الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 63، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
النفاق نوعان: أكبر وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وأصغر وهو خلف الوعد أو الغدر بالعهود. النفاق الأكبر كان يمارسه المنافقون في عهد النبي.
النفاق الأكبر يتضمن السخرية بشعائر الله وسنة الرسول، وبغض ما جاء به النبي، والفرح بانخفاض دين الرسول. كما يشمل الرياء الأكبر بأن تكون العبادات كلها للرياء.
النفاق الأصغر يشمل خلف الوعد، الفجور في الخصومة، الغدر في العهد، والكذب في الحديث. كما يشمل إشاعة الفتنة بين المسلمين والتلون في الكلام حسب الموقف.
الرياء يعتبر من الشرك الأصغر وأعظم من الكبائر، وقد لا يغفر لصاحبه. هناك خلاف بين العلماء حول مغفرته، ويحمل خطورة كبيرة لأنه قد لا يدخل تحت المشيئة الإلهية للمغفرة.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ونوالهما. بعد، فقد كان آخر الكلام عند قول الناظم -رحمه الله تعالى- «والفسق في وص إبليس اللعين أتى، وقاذف ما عن الإسلام يبتعد». ثم قال -رحمه الله تعالى- «كذا النفاق أتى في الكفر أطبحه، وجاء في وص ذي خلف لما يعد، أو خاصم فجر، أو عاهد غدر، والخائنين، ومن إن حدثوا فندوا». بعد أن ذكر -رحمه الله تعالى- الفسق، وأنه على نوعين: فسق أكبر كفسق إبليس، وفسق أصغر كالقدف، وقد ذكرنا أنواعًا للفسق الأكبر والفسق الأصغر، ذكر بعد ذلك -رحمه الله- النفاق، وكذلك أنه يأتي على نوعين: نفاق أكبر، ونفاق أصغر. قال -رحمه الله- «كذا النفاق أتى في الكفر أقبحه»، هذا النفاق الأكبر، «وجاء في وص ذي خلف لما يعد»، وهذا في النفاق الأصغر. النفاق الأكبر كانفاق المنافقين في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، هذا هو النفاق الأكبر، فكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فإظهار الإسلام وإبطان الكفر هذا نفاق أكبر، وهو الذي كان عليه المنافقون على عهد رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يفعلون ذلك وقاية لهم، حماية لأموالهم ودمائهم، كما قال جل وعلا ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، اتخذوا أيمانهم جنة، بمعنى وقاية، يقون بها أموالهم ودماءهم بإظهار هذا الإيمان، وهم قد أبطنوا الكفر، فهذا النفاق الأكبر. ومن صوره أي النفاق الأكبر: السخرية والاستهزاء بشيء من دين الله جل وعلا، هذا من النفاق الأكبر، لأنه لا يمكن لمسلم عرف دين الإسلام وعرف شعائر الإسلام أن يسخر بشيء منها أو يستهزئ بشيء منها، فإنما ذلك يصدر من المنافقين. أما من علم أن هذا من شعائر الإسلام من دين الإسلام، كيف يسخر منه بعد ذلك ويستهزئ به، إلا إن كان جاهلًا، هناك في أهل الإسلام جهال، جاهل ربما يسخر بشيء أو يستهزئ بشيء وهو من دين الله، لكنه جاهل يجهل أن هذا من شرع الله، وأن هذه عبادة، وأن هذه طاعة، وأن هذه شعيرة، ربما يسخر، لكن بسبب جهله. كيف إذا صدر هذا من المتعلم، من علم أن هذه طاعة وهذه عبادة وهذه شعيرة من شعائر الإسلام، ثم يسخر بها أو يستهزئ بها؟ هل يمكن أن يصدر ذلك من مسلم؟ لا يمكن، إنما يصدر من منافق. ولذلك لما قال أولئك النفر -كما جاء في حديث ابن عمر- حين خرج النبي -عليه الصلاة والسلام- ومن معه من الصحابة في غزوة تبوك، قال رجل: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء»، يريد رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه، فقال له الصحابي: «كذبت، إنما أنت منافق، كذبت، إنما أنت منافق»، حكم عليه بالنفاق حين قال هذه الكلمات التي فيها السخرية. لماذا؟ لأن هذا لا يقوله مسلم علم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وفضله وحقه، والواجب الذي له على الأمة، وعلم كذلك مكانة أصحابه -رضي الله تعالى عنهم-، وعلم شعائر الإسلام، يقول هذا الكلام، لا يصدر إلا من منافق. فاستفاد أهل العلم من هذا أن السخرية والاستهزاء بشيء من شعائر الله، وبسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أو بشيء منها، هذا من النفاق الأكبر، ما دام أن قائله لا يجهل، بل هو يعلم أن هذا من شرع الله جل وعلا. ومن صور النفاق الأكبر: بغض شيء مما جاء به النبي -عليه الصلاة والسلام-، كراهة ذلك، إذا أبغض الإنسان الحدود الشرعية، أبغض حد السرقة وهو قطع اليد، أبغض القتل يعني قصاصًا، أبغض رجم الزاني المحصن، إذا أبغض هذه الحدود الشرعية وأكرهها، فهذا نفاق أكبر، لا يبغض ولا يكره المسلم الحدود الشرعية التي علم أن الله جل وعلا هو الذي أمر بها، وإنما يبغضها ويكرهها من كان منافقًا، النفاق الأكبر. وهناك أيضًا من صور النفاق الأكبر: الفرح بانخفاض دين الرسول -عليه الصلاة والسلام-، مثلًا إن خفض دين الرسول -عليه الصلاة والسلام- بمعنى لم يكن ظاهرًا، لم يكن ظاهرة الشعائر الإسلامية، إقامة الحدود الشرعية ليست ظاهرة، إقامة شعائر الإسلام من الأذان والصلاة، والصلاة جماعة ظاهرة في مساجد الله، الدين غير ظاهر، منخفض، من يفرح بذلك فهو قد وقع في النفاق الأكبر، لأنه لا يفرح بذلك إلا منافق نفاقًا أكبر. والرياء الأكبر: حيث يعمل العبد العبادة، ولا يريد بها وجه الله أبدًا مطلقًا، هذا لا يمكن أن يتصور من مسلم، تكون جميع عباداته رياء، إذا صلى صلى رياء، وإذا صام صام رياء، وإذا فعل أي عبادة فعلها رياء، ومعنى أن ما يفعل ذلك مماشاة للناس، غير متعبد بذلك لله جل وعلا، روتين، فهذا رياء أكبر، لا يمكن أن يصدر من مسلم، وإنما يمكن أن يصدر من مسلم أن يرائي في صلاته، لكن أصل الصلاة معقودة لله عز وجل. أما النفاق الأصغر، ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- هنا بعض أنواعه، منها: قال «وجاء في وصف ذي خلف لما يعد»، يعني الخلف في الوعد، خلف الوعد من النفاق الأصغر. وهكذا كذلك الفجور في الخصومة، قال «أو خاصم فجر»، أو عاهد غدر، والغدر في العهد، وهكذا الخيانة في الأمانة، وهكذا الكذب في الحديث، كما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى أبي هريرة -متفق عليه- «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أتمن خان». وفي الحديث الآخر «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»، هذه أمور يقع فيها كثير من المسلمين، إلا من رحم الله، ولا يبالون بها، ويعدونها هينة سهلة، وهي من النفاق الأصغر. ومن صور النفاق الأصغر: إشاعة الفتنة بين المسلمين، حين يحب الشخص أن تشيع الفتنة بين إخوانه، كي يكون سببًا في إشاعتها، هذه من صفات المنافقين، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، فمن يسعى بالفتنة بين المسلمين، فيه خصلة من خصال النفاق، وإن كان ليس منافقًا أكبر، فهو منافق نفاقًا أصغر، لأن هذا من صفات المنافقين. والتلون والتدبدب، بعض الناس ربما يظهر إذا دخل على السلاطين وعلى الأمراء، أظهر لهم الكلام الطيب والثناء العطر والأشعار الطويلة العريضة، إذا خرج قدح فيهم وتكلم كذا وكذا فيهم، إلى آخر ذلك. في البخاري عن عبد الله بن عمر، قالوا له: «إنا كنا إذا دخلنا على سلاطيننا قلنا قولًا لم نقله إذا خرجنا من عندهم»، يعني دخلنا عليهم ما شاء الله الثناء والأشعار، وإلى آخر ذلك، لكن إذا خرجنا اختلف الأمر، قال: «كنا نعد ذلك على عهد رسول الله -عليه الصلاة والسلام- نفاقًا»، كنا نعد هذا من النفاق، لأن قال بعض السلف: «إياكم والتلون، فالتلون نفاق». والرياء والنفاق الأصغر له صور كثيرة. يقول: ما هو صحيح؟ هل أن الرياء أكبر من الكبائر؟ نعم، الرياء أعظم من الكبائر، لأن الرياء من الشرك الأصغر، والشرك الأصغر أعظم من الكبيرة، لأن الكبيرة صاحبها قد يغفر له عليها، لكن الرياء من الشرك الأصغر، والشرك الأصغر حصل به خلاف بين العلماء، فمنهم من لا يرى أنه داخل تحت المشيئة تحت المغفرة، بل لابد من المحاسبة، وهذا يدلنا على أنه أعظم من الكبائر التي هي دون الشرك الأصغر. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.