التوضيح المبين لأحكام الفقراء والمساكين

التوضيح المبين لأحكام الفقراء والمساكين

المحاضرة بعنوان التوضيح المبين لأحكام الفقراء والمساكين، والتي كانت بمسجد المنصور بالمنصورة الجديدة بالشحر يوم الجمعة 24 رجب 1446هـ الموافق 24 يناير 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ابتلاء الفقر والغنى وحقيقة الغنى القلبي

يستهل المحاضر بالثناء على مجلس العلم مبيناً أن الفقر والغنى ابتلاءان لا يدلان على محبة أو بغض، وأن الفقر الحقيقي هو حاجة العبد الدائمة إلى الله تعالى. ثم يوضح أن الغنى الحقيقي هو غنى القلب بالقناعة والرضا، بينما الفقر الحقيقي هو فقر القلب وشدة الطمع، مستدلاً بأحاديث تربط بين هم الآخرة وغنى القلب.

فقر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه والصبر عليه

عاش النبي صلى الله عليه وسلم فقيراً مختاراً رغم قدرته على الغنى، وفرّق ما يأتيه من مال حتى لم يشبع من تمر الدقل، وشاركه الصحابة في شدة الجوع. ويبين العلماء أن الفقير والمسكين غالباً بمعنى واحد في الأحكام، وأن الصبر على الفقر من أخلاق الأنبياء والصالحين.

مكانة الفقراء وأحكام رعايتهم في النكاح والولاية

يبرز النص مكانة الفقراء والمساكين في الإسلام كأتباع للرسل وأول الداخلين للجنة، مع النهي عن طردهم والأمر بإكرامهم وتقديمهم في الزكاة. ويختم بآداب الولي في مال اليتيم، ومعنى العدل في الغنى والفقر، والحث على تزويج الفقراء مع وعد الله بإغنائهم من فضله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده وتعالى ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، نحمد الله جل وعلا على ما أنعم علينا سبحانه وتعالى ووفقنا إلى مثل هذه المجالس. وقبل أن نبدأ في هذه المحاضرة، أولاً نشكر إخواننا في هذا المسجد المبارك على استضافتهم لنا، وعلى أيضاً عقد مثل هذه المجالس الخيرة التي قد سمعتم من أخينا محمد حفظه الله في فضل هذه المجالس وعظمة بركتها. فلهذا فهذا شيء عظيم تعمر به هذه المساجد، ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ﴾، فلهذا نسأل الله عز وجل أن يجيرهم خيراً، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل مجلسنا هذا مباركاً، فيغفر الله عز وجل لنا فيه ذنوبنا، ويكفر عنا سيئاتنا، ويجعلنا من عباده الذين رحمهم وأدخلهم جنته جل وعلا. كما سمعتم أن موضوع المحاضرة حاضرة، أو هذا الكلمة موضوعها: التوضيح المبين في أحكام الفقراء والمساكين. وهذا الموضوع لا شك أنه موضوع كبير، وقد ألفت فيه مؤلفات، وأحكام الفقير كثيرة يدخل فيها الفقير، وخاصة في أحكام الأموال كالزكوات وغيرها والكفارات. ونذكر بعض أو أشياء مهمة في هذا الباب، لعل الله عز وجل ينفعنا بها. ونركز إن شاء الله تعالى على الآيات التي جاءت في مسألة الفقير، وكذلك الأحاديث، لأنه كما قلنا استيعاب أحكام الفقير أو ما ذكر فيه الفقر في المسائل فهو يحتاج إلى وقت طويل، يحتاج إلى دروس. لكن نأخذ المسائل المهمة التي جاءت في الكتاب والسنة. فأولاً: الفقر والمسكنة من الابتلاءات التي يبتل الله عز وجل بها عباده. بل حتى الغنى، الغنى يعتبر ابتلاء، وكذلك أيضاً الحياة كلها ابتلاء، ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾. وقال الله عز وجل في ابتلاء الفقر: وأن المسلم قد يبتلى بالفقر، وقد يغنيه الله عز وجل، فلا يدل هذا على أن الله عز وجل أحب ذاك فأعطاه المال، ولا يدل على أنه لم يحب هذا الشخص فلم يعطيه المال وجعله فقيراً. ولهذا أراد ربنا جل وعلا أن يذهب بهذا المفهوم الخاطئ، لأن هذا المفهوم اغتر به كثير من الكفار، بل من المسلمين، أنه إذا أعطي مالاً ظن أن الله عز وجل يحبه فأعطاه هذا المال، ولو لم يحبه لما أعطاني هذا المال، أن يقول هكذا ويظن هكذا: "فما أعطاني هذا المال إلا لأنه يريد أن ينعم علي بهذا المال". الله عز وجل يقول: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾، كرمني الله فأعطاني الأموال وأعطاني كذا وجعلني غنياً في هذه الحياة. ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾. كلا، أي ليس هذا المفهوم الذي يفهم هؤلاء. فالذي أعطاه الله عز وجل مالاً ليس معنى أنه كرمه، والذي منع الله عز وجل منه المال وجعله فقيراً فليس معنى أن الله أهانه. فلهذا فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ كَلَّا ﴾، أي لا ليس كذلك أبداً. فلهذا الابتلاء أو الفقر ابتلاء، كما أن الغنى ابتلاء. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من فتنة، من عذاب النار، وعذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن شر فتنة الغنى، ومن شر فتنة الفقر. وجاء في رواية: "ومن شر فتنة الغنى ومن الفقر، من شر فتنة الغنى ومن شر فتنة القبر". وهذا في الصحيحين في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، والحديث واحد نفسه الذي يأتي في الصلاة، لكن جاءت في زيادات في حديث معاوية، أبي معاوية، ومقعد عن هشام عن الحديث، رواه هشام بن عروة نبيه عن عائشة، لكن منهم من ذكر بعض العبارات ومنهم من لم يذكرها. فذكرت هذه العبارة وهي صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام: قال: «أعوذ بك من شر الغنى ومن شر الفقر». الغنى فيه شر عظيم، ومن أعظم شره البطر والكبر والإسراف. والفقر أيضاً فيه شر، ومن أعظم شره الاعتراض على قدر الله والتسخط، وأيضاً كذلك الظن بالله ظن السوء، وغيرها من الشرور التي تأتي في الفقر. ولهذا استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام منه، «وأعوذ بك من الفقر، وأعوذ بك من الكفر والفقر» كما جاء في بعض الأحاديث. فلهذا فهو ابتلاء يبتل الله عز وجل العبد بالفقر. والفقر جاءت له معاني في اللغة، وجاءت كذلك له معاني في الشرع. فليس الفقر فقط قلة المال أو عدمه، بل جاء بمعاني أخرى. الله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾. أنتم الفقراء إلى الله، أي المحتاجون إليه، محتاجون إلى الله، ما من مخلوق إلا وهو محتاج إلى الله جل وعلا. أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. فهذا الفقر المراد به الحاجة، أن العبد يحتاج إلى الله في كل شيء، فيطلب من الله عز وجل ما يحتاجه. بل حتى الكافر يحتاج إلى الله، فالمسير له هو الله جل وعلا، المسخر له الأشياء هو الله سبحانه وتعالى، لكن استكبر، والمشرك عبد غيره، لم يعترف بالفقر إلى الله جل وعلا، بل جعل فقره إلى المخلوقين، إما بدعائهم، وإما كذلك بالاعتماد عليهم في كل شيء، وإما كذلك بجعل أموره عليهم، معنى يتكل عليهم. ومن وكله الله عز وجل إلى شيء فقد وكل إليه، وإذا وكل إلى شيء غير الله جل وعلا فإنه يفسد ويهلك. ولهذا من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام في حديث فاطمة: «اللهم إني أستغيث برحمتك، برحمتك أستغيث، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين». ومعنى ذلك أن العبد محتاج إلى الله عز وجل في كل وقت، في كل حين، في كل ثانية، بل في كل لحظة من لحظاته يحتاج إلى الله جل وعلا. إذا سلب الله عز وجل إعانته للعبد هلك، أو أنه حتى في بعض الأوقات إذا وكل إلى نفسه، ووكل إلى غيره، وجعل اعتماده على الغير، فإنه لا يوفق، لا يوفق. وإنما المعين هو الله سبحانه وتعالى، والموفق هو الله جل وعلا. ولهذا قد يضل الإنسان بسبب أنه وكل إلى نفسه. فلهذا ينبغي للمسلم، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا من دعاء الصباح والمساء، الصباح والمساء يدعو به العبد لربه جل وعلا أن لا يكله إلى نفسه، طرف عين. فلهذا الفقر هنا المراد به الحاجة إلى الرب جل وعلا. وأيضاً كذلك جاء الفقر في الآيات وفي الأحاديث إلى عدم توفيق الله عز وجل للعبد في أموره، فيكله إلى نفسه، فيكون فقيراً من فضل الله ورحمته، فقيراً من فضل الله ورحمته، ما يريد آغن الله. والمراد أيضاً توضيحاً أنه ليس في قلبه قناعة، ليس في قلبه قناعة، يريد يريد يريد أشياء كثيرة، ويتسخط إذا عدمت هذه الأشياء. ولعل مثال هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح البخاري، أو جاء في مسلم، وعلقه البخاري، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ليس الغنى عن كثرة العرض». معناه: الإنسان عنده أعراض كثيرة من أعراض الدنيا، عنده أموال، عنده سيارات، عنده كذا، ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس، وإنما الغنى غنى النفس. وجاء كذلك عند أحمد وابن حبان أن من حديث عبد الله بن عمر، وجاء من حديث غيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب، الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب». صحح هذا الحديث الشيخ الألباني في الصحيحة. فالغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب. والمراد كما قلنا أن العبد ليس عنده قناعة، لا يقنع بالشيء، ولو عنده أموال الدنيا لازال فقيراً، لأن الفقر فقر القلب. ولهذا جاء في حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، وجاء أيضاً عن ابن مسعود وعن غيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كانت الآخرة همه جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كان همه الدنيا شتت الله شمله، تقاطعه أهله، تقاطع هو وحب الناس إليه بسبب هذا المال، همه الدنيا. ومن كان همه الدنيا شتت الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كتب له». وفي الحديث الآخر أيضاً قال: حديث أبي هريرة، وجعل نعيم بن همار، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يقول الله عز وجل: يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي، أملأ قلبك غنى، أملأ قلبك غنى، ويدك رزقاً. أملأ قلبك غنى، ويدك رزقاً». معنى أنك تنتفع بأي رزق يأتيك، معك رزق، وعندك قناعة بهذا الرزق، بكل ما يأتيك من الله عز وجل تقنع به غنى. فلهذا فهو لا يبالي بما حصل في الدنيا لأنه متعلق بالله جل وعلا، وغناه في قلبه، ورزقه في يده. كل ما ما أعطاه الله عز وجل من رزق نعم به، يقنع باليسير. قال: «ولا تباعد عني، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: ولا تباعد عني فأملأ قلبك فقراً، فأملأ قلبك فقراً، ويدك شغلاً». ينشغل عنده شغل بلا شغل كما يقولون، ينشغل بأشياء تافهة، يشغله الله عز وجل في هذه الدنيا، فيكون فقير، فقير القلب. فقال: «أملأ قلبك فقراً، ويدك شغلاً». لا، الحديث في هذا الباب كثير، هذا يبين لنا أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين أن الغنى ليس أن لسان يكون معه أموال وكذا. حقيقة الغنى هو غنى القلب، أن يقنع بما عطاه الله عز وجل. أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه، قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه». وفي حديث أبي هريرة: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنع». فهذا القناعة هي الكنز الذي لا يفنى كما يقولون. فهذا أيضاً فقر، هذا أيضاً يعتبر من الفقر. وأيضاً جاء بأن الفقر أيضاً فقر المال، وهو على الصحيح على نوعين: فقر بقلة المال، وفقر بعدمه. قد يكون الفقر بقلة المال، وقد يكون الفقر بعدم المال، بعدم وجوده. فهذا أيضاً فقر، وهو في أكثر الآيات والأحاديث. ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. وأيضاً الله عز وجل ذكر الفقراء: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. هنا الفقر المراد به قلة المال أو عدم. أيضاً كذلك أكثر الآيات كما قلنا في الفقر المراد به قلة المال. لكن قلة المال لم يجعلها الله عز وجل شيئاً مثلاً عيب في الإنسان لأنه من الله، بل أمره بالصبر وأمره بالعفة. لهذا قال: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. في حديث أبي ذر الذي خرجه البزار والطبراني، وذكره الشيخ الألباني في الصحيحة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأبي ذر: «كيف أنت يا أبا ذر وقد أصاب الناس جوع، وقد أصاب الناس جوع، وقد أصاب الناس جوع، حتى أن الرجل لا يستطيع أن يقوم من بيته إلى مسجده، لا يستطيع الإنسان أن يخرج من بيته من شدة الجوع، فكيف تفعل يا أبا ذر؟» قال: الله أعلم ورسوله، أو قال: ما اختار الله لي ولرسوله، أنا أيش الذي يختاره الله ورسوله لي؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «تعفف يا أبا ذر، تعفف يا أبا ذر». أنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصاب الإنسان هذا الفقر يتعفف: «تعفف يا أبا ذر». وجاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين، لما وجد أبو سعيد جوعاً، قال: «لم نطعم طعاماً ثلاثة أيام، أنا وأمي». فقالت لي أمي: «اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلك تجد عنده طعاماً، لعلك تجد عنده طعاماً». قال: فذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعدما فر من الصلاة وذهب إلى بيته، فتبعته، ولم أستطع أن أتكلم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أبا سعيد، من يستعفف يعفه الله». يعني بدون ما يكلمه، الله عز وجل أعلم نبيه عليه الصلاة والسلام بما قال أبو سعيد أو بما في نفسه. فقال: «يا أبا سعيد، من يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر، وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر». عطاء عظيم، من أعطي الصبر أعطي أجر عظيم، وأعطي كنز عظيم جداً. ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾. فالصبر عباد الله من أعظم الأشياء التي يستعين بها العبد على رضوان الله جل وعلا، فإنه إذا تفلت عليه الصبر جاءت المواجع وجاءت المصائب عليه. فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر في هذا الباب بالصبر، لأنه ابتلاء، الفقر ابتلاء كما ذكرنا. فلهذا يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى صبر، مصابرة، أن يعين أو أن يعود نفسه العبد على الصبر. انظروا أيها الإخوة إلى رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، وهو رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، عاش فقيراً. ولو أراد الله عز وجل لفجر له الجبال ذهباً، لكنه لم يرد شيئاً من المال، بل ما كان يكنز شيئاً من المال عليه الصلاة والسلام. فإذا جاءه مال مختص به فرقه، فرقه وتصدق به عليه الصلاة والسلام. فعاش عليه الصلاة والسلام مسكيناً فقيراً، قد لا يجد الطعام. قالت عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين: قالت لعروة ابن أختها: «يا عروة، إن كنا ليمر علينا الهلال والهلال والهلال، أي ثلاثة أشهر، ولا يوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناراً». وهي تسعة أبيات، تسعة أبيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يوقد فيها نار. فقال عروة: وما كان يقيتكم يا خالة؟ قالت: «الأسودان: الماء والتمر». عمر رضي الله عنه كما في صحيح مسلم خطب الناس، خطب الناس في المدينة وبكى، وقال: «ما شبع نبي الله»، أو قال: «إن النبي عليه الصلاة والسلام مات ولم يشبع من تمر الدقل». مات عليه الصلاة والسلام ولم يشبع من تمر الدقل. المراد بالتمر الدقل أي التمر الرديء الذي قد لا يأكلهحياناً الإنسان، لا يأكله إلا إذا اضطر إليه. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول عمر رضي الله عنه: ما شبع. وجاء في صحيح مسلم أنه من كلام النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، معناه صد، أنه قال: «أن النبي عليه الصلاة مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يملأ بطنه من تمر الدقل». فحياة النبي عليه الصلاة والسلام معروفة، فلم، فاختار الله عز وجل لنبيه الفقر والمسكنة. وقد صح عند بعض العلماء ما جاء في حديث أنس وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، وأدخلني في زمرة المساكين». والمسكنة والفقر في الأحكام غالباً واحدة، المسكنة والفقر في الأحكام غالباً تكون واحدة، ليس هناك فرق. لكن هذا في المال، في مسألة المال. لكن قد يختلف المسكنة والفقر في بعض المعاني، قد تختلف المسكنة لأن المسكنة هي الذل، وأيضاً الحاجة، كذلك ذل حاجة مع ذل. وقد حصل اختلاف بينها عند العلماء في مسألة الفقير والمسكين، كما تعلمون، هل بينهما فرق أو ليس بينهما فرق؟ أي من ناحية المعنى الذي هو الفقير الذي هو محتاج، والمراد به إما قليل المال أو إما معدوم المال. فبعضهم العلماء يقول: أن الفقير هو المعدوم الذي ليس عنده مال، والمسكين الذي عنده مال لكن لا يكفي. ومنهم من قال: أن الفقير من يكون عنده شيء من المال لكن لا يقوم ب... معنى لا يقوم بكثير من الأشياء التي يحتاجها، معنى الحاجات الضرورية، والمسكين أرفع منه. وبكل هذه الأقوال قال العلماء: الشافعي رحمه الله وأحمد. الشافعي ذكر في الأم أن الفقير هو المعدوم، والمسكين الذي يكون عنده مال لكن لا يكفيه للضرورة، معنى يحتاج أيضاً. وأيضاً قال أحمد مثله، لكن ذكر أيضاً أن الفقير أيضاً قد يكون معه مال، والمسكين معنى أرفع منه. وكلاهما يتصدق عليه. لأن المسكين، النبي عليه الصلاة والسلام قال فيه: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولا الطوافة والطوافتان، وإنما المسكين من لا يجد غنى يغنيه، لا يجد غنى يغنيه، ولا يتفطن عليه فيتصدق عليه». معنى لا يجد غنى يغنيه: الناس يرونه كأنه غني، عنده مال، وقال لهذا ما يتصدق عليه لأن الناس غلبهم الظاهر، وإلا فهو يحتاج أو محتاج إلى أشياء كثيرة. فلهذا يقول العلماء: أن المسكين أرفع من المحتاج أو من الفقير. لكن غالباً كما قلنا في الأحكام غالباً يكون الفقير المسكين واحد. أحياناً يختلف، أحياناً يختلف، لكن في مسائل قليلة، وإلا الأصل أن الفقير المحتاج في معنى إذا ذكر المسكين يدخل معه الفقير، وإذا ذكر الفقير دخل معه المسكين. فلهذا كما قلنا النبي عليه الصلاة والسلام عاش مسكيناً فقيراً، عليه الصلاة والسلام مسكيناً فقيراً. الصحابة رضي الله عنهم أيضاً كذلك كان عيشهم الفقر، حتى أن أحدهم لا يجد طعاماً يأكله، لا يجد طعاماً يأكله. جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة أنه كان يرتبي من شدة الجوع، يسقط، يغشى عليه من شدة الجوع. كذلك أيضاً كان أهل الصفة من أصحاب الرسول الله صلى الله عليه وعلي وسلم، كان يسكنون المسجد وليس عندهم طعام. جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب، فسقط رجل من أهل الصفة، سقط من شدة الجوع، سقط. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو تعلمون ما لكم عند الله، لو تعلمون ما لكم عند الله، لازددتم... أو لا، أو قال: لازددتم فاقة، أو لا أحببتم أن تزدادوا فاقة». هكذا: «لا أحببتم أن تزدادوا فاقة»، أي فقر. «لو تعلمون ما لكم عند الله، لا أحببتم أن تزدادوا فاقة». وجاء أيضاً عند ابن حبان من حديث طلحة بن عبيد الله أنه قال: «أتيت إلى المدينة أنا وصاحب، أنا وصاحب لي، وكان من يأتي من المهاجرين إلى المدينة، فإن كان له، فإن كان له عريف، كان عنده، أنا عريف، إنسان معروف من أصحابه ومن قبيلته يعرف، وعنده مثلاً بيوت، عنده كذا، فيأتي المهاجر ويجلس عنده، يجلس عنده، وهو له عريف، معناه كأنه قادة الناس ومشايخهم ومقدميهم. قال: ومن لم يكن عنده عريف يجلس عند أهل الصفة في المسجد. وكان، وكان أقلهم التمر، حتى تشد، حتى تشققت أوداجهم على من كثرة التمر، حار. فكان، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخطب، فقام رجل من أهل الصفة، وقال: يا رسول الله، إن التمر قد شق بطوننا، أنا أصبح يشق علينا هذا التمر، حار جداً على بطوننا. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: بعد ما ذكر له الصبر وما لهم عند الله عز وجل من إذا صبروا وأن الله عز وجل سيعوضهم، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد سرت أنا وصاحبي، يريد أبو بكر، بضعة عشر ليلة، وليس لنا طعام إلا البرير، ليس لنا طعام إلا البرير. البرير طعام، معنا هذا العراك، ثمر العراك، ثمر العراك، مثل شيء صغير هكذا، أسود، ويأتي أحمر، شكله مثل العنب لكنه صغير، وهو حار. قال النبي عليه الصلاة والسلام: وليس لنا طعام إلا البرير، قال: حتى أتينا إلى المدينة، إلى الأنصار، وكان لهم تمر، وكان لهم نخيل وتمر، فأعطونا من هذا التمر». معناه يريد النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا أفضل تمر، لو كان لسان يجد تمراً. فالصحابة رضي الله عنه كما قلنا، حتى في لباسهم كان يستتر بعضهم بعضاً من العري، من شدة الفاقة، شدة الحاجة. ولما سأل رجل من الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم: «أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟» قال: «ألكلكم ثوبان؟ أو لكلكم ثوبان؟» معنى أنه: هل كلكم معه يمتلك أكثر من ثوب؟ أنا ما عنده النبي عليه الصلاة والسلام، زوج ذاك الرجل، وليس معه إلا إزار. معنى ذاك الرجل لما زوجه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالقرآن، قال له: «أعطيها شيئاً، أعطِ شيئاً». ذهب ليجد شيئاً، ما وجد شيئاً، قال: «التمس ولو خاتماً من حديد». قال: فذهب يلتمس خاتماً من حديد فلم يجد. فقال: «يا رسول الله، معي إزاري، ما معي إلا إزار واحد، بدون رداء، معه إزار بدون رداء». قال: «فأعطيها نصفه». قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «وما تعمل بنصف إزارك؟ فإن لبسته لا يقنعها، وأيضاً لا ينفعك نصف إزارك». معنى: إذا عطيتها نصف الإزار، ما ستنتفع به، وأنت أيضاً ما ستنتفع بهذا الإزار. فهذا أيضاً كذلك أيها الإخوة، النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً جاء في دعائه أن، معنى مما طلبه الله عز وجل من نبيه أنه يحب المساكين، وقد صح في أكثر من حديث هذا الأمر، وهذا يدل على فضلهم. وأيضاً كذلك ما يدل على فضلهم أنهم، أي الفقراء والمساكين، هم أتباع الرسل، هم أتباع الرسل. وقد جاءت الآيات في هذا الباب، لكن سموهم الضعفاء، والضعفاء المراد بهم الفقراء والمساكين، لأنهم ضعفاء في الأرض عند الناس، بخلاف الأغنياء. فالضعيف هو الفقير أو المسكين يسمى ضعيفاً. ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم عن سهل بن سعد، أن رجلاً من ضعفاء المسلمين، وجاء في رواية: الفقراء المسلمين، مرة فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تعدون هذا فيكم؟» قالوا: يا رسول الله، هذا حري، إن تكلم لا يسمع له، وإن خطب لا يزوج، وإن شفع لا يشفع له، عن إذا دخل واسطة ما تقبل واسطة. ثم مر رجل من أغنياء المسلمين، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون هذا الرجل فيكم؟» فقالوا: هذا يا رسول الله حري، إن تكلم أن يسمع له، إذا تكلم يسمعون الناس له في مجالسهم في كذا، وإن خطب يزوج، لأن، لأن الناس يسمعون في الأموال، هذا حقيقة الناس في الدنيا، معنى الذين يرغبون الدنيا، إذا كان عنده مال سرعة يزوجه، وإن خطب يزوج، وإن شفع يشفع. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن ذاك، أي هذا الفقير، خير من ملء الأرض من ملء الأرض من مثل ذاك، من مثل هذا، ذاك خير من ملء الأرض من مثل هذا الذي تذكرونه». انظروا إلى مقياس الشرع. فأيضاً الله عز وجل ذكر عن بعض الأنبياء وأنهم كانوا أتباعهم الضعفاء، حتى أنه أن الكفار أو هؤلاء الأغنياء يتكبرون وأنه كيف يتبعون هذا النبي وعنده الضعفاء، كما قال الله عز وجل: ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴾، الأرذلون، معنى الضعفاء، الفقراء. نحن عندنا هؤلاء لا شيء، كيف نتبعك ونكون معك ونؤمن بك وأنت أتباعك هؤلاء؟ وأيضاً الله عز وجل قال لنبيه عليه الصلاة والسلام، لما قال له بعض الأغنياء من الكفار، قال له: «اطرد فلان وفلان، اخرجهم، ما نريدهم عندنا في المجلس». معنى: إذا جئنا نجلس، لا تجلس عندنا فلان وفلان من الفقراء. فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ، فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾. لا تطردهم، عبدا الله عز وجل لم يبالِ هؤلاء الأغنياء وغيرهم، بل ولو كان هؤلاء، ما داموا أنهم أهل خير وأهل اتباع، فهذا خير. الله عز وجل لا يفكر أو الله عز وجل لا ينظر إلى فقير أو غني، المهم أنه يرضيه سبحانه وتعالى ويطيعه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام في المثل الذي ذكرناه أراد أن يبين لهم أن أكرم الناس عند الله أتقاهم، ليس بالمال، وليس بالنسب، ولا بغيره. ولهذا أيضاً جاء مما يدل على هذا أن هرقل، كما جاء في حديث ابن عباس البخاري، لما سأل هرقل أبا سفيان، قال: «من أتباعه؟» قال: الضعفاء، أتباعه الضعفاء. قال: «وهكذا هم أتباع الرسل، وهكذا هم أتباع الرسل، الضعفاء». الضعفاء هم سكان أهل الجنة، والمتكبرون والأغنياء غالباً يكون سكان أهل النار، كما جاء بذلك الأحاديث. جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يدخل الفقراء المهاجرين قبل الأغنياء بخمسين عاماً، بخمسين عاماً، أو قال: بخمسمائة عام، نصف يوم، بخمسمائة عام». وجاء في سنن، بدون ذكر المهاجرين، وجاء أيضاً كذلك في حديث آخر: «وعامة أهلها الفقراء». قال: «رأيت الجنة، فإذا عامة أهلها الفقراء، عامة أهل الجنة الفقراء». هذا خير عظيم. وفي الحديث الآخر أيضاً: «يدخل الفقراء قبل الأغنياء بخمسمائة سنة». فهذا كله يدل على فضل الفقراء. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فرأيت عامة أهلها الفقراء، وإذا أهل الجنة محبوسون، أهل الغنى محبوسون». معنا: يصفون، ما يدخلوا الجنة حتى يصفون، لأن أهل الأموال عندهم أشياء كثيرة، بخلاف الفقير، الفقير ما عنده شيء، ولهذا يدخل الجنة. وأول من يدخل الجنة هم فقراء المهاجرين، تكرم لهم أولاً لأنهم فقراء، والأمر الثاني لأنهم هاجروا لله جل وعلا وصبروا على الفقر، صبروا على الفقر. فهذا شيء مما يذكر، أو هذا شيء مما يذكر في فضل هؤلاء الفقراء والمساكين. وأما من ناحية الأحكام، كما ذكرنا، أو في أحكام كثيرة يدخلون، كما قلنا في آية الزكاة مثلاً: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾، فريضة من الله. فأول قدم الفقراء، وهذا قال العلماء يدل على أنهم أول من يعطون، وأن الزكاة يعطى صاحب الحاجة أفضل من غيره، كلما كانت حاجة الشخص أكثر، فكان هذا الغني ينبغي أن يحرص على الحاجة، يحرص على حاجة الناس، فيعطيهم على قدر حاجتهم، لأن الله عز وجل قدم الفقراء على المساكين، قدم الفقراء على المساكين، ما قدمهم على غيرهم من الأصناف الثمانية. أيضاً من الآيات التي ذكرها الله عز وجل في هذا الباب، أيضاً الله عز وجل يقول: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾. فهؤلاء الفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، معناه أنه ضيق عليهم، ضيق عليهم العدو، حتى صار ليس عندهم مال، وليس عندهم رزق. فهؤلاء ينبغي التفطل لهم، معناه هذه الآية تدل على أن الإنسان يتفطل لمثل هؤلاء الذين هم بحاجة إلى الطعام، بحاجة إلى المال، لا ينصرف عنهم إلى غيرهم. هؤلاء الذين أحصروا في سبيل الله، حصرهم العدو. وأيضاً كذلك من الآيات التي ذكرها الله عز وجل، ومن الأحكام التي تدل عليها، أيضاً ذكر الله عز وجل في الولي، اليتيم الفقير، أنه يأكل بالمعروف: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. وهنا المراد بالمعروف، معنى: يأكل الولي من مال اليتيم بالمعروف، أي بما يتعارف عليه، أو أن بعض العلم قال بالمعروف: أي بشيء يكون لا يذهب ماله، أنا لا أخذ كثيراً، كلما أحتاج أخذ من المال، كلما أحتاج أخذ من المال حتى يذهب مال اليتيم، فهذا لا يجوز، وإنما يأخذ بحسب الحاجة، ولا يكون فيه هلاك لمال اليتيم، فينظر إلى حاجة هذا اليتيم. أيضاً كذلك الله عز وجل ذكر العدل في النفقة، فذكر من صفات المؤمنين: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾. وقد جاء في الدعاء الذي دعا به النبي عليه الصلاة والسلام، دعا سماه النبي صلى الله عليه وسلم: دعاء رغبة ورهبة، كما في حديث عمار، ومن ذلك قال: «وأسألك العدل في الغنى والفقر، وأسألك العدل في الغنى والفقر». وجاء كذلك في حديث المنجيات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات»، وذكر من المنجيات: «كلمة الحق في الرضا والغضب، والعدل في الغنى والفقر». العدل في الغنى والفقر، ومعنى العدل في الغنى والفقر قلنا: لأن الغنى فيه فتن عظيمة، ومن أعظم فتنة أنه، أنه يؤدي إلى الكبر والبطر والإسراف، وأيضاً كذلك يؤدي إلى خلاف الدين. فلهذا الغني يحاول أنه لا يسرف، لا يقول: عندي أموال، فيسرف في هذه الأموال في الطعام والشراب واللباس وغير ذلك. أيضاً الفقير هنا قال: والعدل في الغنى والفقر، كيف يكون العدل في الفقر؟ فالعدل في الفقر أيضاً كما ذكرنا أنه يلزم الطريقة الصحيحة، لا ينبغي له أن يتسخط، ولا ينبغي له أن يحسد غيره، يقول: لماذا أطي فلان ولم أعطى؟ فيحسد، يحسد على هذا المال الذي معه. أما إن كان من باب الغبطة فهذا جائز، في الحديث الذي جاء في الصحيحين عن ابن مسعود وأنس وابن عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا حسد إلا في اثنتين»، وذكر منهما: «رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في الحق، فهو ينفقه في الحق». فمثل هذا لا بأس أن الإنسان يقول: لو أن لي مثل هذا الشخص لفعلت مثل ما فعل. كما جاء في حديث بكبشة الألمار، ورجل عنده مال وعلم، فسخر ماله بعلمه، فأهلكه في الحق، جعله فيما يرضي الله عز وجل، فقال الرجل: لو كان لي مثل فلان لفعلت مثل ما فعل، قال: «فهما في الأجر سواء». فلهذا فأيضاً كذلك لا يجعل الإنسان مثلاً الفقر أو ما فيه من الفقر يجعله بخيلاً، يجعله كذلك يتكبر على غير... لا، صحيح أن الكبر ما يكون في الفقير، لكن أحياناً يتكبر، معنى أنه لا، معنى يرفض الطعام وهو جائع، يرفض الطعام وهو جائع كبراً، حتى لا يقال أنه فقير. هذا أيضاً من التكبر. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ذكر من الثلاثة الذين لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة: «عائل مستكبر»، أنا فقير ومتكبر. فإن يسر الله عز وجل لك رزقاً، وليس فيه مثلاً تبعاً لأحد، أو فيه مثلاً منة عليك مثلاً لأحد، فلا بأس أنك تأخذ هذا الطعام وتأكله، ولا ينبغي مثلاً ترفض الطعام كأنك مثلاً غني، ما تريد أن أحد يعرف أنك فقير ومحتاج وغير هذا. لهذا فالعدل في الغنى والفقر أيضاً من هذا الباب. أيضاً من إن شاء الله تعالى نختم: الله عز وجل أيضاً في مسألة النكاح، الفقراء كما ذكرنا قبل، النكاح الفقراء أيضاً ينبغي أن يعتنى به، وهذا من الإكرام للفقراء. الله عز وجل يقول: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ، إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. على ينبغي أن تعتنون بهم وتزوجوهم، ولو كانوا فقراء، لأن الله عز وجل سيغنيهم، سيغنيهم الله عز وجل من فضله. ثم قال: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. وفي الحديث الذي يخرجه البزار والطبراني، وصححه الشيخ الألباني: «ثلاثة حق على الله عونهم