شرح الجوهرة الفريدة 95

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 95، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أحكام النهي في العبادات والمعاملات

تناول المقطع شرح قاعدة النهي واقتضائها للفساد في العبادات والمعاملات، مع توضيح آراء مختلف المذاهب الفقهية حول ذلك. واستعرض آراء الشافعية والحنفية والظاهرية في هذا السياق.

حكم العبادات والمعاملات عند وجود النهي

يتناول المقطع حكم العبادات والمعاملات إذا كان هناك نهي عنها، ويشرح أن النهي إذا عاد إلى وصف غير ملازم لا يقتضي الفساد. وقدم أمثلة على ذلك مثل الحج بمال حرام والصلاة بماء مسروق.

تطبيقات على المعاملات المنهي عنها

يتناول المقطع حكم المعاملات التي نهى عنها الشرع مثل تلقي الركبان والنجش والخطبة على خطبة أخيه. ويبين أن الأصل في هذه المعاملات أنها صحيحة مع وجود الإثم.

ختام الدرس وتأجيل الموضوع

المقطع يشير إلى انتهاء الوقت المخصص للدرس ويعلن عن استكمال الموضوع في الدرس التالي. واختتم الدعاء للصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم، ما بعد. فقد كان آخر الكلام في الدرس الماضي في مبحث النهي، وآخر ما ذكرنا قاعدة النهي يقتضي الفساد، وأنه إذا عاد إلى ذات المنهي عنه أو إلى ركنه أو إلى شرطه أو إلى وصفه الملازم، فإن النهي حينئذ يقتضي الفساد، هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، خلافًا لرواية عن إمام محمد رحمه الله، ومذهب الظاهرية. فعندهم النهي يقتضي الفساد مطلقًا، سواء عاد إلى ذاته أو ركنه أو شرطه أو وصفه الملازم أو وصفه غير الملازم. وكلامهم هذا مثل كلام الشافعية، إلا أنهم جعلوا النهي كذلك يقتضي الفساد ولو كان عائدًا إلى وصف غير ملازم، وهذا ليس بصحيح. بل إذا عاد النهي إلى وصف غير ملازم فإنه لا يقتضي الفساد. وخلافًا للحنفية الذين يجعلون النهي إذا عاد إلى وصف ملازم لا يقتضي الفساد، والصحيح أنه يقتضي الفساد. ذكرنا أمثلة في الدرس الماضي على النهي إذا عاد إلى ذات المنهي عنه يقتضي الفساد في العبادات، كصلاة الحائض والصيام للحائض، وفي المعاملات كبيع الميتة وبيع الخمر والأصنام. وذكرنا مثالًا لأن النهي إذا عاد إلى ركنه وهو يقتضي الفساد، ذكرنا مثالًا في العبادات فيما يتعلق بالصلاة قاعدًا صلاة الفريضة من المستطيع، وكذلك ترك ركن من أركان الصلاة كمن صلى من غير اطمئنان، وكمن صلى وترك تكبيرة الإحرام، هذه الصلاة فاسدة باطلة لأنه ترك ركنًا، فعاد النهي إلى ركنه فكان فاسدًا. وذكرنا مثالًا لأن النهي إذا عاد إلى شرطه أو إلى ركنه أولًا في المعاملات كبيع ما لا يملك. وذكرنا مثالًا للنهي إذا عاد إلى شرطه في العبادات كمن صلى بغير طهارة، ومثالًا لأن النهي يقتضي الفساد إذا عاد لشرطه في المعاملات كالنكاح بلا ولي، لا نكاح إلا بولي. وذكرنا مثالًا لأن النهي يقتضي الفساد إذا عاد إلى وصفه الملازم في العبادات كالصيام يومي العيدين الفطر والأضحى. وذكرنا مثالًا لأن النهي العائد إلى الوصف الملازم يقتضي الفساد في المعاملات كبيع الذهب بالذهب متفاضلًا، فإنه كذلك يقتضي الفساد خلافًا للحنفية الذين يجوزون العقد ويمنعون الزيادة، والصواب أن العقد فاسد من أصله لا ينعقد. ورواية الإمام أحمد ومذهب الظاهرية كذلك يجعلون النهي يقتضي الفساد إذا عاد إلى وصف غير ملازم، وهذا ليس بصواب. والصحيح مذهب الجمهور ومذهب الشافعية كذلك، ورواية الإمام أحمد وغيرهم، أن النهي إذا عاد إلى وصف غير ملازم فإنه لا يقتضي الفساد. مثال ذلك رجل صلى بثوب حرير، لبس قميصًا من الحرير وصلى عليه، ما حكم هذه الصلاة؟ الصلاة صحيحة وهو آثم. رواية إمام أحمد ومذهب الظاهرية أن الصلاة فاسدة باطلة غير صحيحة، لأنهم عندهم أن النهي يقتضي الفساد كذلك ولو عاد إلى وصف غير ملازم. فالنبي صلى بثوب حرير أثناء الصلاة وصف غير ملازم عند الظاهرية ورواية إمام أحمد، يقولون كذلك يقتضي الفساد. والصريح مذهب الشافعية ومذهب الجمهور أن الصلاة صحيحة وهو آثم، الذي صلى بثوب حرير هو آثم لِلبسه الحرير، لأن الحرير منهي عنه محرم على الذكور إلا ما استثني. فإذا صلى على عمامة حرير أو ثوب حرير فصلاته صحيحة على الصحيح وعلى الراجح، لكنه آثم. شخص صلى في أرض مغصوبة، سرق أرضًا اغتصب أرضًا قطعة أرض مغصوبة ليست له اغتصبها على فلان من الناس هذه القطعة الأرض وهو يصلي فيها، ما حكم صلاة هذا الرجل في هذه الأرض المغصوبة؟ رواية عن إمام محمد ومذهب الظاهرية أن الصلاة فاسدة لا تصح. ومذهب الشافعية وهو الصواب الراجح أن الصلاة صحيحة وهو آثم لغصبه الأرض، لأن النهي إذا عاد إلى وصف غير ملازم لا يقتضي الفساد. إنسان ذهب إلى الحج بمال مسروق، سرق مالًا وذهب إلى الحج يحج أو يعتمر، ما حكم هذا الحج؟ رواية إمام محمد ومذهب الظاهرية أن الحج فاسد، الحج فاسد غير صحيح لأنه حج بمال حرام، لباسه الذي يلبسه حرام فالحج فاسد باطل. والصحيح أن الحج صحيح، الصحيح أن من حج بمال حرام مسروق أو بثياب مسروقة الحج صحيح وهو آثم، لأن النهي لا يقتضي الفساد إذا عاد لوصف غير ملازم، ولباس الإحرام وصف غير ملازم والمال وصف غير ملازم فالحج صحيح والعمرة صحيحة وهو آثم. أما رواية إمام محمد ومذهب كثير من الحنابلة أن الحج حرام، أن الحج فاسد عليه إذن وحرام. حجه فاسد ولذلك يقولون: إذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجت العير. وهذا ليس صحيحًا، بل الحج صحيح أنه حج نعم، ولكن هو آثم لأن النهي عاد إلى وصف غير ملازم. وهكذا مثل لو توضأ بماء مسروق، سرق ماء وتوضأ به وصلّى، الماء الذي توضأ به مسروق، ما حكم الصلاة؟ يقول إمام محمد ومذهب الظاهرية الصلاة فاسدة باطلة. ومذهب الشافعية وهو الراجح الصلاة صحيحة وهو آثم لأن النهي عاد إلى وصف غير ملازم. هذا الضابط كل نهي عاد إلى وصف غير ملازم فإنه لا يقتضي الفساد. نذكر أمثلة في المعاملات التي فيها النهي عاد إلى وصف غير ملازم ويصح البيع وينعقد ولكن صاحبه آثم. مثال ذلك رجل اشترى وباع بعد النداء يوم الجمعة، المؤذن يؤذن الله أكبر الله أكبر وبعد الأذان سيد صعد الخطيب، وعندنا أذان واحد ومن عندهم أذانان يقولون البيع بعد النداء الثاني. فإذا باع شخص مثلًا المؤذن يؤذن في المسجد يوم الجمعة الله أكبر الله أكبر وهذا اشترى قميصًا أو دجاجة ليوم الجمعة للغداء، ما حكم هذا البيع؟ هل هو صحيح أو فاسد؟ رواية لإمام محمد ومذهب الظاهرية أن هذا البيع فاسد باطل لا ينعقد وصاحبه آثم. ومذهب الشافعي على الصحيح أن البيع صحيح. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ نهى ربنا جل وعلا عن البيع بعد النداء، فإذا البيع بعد النداء منهي عنه في الشرع، لكن الإمام أحمد رحمه الله يجعل هذا النهي يقتضي الفساد ولو عاد إلى وصف غير ملازم، والظاهرية كذلك. لكن الشافعي وجماهير أهل العلم يقولون لنا النهي إنما عاد لوصف غير ملازم إلى وصف غير ملازم وهو البيع في هذا الوقت. والصحيح في هذا أن البيع صحيح، البيع صحيح ليس بباطل وانعقد لكن صاحبه آثم. وينتبه في هذه المسألة الخلاف فيها قوي، الخلاف خاصة في هذه المسألة البيع بعد نداء الجمعة دقيق فيه هل هو من النوع الذي هو النهي عاد إلى وصف ملازم أو إلى وصف غير ملازم. حتى ممن قال بأن النهي إذا عاد إلى وصف غير ملازم لا يقتضي الفساد قال في هذه الصورة وصف ملازم، جعل هذه الصورة من العائد إلى الوصف الملازم. فلذلك الأحوط أن لا يبع ولا يشتري بعد نداء الجمعة. «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان»، إذا تلقى الركبان جاء النهي عنه في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. طيب شخص تلقى الركبان جلس في طرف المدينة فلما جاء الركبان اشترى منهم، تلقي الركبان منهي عنه ما حكم هذا البيع؟ هذا الذي اشترى وتلقى الركبان واشترى منهم ما حكم بيعه؟ هل هو صحيح فاسد؟ ما ذهب الظاهرية ورواية لإمام أحمد أن البيع فاسد لا يصح ولا ينعقد، لماذا؟ لأن تلقي الركبان منهي عنه والنهي عندهم يقتضي الفساد مطلقًا ولو عاد إلى وصف غير ملازم. ومذهب الشافعي وجماهير أهل العلم هو الصحيح أن البيع صحيح، من تلقى الركبان واشترى منه هذا البيع صحيح وهذا الشراء صحيح وهو آثم وصاحبه بالخيار إذا وصل السوق إذا وصل السوق وجد الناس يشترون هذه السلعة بكذا وهو قد باع لفلان الذي تلقاه في الطريق بكذا فهو بالخيار يمضي ذلك البيع أو يفسخه. فالبيع صحيح وانعقد والأمر له، لكن عند الإمام محمد رواية ومثل الظاهرية أنه لم ينعقد أصلا. والصحيح أن النهي عن تلقي الركبان نهي عن وصف غير ملازم وليس هو نهي عن وصف ملازم، والنهي إذا عاد إلى وصف غير ملازم لا يقتضي الفساد على الصحيح. «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه»، زيد من الناس خطب عند آل فلان، زيد من الناس خطب عند البيت الفلاني، علم الشخص أن فلان تقدم عند أولئك فذهب يخطب عندهم على خطبة أخيه، وفي حديث ابن عمر في البخاري «نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يخطب الرجل على خطبة أخيه»، ما حكم هذه الخطبة إذا تم النكاح؟ نعم ما حكم النكاح إذا جاء ذلك يقول هذا كيف أنتم زوجتم فلانا؟ خطب عندكم وزوجتم وعقدتم النكاح خطب على خطبتي أنا خطبت قبله هذا ما يصلح أبطل النكاح هذا أبطل النكاح ورد البنت إلى البيت وهي لي لا يصح هذا النكاح. الصحيح في هذا أن النكاح صحيح لأن النهي عاد إلى وصف غير ملازم، فالنكاح صحيح، النكاح صحيح هو آثم هذا الذي خطب على خطبة أخيه هو آثم. وأما النكاح فالصحيح أنه صحيح. وهكذا يقول في بيع النجش، نعم «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش»، النجش هو أن يرفع الشخص السلعة لا يريد شراء هذه السلعة لكن يريد رفع هذه السلعة حتى تباع بثمن زائد لصاحبه فيدخل في المزاد يقول بكذا وبكذا نعم ثم حصل ذلك البيع لفلان من الناس حصل فيه نجش. «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش»، ما حكم هذا البيع الذي حصل به نجش؟ الصحيح صحة البيع لأن النهي عن النجش هو نهي عن وصف غير ملازم، ليس عن البيع نفسه وإنما عن وصف مجاور وعن وصف غير ملازم للبيع، فهذا أيضا لا يقتضي الفساد. فهذا الضابط متى أنه يقتضي الفساد ومتى لا يقتضي الفساد، وصف أنه يقتضي الفساد إذا عاد إلى ذاته أو إلى ركنه أو إلى شرطه أو إلى وصفه الملازم. هذه القاعدة ذكرها الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى وذكرها كذلك الشوكاني رحمه الله تعالى. لكن بين أهل العلم ونبه أهل العلم على تنبيه مهم، وهي أن هذه القاعدة قد لا تضطرد، أن هذه القاعدة أنه يقتضي الفساد إذا عاد إلى ذاته إلى ركنه إلى شرطه إلى وصفه الملازم قد لا تضطرد في بعض الأحوال، فلابد من السير مع الدليل، فلابد من السير مع الدليل لأنها قاعدة هي قاعدة ليست آية نعم وليست حديثًا وإنما هي قاعدة. فإذا كانت قاعدة قد يدخلها شيء من عدم اضطرادها، فلذلك الدليل مقدم، لا نقول الدليل نرد الدليل، الدليل يدل على عدم الفساد في صورة من الصور مثلا نص عندنا، هل نقدم القاعدة؟ نقول القاعدة عندنا يقتضي الفساد، وهذا حديث يدل على أنه لا يقتضي، لا هي قاعدة أغلبية نعم لكن قد لا تضطرد بعض الصور في العبادات أو في المعاملات، فحينئذ ينتبه لهذا. انتهى الوقت ونكمل في المباح في درسنا اللاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم مبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.