التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 18

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 18

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب

يفصل الدرس الفرق بين هذا الباب والباب السابق، مبيناً اختصاصه بفضيلة من كمل توحيده وبرئ من الشرك الأصغر والبدع والمعاصي. يستعرض ست خصال من آية إبراهيم عليه السلام: كونه أمة قانتاً لله حنيفاً بريئاً من الشرك شاكراً للأنعم.

تحقيق التوحيد باجتناب الشرك واقتداء الصحابة

يبيّن أن الصحابة هم أكمل الناس توحيداً لنزول القرآن عليهم، وأن تحقيق التوحيد يستلزم اجتناب الشرك بمعناه العام الشامل للأكبر والأصغر والبدع والمعاصي مع عدم الإصرار عليها. يستدل بآية التوبة ووصف الصحابة بالرجوع السريع، وبحديث ابن عباس عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب.

مشروعية الرقية الشرعية وضابطها في حديث بريدة

يسرد حواراً علمياً بين التابعيين حسين بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير انتقل فيه الحديث من رؤية كوكب منقض إلى لدغة حسين وطلبه الرقية. يستدل بحديث بريدة مرفوعاً: «لا رقية إلا من عين أو حمة»، مبيناً جواز الرقية من العين الحاسدة ولذغ ذوات السموم.

الفرق اللغوي بين همة مشددة ومخففة في المرض واللسع

يوضح أن "همة" بتشديد الميم تعني ارتفاع حرارة الجسم (الحمى)، بينما "همة" بالتخفيف تشير إلى لدغة ذات سم كالحية أو العقرب. يستشهد بقول سعيد بن جبير: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" تأكيداً على دقة هذا التمييز.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: أخذنا في الدرس الماضي باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. ما مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد؟ نعم، عندكم ما المناسبة؟ نعم، نعم: من باب التشويق. وما الفرق بين هذا الباب والباب الذي قبله: باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب؟ ما الفرق بين البابين؟ كلاهما فيه فضل التوحيد، لكن هناك فرق بينهما، فما هو هذا الفرق؟ عندكم، من يجيب؟ المعنى: الباب الذي قبله فيه فضل التوحيد الذي هو أصل التوحيد، بغض النظر عن تقصير صاحبه في ارتكابه أو وقوعه فيما ينقص التوحيد من البدع والمعاصي ونحو ذلك. وأما هذا الباب فهو فضل من أتى بالتوحيد كاملاً فخلصه من الشرك الأصغر والبدع والمعاصي. هذا هو الفرق. ثم ذكر الدليل الأول، وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. ذكر أن في هذه الآية أن إبراهيم ممن حقق التوحيد بأمور ستة ذكرت في هذه الآية: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ﴾. فما هي هذه الستة؟ هذا موجود في الآية، لا يحتاج تفكير، لكن أنتم والله أعلم تستحون أن أحداً يعني يرفع يده. ما هي هذه الستة؟ تفضل، تفضل. أي أنه كان أمة، ما معنى أمة في هذه الآية؟ إماماً يقتدى به. والإمام الذي يقتدى به الذي حصّل خصال الإمامة من العلم والتقوى والأخلاق والأعمال الصالحة والإيمان. كل كمال من الأعمال والأقوال والأفعال يدخل في معنى الإمام لأنه يقتدى به، فيكون قدوة حسنة لغيره في جميع أبواب الدين، فلا ينال العبد كمال التوحيد إلا بأن يكون إماماً يقتدى به. ثانياً: قانتاً، ما معنى قانتاً؟ دائم الطاعة، مستمر لا ينقطع ولا يفتر. ثالثاً: لله، فيه ماذا؟ الإخلاص، أن يكون مخلصاً لله عز وجل. رابعاً: حنيفاً، وما معنى حنيفاً؟ نعم، مقبلاً إلى الله، مدبراً عن الشرك، مجانباً لكل ما يخالف طاعة الله. خامساً: ولم يكن من المشركين، فيه ماذا؟ البراءة من الشرك وأهله. سادساً: شاكراً لأنعمه، فهو شاكراً بأعظم نعمة أنعم الله عز وجل بها عليه وهي التوحيد. طيب، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الدليل الثاني... هذا الأخ نائم، ما نام في الليل، من هذا النائم؟ قم يا ولد. نعم. قال الدليل الثاني: وقال الذين هم بربهم لا يشركون. هذه الآية جاءت في معرض الثناء على المؤمنين الأولياء الصالحين: ﴿ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾ إلى آخر الآيات. فمن صفات سادات الأولياء، والآية هذه نزلت في حياة الصحابة رضي الله عنهم وفي عصر الصحابة، فأول ما تنطبق عليهم هذه الصفات. هذه قاعدة جليلة: الخطاب في القرآن أول ما يوجه ويعنى به هم الصحابة لأن القرآن نزل عليهم. مثل قول الله عز وجل: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، من هم المؤمنون؟ الصحابة. قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ ﴾، من مراد بآمنتم به؟ من هم هؤلاء؟ الصحابة، لأن القرآن نزل عليهم. وهكذا في ذكر هذه الصفات، أول ما تنطبق على الصحابة لأن القرآن نزل عليهم، فهم سادات الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فلا شك أن الصحابة هم خير من حقق التوحيد وأتى به على وجه التمام والكمال، فمن صفاتهم أنهم بربهم لا يشركون. ويراد بنفي الشرك هنا الشرك بالمعنى الأعم، فيشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر وما ينقص التوحيد من البدع والمعاصي. ولذلك يقول الشيخ ابن عثيمين عند شرحه لهذه الآية: الشرك قال بالمعنى الأعم، بالمعنى الأعم، إذ تحقيق التوحيد لا يكون إلا باجتناب الشرك بالمعنى الأعم. ولكن ليس معنى هذا ألا تقع منهم المعاصي، لأن كل بني آدم خطاء وليس بمعصوم. ولكن إذا عصوا فإنهم يتوبون ولا يستمرون، بمعنى أن التوحيد التام هو الذي يترك صاحبه الشرك والبدع والمعاصي. لكن المراد بترك المعاصي ليس عدم الوقوع فيها، وإنما المراد بترك المعاصي عدم الإصرار عليها والإكثار منها. هذا هو المراد بترك المعاصي، لأن من طبيعة البشر الوقوع في المعصية، فلو قلنا أن التوحيد الكامل لا يتحقق إلا بترك المعاصي لما وجد هذا الوصف في أحد، ما وجد هذا الوصف في أحد، ممن ذا الذي لا يعصي؟ ولكن المراد أن هؤلاء من حققوا التوحيد، وإن وقعوا في بعض المعاصي فإنهم سرعان ما يتوبون ويندمون ويرجعون ولا يصرون، كما قال الله عز وجل في وصفهم: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. فإذا ما وجه مناسبة هذه الآية للباب؟ مناسبة هذه الآية للباب: أن من تحقيق التوحيد ترك الشرك، والمراد بالشرك هنا بمعناه العام، بمعناه العام الذي يشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر والبدع والمعاصي، بشرط عدم الإصرار عليها إن وقع في شيء منها. هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية، ففيه الاقتداء بسادات الأولياء وهم الصحابة، ألا وهو في تركهم للشرك بالله سبحانه وتعالى. قال الدليل الثالث: وعن حسين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال... عن حسين بن عبد الرحمن، عبد الرحمن... أنا قلت: ماذا؟ أنا قلت: موسى، من يشهد لك؟ أنا قلت: حسين، ما أذكرني، قلت: موسى، كأنك غفلت يا خانق. قال: وعن حسين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكنني لدغت. قال: فما صنعت؟ قال: قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قال: قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم». ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «سبقك بها عكاشة». ومعنى هذا الحديث: أنه وقع حوار بين حسين بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير، وهما من التابعين. فقال سعيد بن جبير وعرض سؤالاً في مجلس: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ الكوكب يعني النجم الذي انقض، أي سقط، سقط على الأرض، يعني وقعت حادثة غريبة في ليلة هذا اليوم، في ليلة هذا اليوم، لكن هذه الحادثة وقعت في وقت متأخر من الليل. فقال حسين بن عبد الرحمن: أنا، أنا، أنا رأيت هذا الكوكب لما سقط. ثم من إخلاصه وعدم تشبعه بما لم يعطَ، وحتى لا يظن أنه كان يعني مستيقظاً في صلاة وفي عبادة، نفى هذا الأمر عن نفسه، وقال: أما إني لم أكن في صلاة، يعني مثلاً انقض الساعة الثالثة في الليل مثلاً، فلما تقول: أنا رأيته، يقول: ما شاء الله، هذا كان يصلي وكان مجتهداً في العبادة وفي الطاعة، والأمر ليس كذلك، فهو لم يعني يحب ذلك لأنه يناقض وينافي الإخلاص. فقال: أما إني... مع أنه لم يسأل: هل أنت كنت تصلي ولا تصلي؟ ما سُئل عن هذا، فنفى عن نفسه ذلك، فقال: أما إني لم أكن في صلاة، ولكن لدغت، يعني لدغتني حية أو عقرب، أي شيء من ذوات السموم يسمى ما تؤذي به الإنسان بلدغ، بلدغة. فقال: الذي جعلني مستيقظاً في هذا الوقت المتأخر هو الألم الذي أشعر به، فمنعني من النوم، إني لدغت. فقال سعيد بن جبير لحسين: فما صنعت؟ ما فعلت لما لدغت من ذوات السموم؟ قال: قلت: ارتقيت. ومعنى ارتقيت: يعني طلبت الرقية، طلبت من غيري أن يقرأ علي وأن يرقيني. انظر إلى حوار السلف، هذا كان حوارهم، هو سأل عن أمر دنيوي فدخلوا في أمر ديني علمي، الآن هذه يعني محادثة علمية، محادثة علمية. سأل أولاً عن الكوكب، فلما قال له: لدغت، قال له: ما صنعت؟ ما فعلت؟ قال له: ارتقيت، أي طلبت الرقية من غيري. فقال له سعيد بن جبير: ما حملك على ذلك؟ ما دليلك؟ كان يقول له: ما الدليل على ذلك؟ قال: قلت حديثاً حدثنيه الشعبي. انظر: كانوا يتكلمون بالأدلة، بالأدلة. فقال له: الذي حملني على هذا أني سمعت حديثاً حدثنيه الشعبي عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وما حدثكم؟ ما هو هذا الحديث؟ قال: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: أي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «لا رقية إلا من عين أو حمة». يعني لا أحد يرتقي إلا إذا أصيب بعين، أي نظرة حاسدة، العين هي النظرة الحاسدة، أو حمة، والحمة هي لدغة كل ذات سم، لدغة كل ذات سم تسمى ماذا؟ حمة بتخفيف الميم. أما حمة بتضعيف وتشديد الميم فهي ارتفاع حرارة الجسم، لكن حمة بالتخفيف فيراد بها لدغة كل ذات سم، أي أنه لدغته شيء من تلك الذوات السامة كحية أو عقرب أو نحو ذلك. فقال له سعيد بن جبير: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ومعنى: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، يعني أنت إلى هنا يعني