شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 67

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 67

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 67، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مراتب المدلسين الثلاث الأولى عند العلائي وابن حجر

يشرح المقطع تقسيم الحافظ صلاح الدين العلائي - وتبعه ابن حجر - المدلسين إلى خمس مراتب، مبيناً أول ثلاث مراتب: من نادراً ما يدلس ولا يُعد فيهم، ومن احتمل أئمة تدليسه لقلة تدليسه وإمامته، ومن أكثر التدليس فلم يُحتج بحديثه إلا بتصريح السماع، مع أمثلة لكل مرتبة كسفيان الثوري وأبي الزبير المكي.

تدليس أبي الزبير المكي وروايته عن جابر عبر صحيفة سليمان اليشكري

يناقش المقطع سبب تدليس أبي الزبير المكي في روايته عن جابر، موضحاً أنه كان يروي من صحيفة سليمان اليشكري التي انتقلت إلى زوجته بعد وفاته، فاختلف العلماء في الحكم على روايته، ويرجح النص ثقة أبي الزبير وقبول الجمهور لرواياته وهو ما اعتمد عليه الإمام مسلم في صحيحه.

المرتبة الرابعة من التدليس وأحكام الاحتجاج بالرواة المكثري التدليس

يشرح المقطع المرتبة الرابعة وهم من اتفق الأئمة على عدم الاحتجاج بحديثهم إلا بتصريح السماع لكثرة تدليسهم عن الضعفاء، مثل بقية بن الوليد وإسماعيل بن عياش، مع استثناء من أكثر عنهم.

المرتبة الخامسة من التدليس وضعف رواية الراوي عن أبي سعيد الخدري

يبيّن المقطع المرتبة الخامسة وهم من ضعفوا لغير التدليس فرد حديثهم حتى مع التصريح، مع ذكر أمثلة كعبد الله بن لهيعة وحجاج بن أرطأة، ويختتم بضعف رواية راوٍ عن الصحابي أبي سعيد الخدري وعدم قبولها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: من ضوابط التدليس: أولاً، قسم الحافظ صلاح الدين العلائي المدلسين إلى خمس مراتب. والعلائي له كتاب وهو «جامع التحصيل في رواة المراسيل»، وقسم التدليس إلى خمس مراتب. وتبعه أيضاً الإمام الحافظ ابن حجر في «تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس». ألف الحافظ ابن حجر «تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس»، وألف أيضاً بعض المعاصرين ك الشيخ محمد آدم منظومة في هذه الأقسام الخمسة. قالوا: فائدة ذلك التقسيم الحكم على حديث كل مدلس إذا لم يصرح بالسماع بما يختص بمرتبته من أحكام. وتلك المراتب: المرتبة الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً جداً، بحيث لا ينبغي أن يعدّ فيهم، مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة. وبعضهم يدخل أيضاً سفيان الثوري، وبعضهم يجعله في المرتبة الثانية. قال: المرتبة الثانية: من احتمل أئمة تدليسه، وخرجوا له في الصحيح وإن لم يصرح بالسماع، وذلك لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، مثل سفيان الثوري. وكان يدلس حتى عنه الضعفاء، كان يدلس حتى عنه الضعفاء، لكنه قليل التدليس بالنسبة إلى ما أسنده؛ فأكثر شيء كان يسند، لكن يدلس أحياناً. فلهذا احتملوا تدليسه. قالوا: كان لا يدلس إلا عن ثقة، مثل سفيان بن عيينة. أن سفيان بن عيينة ما عرف عنه التدليس عن الضعفاء، وإنما كان يدلس عن الثقات. قال: المرتبة الثالثة: من أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة بشيء من حديثه إلا بما صرحوا فيه بالسماع. ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبله مطلقاً. قال: مثل أبي الزبير محمد بن مسلم المكي. وأبو الزبير اختلفوا في تدليسه: هل هو يدلس أو لا يدلس؟ وذكره أكثر من واحد بالتدليس. وذكره الحاكم أبو عبد الله فيمن لا يدلس، لما ذكر أهل مكة أنهم لا يدلسون، فذكر رواية أبي الزبير. وهذا شيء عجيب؛ أكثر الشيوخ كالبخاري وغيره يذكرون أنه يدلس، لكن لم يذكر عن الأئمة كأحمد وغيره أن أبا الزبير يدلس. والأصل أن فيه إشكالاً؛ لأنه قد جاء، قد أخرج الإمام ابن أبي حاتم وغيره عن الليث بن سعد أنه قال: جئت إلى أبي الزبير، فقلت: أعطني كتابك الذي كتبته عن جابر. وقال: خذ. قال الليث: فلما رأيته، قلت: أكل ذلك سمعته من جابر؟ قال: لا، منه ما سمعته، ومنه ما لم أسمع. منه ما سمعت، ومنه ما لم أسمع. فقال الليث: فقلت له: شر لي عن الذي سمعته، أنا أشر على الذي سمعته، أشر عليه، والذي لم تسمعه أنا لا أؤشر. فقال: فأشر لي على ما سمع. فهذه القصة حملها كثير من أهل العلم على أن الذي لم يسمعه أبو الزبير أي أنه دلسه، وإلا كيف لم يسمعه ويكتبه في كتابه؟ وقال بعضهم: إن أبا الزبير كان يكتب من كتاب سليمان اليشكري، سليمان بن قيس اليشكري. وكان سليمان بن قيس يكتب الحديث عند جابر بن عبد الله، وكان هؤلاء أبو الزبير وغيره لا يكتبون. ثم إن اليشكري توفي، وبقيت كتبه عند زوجته، فلذا استعان كثير من العلماء بهذه الصحيفة، صحيفة سليمان اليشكري، ورووا منها، خاصة أهل البصرة كقتادة وغيره، وأخذ منها أيضاً أهل مكة؛ لأن سليمان اليشكري كان في مكة. ولهذا أخذها أبو الزبير، وأخذها أيضاً أبو السفيان طلحة بن نافع، أبو السفيان طلحة بن نافع المكي أيضاً، أخذ هذه الصحيفة وروى منها. وكان قتادة يقول: مَعنَى لما قرأ سورة البقرة عند بعض تلاميذي، قرأها ولم يخطئ في حرف واحد. مَعنَى في سورة البقرة، ثم قال قتادة: ولأنا أحفظ لصحيفة اليشكري، مَعنَى أحفظ من سورة البقرة. يقول: إنه يحفظ صحيفة اليشكري أكثر مما يحفظ سورة البقرة، وأنه لا يخطئ فيها. بل أن بعض أهل البصرة تزوج هذه المرأة لأجل هذه الصحيفة. استعان بها كثير من أهل البصرة، وأما أهل مكة فأخذ منها بعضهم كما قلنا: أبو الزبير، وكذلك أبو سفيان طلحة بن نافع وغيره. فالآن: من رأى أن أبا الزبير إذا روى حديثاً لم يسمعه من جابر إنما رواه من صحيفة اليشكري، رأى أنه لا يدلس. ومن رأى أن الأمر ليس واضحاً، وليس كل ما لم يسمعه أبو الزبير أنه من صحيفة اليشكري، فجعله مدلساً. فلذا عليه أكثر المتأخرين أن أبا الزبير مدلس، أن أبا الزبير محمد بن مسلم المكي مدلس، وتدليسه يعتبر من المرتبة الثالثة التي لا يحتج بتدليسه إلا بما صرحوا فيه بالسماع. فلهذا الشيخ الألباني رحمه الله أخذ بهذا القول. الشيخ الألباني عنده أن رواية أبي الزبير منقطعة، يعني مدلسة عن جابر. رواية أبي الزبير عن جابر تعتبر عنده مدلسة، ولا يقبلها إلا إن كانت من طريق الليث، ولا يقبلها إلا ما كانت من طريق الليث عن أبي الزبير. وأما أبو حاتم فإنه لا يقبل رواية أبي الزبير عن جابر مطلقاً. وهذا كلام باطل؛ فأبو الزبير ثقة، وإن كان تكلم فيه شعبة شيئاً يسيراً، لكن العلماء لم يقبلوا قول شعبة فيه. ولهذا قول جمهور المحدثين على أن أبا الزبير تقبل روايته. وهذا الذي مشى عليه الإمام مسلم. أما البخاري فلم يخرج شيئاً من روايته عن أبي الزبير، يعني رواية جابر عن أبي الزبير. لكن مسلم أكثر منها. ولهذا تجد أن الشيخ الألباني قد ضعف حديثاً صحيح مسلم بسبب رواية أبي الزبير عن جابر. لكن الذي مشى عليه العلماء أن الأصل فيه رواية أبي الزبير عن جابر أنها مقبولة، أنها مقبولة ما لم تعرف أنها مدلسة. فإذا عرفت أنها مدلسة لم تقبل، وإلا الأصل القبول، خاصة إذا كانت في الصحيح، إذا كانت في الصحيح. طيب. قال: المرتبة الرابعة: من اتفق الأئمة على أنه لا يحتج بشيء من أحاديثه إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسه عن الضعفاء والمجهولين، مثل بقية بن الوليد. وهذا مثل كثير من أهل الشام: بقية بن الوليد، وكذلك إسماعيل بن عياش، وغيرهم ممن اشتهر بالتدليس من أهل الشام ومن غيرهم. لأن أهل الشام اشتهروا بالتدليس. ولهذا لما ذكر الحاكم أكثر الناس تدليساً ذكر أهل الشام، ثم أهل مصر، ثم أهل الكوفة، ثم أهل الحجاز. قال: أهل الحجاز واليمن لا يكاد يكون فيهم تدليس. فالتدليس في أهل اليمن وأهل الحجاز قليل جداً، بخلاف أهل الشام ومصر، وكذلك أهل الكوفة أو أهل العراق عامة؛ لأن أهل العراق يعني البصرة وبغداد والكوفة. لكن أهل الكوفة أكثر تدليساً من أهل البصرة وأهل بغداد. فهؤلاء: من اتفق الأئمة على أنه لا يحتج بشيء من حديثه إلا بما صرح به. وبقية بن الوليد لا يحتج بحديثه إذا روى بالعنعنة، إلا أن بعض العلماء استثنى روايته عن بعض مشايخه الذين أكثر عنهم، كبحير بن سعد، وأيضاً بحير بن سعد، وكذلك أيضاً إسماعيل بن عياش، وجماعة من هؤلاء الذين أكثر عنهم. إذا كان قد أكثر عنه قبلوا حديثه، قبلوا حديثه وإن كان يروي بالعنعنة؛ لأنه أكثر عنهم: بحير بن سعد، وضمرة بن حبيب. قال: المرتبة الخامسة: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس، فحديثه مردود ولو صرحوا بالسماع، إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيراً، مثل عبد الله بن لهيعة، وحجاج بن أرطأة، أو لا أكثر، أو كثروا في التدليس حتى صار حديثهم، أو حتى اتهموا بالضعف، أو جرحوا من قبل الأئمة لكثرة تدليسه. مثل كما قلنا: حجاج بن أرطأة، وكذلك أيضاً المثنى بن الصباح. هؤلاء غالباً ما يدلسون وهم ضعفاء. وكذلك هل هذا تضعيفهم بسبب التدليس أو بسبب آخر؟ قد يكون بسبب التدليس لكثرتهم، أو أيضاً عندهم سوء حفظ، يعني يخبطون في الأحاديث. يدلس أيضاً عطاء العوفي، أيضاً كان يدلس تدليساً شديداً، حتى أنه كان يقول: حدثني أبو سعيد، وهو يقصد أبا سعيد من الكلب، محمد بن السائب الكلب، ولا يقصد أبا سعيد الخدري، مع أنه سمع من أبي سعيد الخدري. فلهذا تجنب العلماء حديثه. أن هذا شيء خطير، لكن كان يفعل ذلك في التفسير. ولهذا لم يثق العلماء بحديثه عن أبي سعيد. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا.