الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 100، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
افتتح الشيخ الباب ببيان أن نسبة النعمة إلى العمل أو النفس تُعد شركاً في الربوبية، بينما نسبة النعمة إلى الله مع ادعاء الاستحقاق والاستعلاء تُعد إخلالاً بتوحيد الألوهية، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا...﴾.
فُسِّر قول الكافر ﴿هَذَا لِي﴾ عند حصول النعمة بعد الضراء بأنه إسناد الفضل إلى الذات والعمل (شرك في الربوبية) أو ادعاء الاستحقاق بالاستعلاء (شرك في الألوهية)، وفق تفسير مجاهد وابن عباس، وأن هذا التكذيب يستوجب العذاب الغليظ.
بُيّن قول قارون إنه أوتي المال لعلمه، حيث فسره مجاهد وقتادة بنفي فضل الله ونسبته لكسب العبد (شرك في الربوبية)، وذُكر قول آخر بأن المراد علم الله بأهليته مما يتضمن تعالياً وترفعاً يُعد شركاً في توحيد الألوهية.
أجل الشيخ شرح حديث أبي هريرة الطويل إلى الدرس القادم مراعاة لغياب بعض الإخوة ولطول الحديث وما يحتويه من معاني ومسائل، واكتفى بهذا القدر في الدرس الحالي.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلِأُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾". قال مجاهد: "هذا بعملي وأنا محقوق به". وقال ابن عباس رضي الله عنه: "ما يريد من عندي". وقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، قال قتادة: "على علم مني بوجوه المكاسب". وقال آخرون: "على علم من الله أني له أهل". وهذا معنى قول مجاهد: "أُوتيته على شرف". أولا: وجه هذا الباب في كتاب التوحيد أن الإنسان إذا أضاف النعمة إلى عمله وكسبه ففيه نوع من الإشراك بالربوبية؛ لأن هذه النعم هي من الله، فهي من فعل الله عز وجل، فإذا نسبها الإنسان إلى غير الله فهذا فيه شرك. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. فكيف تقول: "هذا بذكائي"، أو "هذا بعملي"، أو "هذا بكسبي"، أو "هذا بخبرتي"، أو "هذا بعلمي"، أو "بشرفي ونسبي"، أو نحو ذلك؟ إذا نسبت هذه النعمة إلى غير الله فهذا فيه شرك في الربوبية. هذا إذا أضافها إلى غير الله. وأما إذا أضافها إلى الله لكنه زعم أنه مستحق لذلك، وأن ما أعطاه الله ليس محض التفضل، بل لأنه أهل، فهذا فيه نوع من التعالي والترفع، فيكون فيه إخلال بجانب الألوهية. واضح هذا الآن؟ فهذا الباب بالآيتين التي ذكرها المؤلف تشمل الأمرين: فقد يضيف الإنسان النعمة إلى غير الله، فهذا شرك في الربوبية. وقد يضيفها إلى الله، يقول: "هي من الله"، ولكن أعطيت هذه النعمة لأني مستحق لها، فهو لا يعتقد أن هذه النعمة تفضل من الله، ولكن يعتقد أنه أهل لهذه النعمة، فهو تعالي وترفع وتكبر على الله عز وجل، إذ جعل هذه النعمة مستحقة له، وأهلًا لها. هذا هو وجه إرادة هذا الباب في كتاب التوحيد. ثم ننتقل إلى الآية وتفسير هذه الآية. فقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾، الضمير هنا يعود على الإنسان، يعني: ولئن أذاق الله عز وجل الإنسان رحمة، يعني نعمة. فالمراد بالإنسان هنا الجنس. يراد بالإنسان هنا الجنس، فيمنع المؤمن من ذلك الإيمان، فالمؤمن لا يقول ذلك، يعني لا ينسب هذه النعمة إلى غير الله. فالمراد بالإنسان هنا غير المؤمن، غير المؤمن يعني الجاحد والكافر لنعمة الله عليه، سواء كان كفرًا دون إيمان، أو كفرًا مع الإيمان، فهو كفر دون كفر، يشمل الأمرين، يشمل الأمرين. وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾، وهنا تكون النعمة أعظم؛ لما تأتي الرحمة، يأتي الفرج، تأتي النعمة بعد شدة، بعد شدة، تكون أعظم من لو كانت هذه النعمة أعطيت الإنسان ابتداءً. صح؟ يعني أنت الآن مثلا عندك ولد، فجاءك ولد آخر، هذا نعمة، ما هي مثل ما يكون عشر سنين ما عندك شي ولد ثم جاءك ولد، تكون النعمة أعظم. صح؟ أو مثلا أنت فقير معدم ما عندك شي مال، فجاء ما شاء الله حصلت مال، حصلت إرث، حصلت عنبر، حصلت ما شاء الله وظيفة طيبة، هذا يكون وقع أعظم. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾، حتى تكون النعمة أعظم. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾. وذكر هنا الشيخ تفسير مجاهد، فقال: "هذا لي يعني بعملي وأنا محقوق به". ومعنى "بعملي" أي بكسبي. "بعملي يعني بكسبي". وقوله: "وأنا محقوق به" أي أنا مستحق له، أنا مستحق له. فهنا فسر مجاهد الآية بالمعنين المتقدمين: فقوله "بعملي" هنا أضافه إلى عمله وكسبه، ففيه نوع من الإشراك في ماذا؟ في الربوبية. وقوله: "وأنا محقوق به" بمعنى أنا مستحق له، فهذا فيه النوع الثاني، وهو ماذا؟ أنه أهل لهذه النعمة، فهو من التعالي والترفع، ففيه إشراك في توحيد ماذا؟ الألوهية. فهذا معنى "هذا لي": إما بعلمي أو بعملي، "وأنا محقوق" يعني مستحق له. وكذلك ما جاء عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال: "يريد من عندي"، يريد من عندي. ما معنى "من عندي"؟ يعني من حذقي وتصرفي، وليس من عند الله. فتفسير ابن عباس يشمل النوع الأول، وهو ما فيه إشراك في توحيد ماذا؟ الربوبية، في توحيد الربوبية. فهذا معنى قولي: "هذا لي". وأما قول: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، الظن هنا بمعنى الشك ورجحان، يعني الظن على اليقين والعلم، فيقول: ما أظن أن الساعة ستقوم وسأحاسب. ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، يعني سأجد ما هو أحسن مما أنا فيه في هذه الدنيا. فبيّن الله عز وجل كذب هؤلاء، وأن من قال ذلك استحق عقوبة الله، فقال: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلِأُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. ووجه الشاهد من الآية ظاهر في قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾، فنسب النعمة إلى غير الله، أو نسبها إلى الله ولكن قال إنه أهل لهذه النعمة، ففيه نوع من التعالي والترفع. وعرفنا تفسير ابن عباس ومجاهد لمعنى قوله: "هذا لي". قال: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾. من قال هذا؟ قارون. لما نُصح وقيل له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾، قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾. قال قتادة: "على علم مني بوجوه المكاسب". هكذا فسر مجاهد. ومعنى قول مجاهد: أي لا فضل لأحد علي فيما أوتيته. هذا معنى: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، يعني نفى نعمة الله عز وجل عليه، وأن هذا إنما أعطيه بعلمه. فلذلك معنى قول قتادة: "لا فضل لأحد علي فيما أوتيته، وإنما الفضل لي، الفضل لي". فيكون بذلك يعني منكرًا لنعمة الله عز وجل عليه، وأنه أهل ومستحق لهذه النعمة. فهذا أنكر أن يكون لله فضل عليه، أنكر أن يكون لله فضل عليه، وقال: "إنما أوتيته على علم عندي"، وكأنه هو الذي له فضل على الله، وليس الله له فضل عليه. فكل ما يؤتى العبد إنما هو بفضل الله، إنما هو برحمة الله، وليس بذكاء ولا بعلم ولا بمهارة هذا الإنسان. وإن كان عنده علم وعنده مهارة، فمن الذي أعطاه هذا العلم؟ ومن الذي أعطاه هذه المهارة؟ فيرجع الأمر من قبل ومن بعد لله سبحانه وتعالى. كيف ينسب ذلك إلى علمه أو إلى خبرته أو نحو ذلك؟ وقال آخرون عن المفسرين في معنى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾: "على علم من الله أني له أهل". هكذا يعني ذكر بعض أهل العلم. فمعنى التفسير الأول: "على علم منه بوجوه المكاسب"، فيه ماذا؟ نوع من الإشراك في ماذا؟ في الربوبية؛ لأنه نسب هذه النعمة إلى غير الله. وعلى قول الآخرين فيه إشراك في ماذا؟ في توحيد الألوهية؛ لأنه نسب هذا إلى الله، قال: "على علم من الله أني له أهل"، ففيه نوع من التعالي والترفع. واضح هذا الآن؟ فيشمل المعنيين. قال: "وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف". ومعنى "على شرف" يعني بسبب شرف ونسبي وعلوم منزلتي، فأنا أوتيت هذا على شرف. وهذا معنى قول مجاهد، معنى قول مجاهد المتقدم. فهذا هو معنى تلك الآيات التي ذكرها، وفيها ما أراد المؤلف: أن العبد إذا أضاف النعمة إلى عمله وكسبه ففيه نوع من الإشراك في الربوبية، وإذا أضافها إلى الله لكنه زعم أنه مستحق لذلك ففيه نوع من الشرك في توحيد الألوهية؛ لأن هذا فيه التعالي والترفع. وذكر حديث أبي هريرة، لكنه حديث طويل، ونظرًا لتخلّف بعض الإخوة، فإن شاء الله نؤجل هذا الحديث في الدرس القادم حتى لا نحرم الإخوة، وكذلك لطول هذا الحديث وما فيه من المعاني والمسائل، فإن شاء الله نؤخره إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.