الدرس في شرح كتاب التوحيد 185، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع الأول يتناول موضوع التوكل على الله ويشرح الآية 64 من سورة الأنفال، موضحًا معنى "حسبك الله" وكفاية الله لنبيه والمؤمنين. يُبرز الفرق بين خطاب "يا أيها النبي" و"يا أيها الرسول" في القرآن.
الآية تشير إلى أن الله هو الحسيب للنبي والمؤمنين، وأن التوكل على الله أمر قلبي خاص بالله. يُؤكد أن الله يكفي عبده ما أهمه إذا توكل عليه حق التوكل، ومن لم يتوكل على الله خذل وهلك.
المسلم ينبغي أن يعظم رجاءه بالله في المحن ويعتمد عليه في كل أموره. الدعاء بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، مع التأكيد على التوكل على الله والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلنتأمل عباد الله وإياكم في هذا الباب، والذي جعله المؤلف رحمه الله تعالى في مسألة التوكل على الله، إذ أنها من واجبات الدين ومن مكملات التوحيد التي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يقوما بها. وقد أورد المؤلف رحمه الله تعالى دليلا آخر، قال: وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية التي فيها الإشارة إلى شيء من معاني التوكل على الله. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها النبي﴾ هذا نداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والمتأمل في نداء رسول الله في القرآن تجد أنه تارة يأتي «يا أيها النبي» وتارة يأتي «يا أيها الرسول». فهل هناك فرق بينهما؟ أو نحو ذلك؟ من العلماء من أشار إلى نوع فرق بين اللقبين إذا نودي بهما نبينا عليه الصلاة والسلام. هذا الفارق يتضح بأن خطاب «يا أيها النبي» كثيرًا ما يأتي في الأمور الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه المعني بها. يأتي الخطاب بالنبي كهذه الآية التي بين أيدينا: ﴿يا أيها النبي حسبك الله﴾. وهكذا قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا﴾، وهكذا في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾، ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾، ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾. تجد أن مثل هذه الآيات تتعلق بأحكام خاصة برسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم تتفرع لباقي الأمة، بخلاف الخطاب إذا جاء بـ «يا أيها الرسول» فإنه يأتي في مقام الرسالة والتبليغ: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾. فهذا من الفوارق التي استظهرها بعض العلماء في الفرق بين الخطابين بين «يا أيها النبي» و«يا أيها الرسول». قال ربنا جل في علاه: ﴿يا أيها النبي حسبك الله﴾، «حسبك الله» الحسيب بمعنى الكافي، أي كافيك الله، الله يكفيك، يكفيك من كل شيء، يكفيك من كل ما يسوءك من هم وغم وضرر وأذى، من فتن ومحن، من كل شيء. فالله جل وعلا يكفيك. وقال العلماء: إن «الحسيب» من قولهم «حسبك»، كقول القائل: «حسبك درهم» أي يكفيك درهم، هذا يكفيك. «حسبك درهم» أي يكفيك درهم. والله الكافي، والله الحسيب بمعنى الله الكافي، يكفيك يا أيها النبي. ولا تأتي هذه الكفاءة والكفاية من الله جل وعلا إلا على إثر التوكل عليه، فمن توكل على الله فالله حسيبه. فـ «الحسيب» من آثار التوكل على الله جل في علاه. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾. وهنا السؤال: في أي الخطابين سيدخلون؟ وهذا يرجعنا إلى أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية. علمنا ما يتعلق بقول ربنا: «يا أيها النبي حسبك الله»، الله كافيك، لا إشكال في هذا القسم. الإشكال يبقى معنا في القسم الثاني: ﴿ومن اتبعك من المؤمنين﴾. فمن العلماء ومن المفسرين من يرى أن الله جل وعلا كافيك، وهكذا أهل الإيمان سيكفونك، سيكفونك. القتال للأنصار والمهاجرين الذين جندوا أنفسهم في الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حمايته، هؤلاء سيكفونك، سيبذلون الغالي والرخيص، بل أرواحهم يبذلونها في سبيلك وكفايتك وحمايتك. فتقدير الآية: «يا أيها النبي حسبك الله وحسبك أهل الإيمان»، الله كافيك ويكفيك أهل الإيمان. هذا وجه من أوجه التفسير. الوجه الثاني: «يا أيها النبي حسبك الله» وهو كذلك حسب المؤمنين، الله حسبك وهو أيضا حسب المؤمنين. فالله جل وعلا حسب الجميع، حسب الجميع جل في علاه. وهذا القول هو الذي انتصر له جماعة من العلماء. وقال: وهذا الذي ينبغي أن تفهم عليه الآية، ما هناك حسيب إلا الله جل في علاه فقط. ومن زعم أن أهل الإيمان يكون في مقام الحسب غلط، غلط، لا يفسر الآية بهذا التفسير، لأن الحسيب هو الله. فتفسير هذه الآية: «يا أيها النبي حسبك الله» أيضا وهو حسيب من اتبعك من المؤمنين، فالكل حسيبهم الله. فمن توكل على الله، سواء منك أو من غيرك، من أتباعك، فالله حسيبهم سبحانه وتعالى. وذلك لماذا؟ هذا يرجعنا إلى ما قد مضى من أن أمر التوكل هو أمر قلبي، أمر باطني، وهي من الأعمال التي يختص بها الرب جل وعلا. ولا يجوز لأحد أن يتوكل على غير الله، ما يجوز أن أحد يعتمد ويتوكل إلا على الله، بل التوكل هو على الله. فمن ثم يكون الله حسيبنا. وأيضا قالوا: إن الأدلة الدالة في القرآن تجد أن مسألة الحسب إنما يفرد بها الرب دائما، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، ما قال الصحابة عندما خوفوا بأعداء الدين: «حسبنا الله ورسوله»، لا، قالوا: «حسبنا الله»، فأفردوا الله جل وعلا بالحسب، فهو حسيبهم فقط. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وإن يريد أن يخدعوك فإن حسبك الله﴾، هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين. فهنا فرق ربنا جل وعلا بين مقامين اثنين، بين مقام الحسب وبين مقام التأييد. فمقام الحسب جعله لنفسه: ﴿وإن يريد أن يخدعوك فإن حسبك الله﴾، فقط الله حسبك. هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، أما في قضية التأييد فأنت مؤيد من عند الله ومن عند غيره، من أهل الإسلام والإيمان يؤيدونك. ففي فعل التأييد جعل الله جل وعلا هذا مشتركا بين الإنسان وربه. لكن في مسألة الحسب والكفاية لا ما هناك إلا الله جل في علاه. ﴿وإن يريد أن يخدعوك فإن حسبك الله﴾. أيضا قال العلماء في هذه الآية: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾، قالوا: هذه الآية في الدلالة اللفظية فيها الإشارة إلى هذا المعنى الصحيح. وجه ذلك: «يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك»، إذن عندي أتباع تبع لي، أنا متبوع وهؤلاء أتباع. فهل يمكن أن الأتباع هم يكفوني؟ لا، الأتباع أتباع دون المتبوع، فكيف أنا المتبوع أرجو من الأتباع وهم دوني أن يكفوني؟ قالوا: ما يمكن هذا. قالوا: فدلالة الصيغة القرآنية تدل على أن هذا المعنى ممتنع، وأن النبي غير مكفي من قبل أهل الإسلام، من الأصحاب، من الأنصار والمهاجرين، لأن أمر الحسب والكفاية هذا أمر من الله فقط، الله هو الذي يتولى العباد، يكفيهم من شر ما أهمهم. فأمر الله جل وعلا نبيه على هذا المعنى، أمر الله جل وعلا نبيه وأمر أتباعه في أن يتوكلوا على الله جل وعلا في كل أمورهم، لأن الله هو حسبهم فقط، ما هناك حسيب سواه جل في علاه. وفي ذلكم إشارة إلى أن المسلم مهما بلغ في الإيمان مبلغا عظيما لا يغتر بنفسه، ولا يتعالى على غيره بعباداته ولا طاعاته، وإنما يظهر لربه ضعفه وعجزه وأنه محتاج لربه في كل شؤونه. فإذا أظهرت يا عبد الله عظيم التوكل على الله، فالله يكفيه. أليس الله بكاف عبده؟ سبحانه الله كافي، لكن في حق من توكل وأناب إليه واعتمد عليه، فالله حسيبه، نبينا وحسيب كل مؤمن، وحسيب كل مؤمن. فهذه الآية إخواني تعطينا على أن المسلم إذا أراد أن الله يكفيه ما أهمه، فعليه أن يطرق باب التوكل حق الطرق، فيتوكل على الله في كل أموره، ويفوض الله في كل شؤونه. وفي هذه الآية إشارة إلى العكس، على أن من لم يتوكل على الله فالله لا يكون كافيا ولا يكون حسيبه أبدا. ومن كان كذلك خذل، ومن كان كذلك قد ذهب أمره سدى. فمن توكل مثلا على البشر في أن يكفونه همه وغمه، فالله جل وعلا يتركك مع بشرك. وماذا عسى من البشر أن ينفعوك؟ إذا هم وهم بشر، ما استطاعوا على أن يجلبوا لأنفسهم نفعا أو يدفعوا عن أنفسهم ضرًا، فكيف هم معك؟ ما يستطيعون. البشر عاجزون عن ذلك لأنفسهم، فضلا أن يجلبوا لغيرهم. فاستفاد العلماء من هذه الآية أن من لم يعتمد على الله ولم يتوكل على الله فالله ليس حسيبه، ومن لم يكن الله حسيبه هلك وخسر وبطل. ولهذا المسلم إخواني في الله يعظم الرجاء بالله جل وعلا في أشد المحن، وفي أشد المواقف، كهذه الأزمان التي ابتلينا بها بضعفنا وعجزنا وقلة حيلتنا من نصرة إخواننا، فلا داعي بعد ذلك أن نتململ أو أن نظهر اليأس، وأن نفقد الأمل. لا يا عبد الله، الأمل في الله عظيم، هو حسبك، نعتمد على الله ونُكل الأمر إلى الله جل وعلا، فالله حسيبنا وحسيب كل مسلم. فالله جل وعلا إن نظر إلى قلوب العباد ورأى أنهم فوضوا أمرهم إلى الله، فالله جل وعلا يتولى نصرة المظلوم، يتولى أن يعطي الغنى للفقير والمعدوم، يتولى الأمر كله. فالكون كونه، والخلق عبيده. فالشاهد أن هذه الآية الكريمة من الآيات العظيمة التي ينبغي أن يعتني بفهمها كل مسلم، وأن ظاهر الآية هو ما قد مر معنا، وهو أن الله جل وعلا هو حسيب النبي وحسيب كل مسلم، ولا تأتي مسألة الحسب والكفاية إلا بعد التوكل على الله جل وعلا، وأن من توكل على الله ورجاه، فالله جل وعلا يعطيه ما أمله، ويوقيه ويرد عنه ما كان من همه وغمه. وهكذا يا عبد الله في الآية السابقة: ﴿وإن يريد أن يخدعوك﴾، من ليخدعوك يا محمد؟ الكفار، كما نرى في مثل هذه الأزمان، الكفار يخادعون أهل الإسلام، تقام هذه المجازر على بلاد أهل الإسلام، في بلاد غزة، ضربا وقصفا وقتلا للصغار والكبار. وهؤلاء الكفار يضحكون علينا بعقد هذه المؤتمرات الممططة الممددة حتى يعمل العدو فعلته في أهل الإسلام، يبطش ويقتل حتى يستطيع أن يحتل الذي يستطيع الاحتلال عليه. بينما الكفار يكملون الدورة الثانية، وهو إسكات الشعوب بهذه المؤتمرات، مؤتمر هنا ومؤتمر هنا، ورفع التقارير عن تلك المجازر، وإنزال لجنة التحقق للحقائق والتقصي للأخبار والمعلومات والاستخبارات، تنطوي الليالي والأيام والعدو يمكر، وكل ذلك تواطؤ، هذه خديعة. لكن هل تنطلي على المسلم؟ لا والله، لو توكل على الله. قال الله: ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله﴾، لا تستيأس يا عبد الله. هذا الباب للأسف كثير من المسلمين إنما يطرق الأسباب المادية، الأسباب الحسية، ويترك هذه الأسباب الشرعية المعنوية العظيمة، والتي يجدير بالعناية والاهتمام أن نعلق القلوب بالله في مثل هذه الأوقات. مهما حاول الكفار أن يخدعوا أهل الإسلام، متى ما اعتمدنا على الله، فإن الله يرد كيده في نحره، ومخططاته إلى صدره، ويجعل بأسا فيما بينهم. لكن اعتمد على الله، الله يحب من عبده، فردا كان أو مجتمعا، حاكما أو محكوما، راعيا أو رعية، أن يفوض أمورهم إلى الله. فالله جل وعلا يتولى نصرة العباد. ﴿وإن يريد أن يخدعوك فإن حسبك الله﴾، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.