعناها. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا يا عباد الله، فإن الله ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله». فالتداوي بالأمور التي تكون سببًا في علاج بعض الأمراض، خصوصًا كالعسل، والحبة السوداء، وزيت الزيتون، هذه أدوية قرآنية جاء ذكرها في القرآن: العسل، وكذلك زيت الزيتون: «شجرة مباركة»، والحبة السوداء جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك من العلاجات النبوية. قال: «أنواع الأمة». وهذا أخذه من قوله: «ورأيت»، وقيل له: «هذه أمتك، هذه أمتك». فالأمة تنقسم إلى قسمين: أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى قسمين: أمة الإجابة، وأمة الدعوة. فأمة الإجابة: هم الذين استجابوا لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم. فإذا قوله في الحديث: «هذه أمتك»، المراد بها أمة ماذا؟ الإجابة. لا يدخل غير المؤمنين في هذا النوع من أنواع الأمة في أنواع الأمة، وهي أمة الإجابة. وأما أمة الدعوة: فيشمل جميع من يعني وجد أثناء رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المؤمنين ومن الكافرين. فالكافر من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه من أمة الدعوة؛ لأنه داخل تحت دعوة هذا الدين العظيم له. نعم، فهو مطلوب أن يدعى إلى هذا الدين، فلذلك سُميت بأمة الدعوة. وهذا التفريق بين الأمتين مهم جدًا لطالب العلم، يفرق في الألفاظ التي ورد فيها لفظ الأمة بحسب السياق والمعنى. فمثلاً في هذا الحديث: قوله: «فظننت أنهم أمتي»، يريد أمة الإجابة، يريد أمة الإجابة. وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». هذه الأمة المراد بها أمة ماذا؟ من يقول: أمة الدعوة أو الإجابة؟ «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». إذن: من الذي أبى؟ الكافر. فإذن: هو يدخل في اللفظ الأول، يدخل في اللفظ الأول. يعني: كل هذه الأمة، أمة الدعوة، تدخل الجنة إلا من أبى، وهو عدم قبوله لهذه الدعوة. من لم يقبل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ممن وجد في عهده، أو في وجود دعوته بعد موته، فهذا قد أبى دخول الجنة، وأحب أو أصر على دخول النار، على دخول النار. وهكذا تستطيع بهذا التمييز بين أمة الإجابة وأمة الدعوة، تميز بين هذين النوعين مما جاء في كثير من الألفاظ. طيب، نكتفي بهذا؛ لأن في محاضرة اليوم -لعله قد أعلنا عنها في مسجد عبد الرحيم- فنختصر الدروس إن شاء الله حتى يتحرك الباص، الساعة كم؟ خامسة والنصف؟ أو الساعة كم يتحرك الباص؟ الخامسة والنصف إن شاء الله. إلى هنا، والله تعالى أعلى وأعلم. اشتركوا في القناة.