المحاضرة بعنوان وأتبع السيئة الحسنة تمحها، والتي كانت بمسجد ابن عباس بزغفه - الشحر بتاريخ 12 ربيع الآخر 1442هـ الموافق 27 نوفمبر 2020م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الخطيب حديث أبي ذر رضي الله عنه حول اتباع السيئة بالحسنة لمحوها، ويشير إلى أهمية التعلق بالله وسؤاله العصمة من الزلل. يُبرز أن الإنسان عرضة للخطأ مهما بلغ من الصلاح والتقوى.
يُنبه إلى خطورة العجب والغرور عند أهل الصلاح، ويحذر من الاستمرار في فعل المعاصي والذنوب. يشير إلى أهمية التوبة والاستغفار والتوقف عن المعاصي عند الوقوع فيها.
يتحدث عن خطورة الاستمرار في المعاصي وضرورة التوبة الفورية، ويعدد بعض الحسنات التي تمحو السيئات مثل التوبة وإقامة الصلاة والاستغفار. يشير إلى أن هذه الأعمال تقرب العبد إلى الله وتمحو ذنوبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا نحمد الله جل في علاه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، على ما أعان جل في علاه لمثل هذه المقامات ولمثل هذه المحاضرات التي نجتمع فيها وإياكم على ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، فجزى الله خيرا كل من أسهم وبادر وأعان على مثل هذه الاجتماعات المباركة. وأخص بالذكر أهل هذا المسجد، مسجد ابن عباس، والذي كان دائما ولطالما له أياد بيضاء في نشر دين الله جل وعلا وبث العلم الشرعي هنا وهنا، فجزى الله خيرا كل من كانت له يد في مثل هذا الخير. وهكذا شكرنا لأخينا أبي خليل حفظه الله تعالى على ما كان في تقدمته وعلى ما كان في تذكيرته في أمر حلقات العلم وفي فضل حلقات الذكر، وأنها من الأمور العظيمة التي ينبغي أن يرفع بها المرء رأسا، فهي من أجل الطاعات ومن أجل القربات التي بها يمكن للمرء أن يتجاوز الله جل وعلا عن الخطيئات والسيئات، وأن يضاعف ربنا جل وعلا من خلال الحلقات الحسنات والدرجات. وسمعتم إخواني في الله في كلمة شيخنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى ورعاه وسدد ربي على الخير خطاه وأطال الله في عمره وأبقاه ودفع الله عنه كل سوء ومكروه. سمعتم في هذه الكلمة، وإن كانت يسيرة من حيث الدقائق لكنها عظيمة من حيث الطرح، فقد نبه وذكر وأرشد إلى عظيم ما يتمتع به أهل السنة، فهم ولله الحمد من أعظم الناس تلبية لهذا الذي ذكر، بل هذا الذي يسطرونه دائما وأبدا في كتبهم ويذكرونه في ندواتهم من ضرورة التراحم فيما بيننا، وهكذا الاحتفال بأهل العلم والأمر. كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "إن أهل السنة أرحم الناس بالخلق وأعلم الناس بالحق، جمعوا بين هاتين الصفتين العظيمتين التي لا تكاد توجد في جماعة من الجماعات ولا في فرق من الفرق إلا عند أهل السنة والجماعة، أنهم من أرحم الناس بالخلق ومن أعلم الناس بالحق". فإذا كانوا من أرحم الناس بالخلق، فما ظنك برحمتهم بإخوانهم ومن كان عن قرب منهم؟ فلا شك أن الرحمة تكون أكثر وأعظم، وهكذا أعلم الناس بالحق، كيف لا وهم يأخذون بزمام العلماء في كل زمان وفي كل مكان؟ إخواني في الله، فأجدد شكري نيابة عن إخواني لكلمات شيخنا، فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياكم على القيام بها. حديثي وإياكم في هذه الليلة وفي هذا المقام يدور على شرح حديث من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، نستخلص منه ما فيه من فوائد من معانيه، وذلك بأن نذكر ما ذكره العلماء من أهم ما تطرق إليه هذا الحديث العظيم. والحديث الذي أنا بصدد ذكره هو ما رواه الترمذي رحمه الله تعالى في سننه من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". هذا الحديث من الأحاديث العظيمة، حتى كان من بعض العلماء أنه وصف هذا الحديث بأنه وصية عظيمة جامعة لحقوق الله ولحقوق عباده. بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى سمى هذا الحديث بالوصية الصغرى، سمى هذا الحديث بالوصية الصغرى. حديثي سيدور على الجملة الوسطى: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، وهذا الحديث إخواني في الله من نظر فيه نظر تأمل يجد أن الفقرة الأولى فيه إنما تتعلق بمعاملة العبد مع ربه: "اتق الله"، وفي الفقرة الأخيرة تتعلق بعلاقة العبد مع الناس مع الخلق: "خالق الناس بخلق حسن". والجملة التي بين أيدينا تتعلق بمعاملة العبد مع نفسه: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها". هذا الحديث إخواني في الله نذكر فيه من فوائده: الفائدة الأولى أن الإنسان مهما بلغ صلاحه وتقواه وما كان من استقامته وتدينه وما كان من لزوم طاعة ربه، فعليه أن يعلم علم اليقين أنه عرضة للخطأ والزلل والتفريط والتقصير. فما منا أحد معصوم، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والذنب للعبد كأنه أمر حتم، سبحان الله، والذنب للعبد كأنه أمر حتم يقع، ما لك فرار منه، ما هناك فرار". وغص عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: "كل ابن آدم خطأ، كل من صيغ العموم، ما هناك أحد يستثنى من هذا العموم، ما أحد يستثنى من هذا العموم". وانظروا لهذا الحديث الذي بين أيدينا تجد فيه هذه الملاحظة لهذه الفائدة القيمة، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم عندما بدأ الحديث بقوله: "اتق الله حيثما كنت"، بعد ذلك أتبعه بهذه الجملة. ما العلاقة؟ هذه العلاقة قال ابن رجب رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث: "لما كان العبد مأمورا بتقوى الله في السر والعلانية، مع أنه لابد أن يقع منه تفريط في التقوى، لابد لابد أن يقع منه تفريط في التقوى، إما بفعل بعض المحظورات أو بترك بعض المأمورات، أمر بأن يتبع تلك السيئة بحسنة". فهذا هو الشاهد، نحن أمرنا بتقوى الله جل وعلا، لكن من ذا الذي يتحصل على هذا المقام؟ ويكون من نصيبه دائما الخلل موجود والزلل يقع والذنب للعبد أمر حتم. وعلى ضوء هذه الفائدة إخواني في الله نشير إشارات إلى أمر مهم، إلى أمر مهم منها: إذا علمت أنه لا عصمة لأحد، وأن هذا الحديث فيه إشارة إلى أنه ما من أحد إلا ويقع فيه سيئة، أن يكون العبد عظيم التعلق بالله، يسأل ربه جل وعلا العصمة من الزلل. فإن المعصوم من عصمه الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان ينبغي على الواحد منا دائما وأبدا يلهج ويتضرع إلى الله جل وعلا أن يعصمه من خطأه ومن زلله. وقد كان من أعظم الأذكار التي يحرص عليها نبينا صلى الله عليه وسلم وهو قوله: "اللهم إني عبدك أو سيد الاستغفار أن يقول الإنسان: اللهم إني ظلمت في دعاء استغفار، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". رواه البخاري، الشاهد: "وأبوء بذنبي اعترف بذنبه، أنت ما تدري ما هو ذنبك، لكن اعترف، أظهر يا عبد الله، أظهر يا عبد الله أنك لست بمنزه ولست بمقدس، بل أنت عرض للخطأ والزلل". وكان كذلك من دعائه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي، خطأي وعمدي، قد علمت العمد الذي اقترفته يا عبد الله، لكن ما هو الخطأ؟ الله أعلم بخطأك، ومع ذلك تقول وتطلب من الله جل وعلا أن يتجاوز ما قد يكون عساه من خطأ وقع عن سبيل الخطأ". وأيضا ما جاء من دعائه عليه الصلاة والسلام: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت"، تستغفر ربك عز وجل حتى من شئت أنت لا تعلمها، لكن الله يعلمها أحصاها سبحانه وتعالى. فهذا المقام إخواني في الله من أعظم المقامات أن العبد يظهر ضعفه وعزه لأنه عرض دائما للزلل والخطأ، شعرت بهذا أو لم تشعر. الفائدة الثانية نستفيدها من هذا الحديث، أنه لا يصيبك العجب والغرور، وهذه داهية عظيمة، إذا رأى الإنسان من نفسه استقامة الحال وأنه على خير منوال في طاعة وعبادة، فربما تمالكه العجب والغرور فأعجب بنفسه، وهذا من الأمراض الخطيرة. يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: "ما رأيت في المصلين شيئا شرا من العجب، من أخطر الأمراض التي تنتاب أهل الصلاة وأهل الصلاة ما رأيت في المصلين شيئا شرا من العجب، يعجب بنفسه، يعجب بنفسه". ووجه العجب يرى أنه أفضل من غيره، هنا عبد الله صور من صور العجب حتى تعلم ما هو الضابط، الإنسان لربما الذي يؤتيه ربنا جل وعلا صلاحا وفلاحا وزكاة يجد أنه لا نظير لنفسه، لا نظير له، يرى نفسه لا نظير لها، فمن ذا الذي يدانيه؟ من ذا الذي يوازيه؟ من ذا الذي يساويه؟ لا أحد، لا أحد، فيتعاظم في نفسه مع احتقاره لغيره. من أنتم أهل الذنوب أهل معاصي أهل خطايا، أما أنا فلا، حتى يصل ببعضهم الحال كما جاء في ذلك الحديث عندما قال الرجل لأخيه: "والله لا يغفر الله لفلان"، عندما رأى من نفسه القمة في الطاعة والعبادة، وأنه دونه، وأن غيره دونه في ذلك، فانبهر وأعجب حتى تطاول على ربه فقال: "والله لا يغفر الله لفلان". فكان من أمره أن الله جل وعلا غفر لفلان وأحبط عمله، لأن العجب ذنب عظيم، كيف لا ترى نفسك قد وقعت في ذنب؟ أنت وقعت في أعظم الذنوب وهو العجب والغرور. كذلك من صور الإعجاب بالنفس وخاصة عند أهل الصلاح، من لربما تحدثه نفسه أنه من أهل الجنة وأنه لن يدخل النار، كيف أدخلها من أي باب؟ ما عصيت الله، ما اقترفت، أول الله الحمد، منعني الله من الكبائر وما وقعت في الجرائر وما أعلم شيئا من المبيقات، إلا أنه قد تنزهت عنها، وأنا محريص على الطاعات والعبادات، فلا زالت نفسه تحدث بذلك حتى يضمن لنفسه الجنة ولا يخاف من النار. قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: "من لم يخش على نفسه من النار فهو من أهل الغرور، لا تظنها تزكية، هذا غرور بالله سبحانه وتعالى". ومن هذا الباب إخواني في الله من ظن أنه سيبقى على ثبات حتى ساعة الممات، هذا ليس لك، ليس لك، فما أنت يا عبد الله إلا عرض للزلل وعرض للخطأ. الفائدة الثانية من هذا الحديث وهي أنه من ابتلي بسيئة ووقع في معصية، فعليه أن لا يسترسل فيها ولا يتمادى في تعاطيها، بل وجب الكف، وجب الكف، يكف عنها، وإن الاستمرار إخواني في الله في المعصية وهذا ملاحظ من هذا الحديث في قول النبي: "وأتبع السيئة الحسنة"، أنت مأمور إن وقعت في سيئة أن تأتي بحسنة، لا أنك تتبع السيئة بالسيئة، لا يا عبد الله، ما هذا الذي أمرت به؟ وإن هذا وإن هذا الطريق الذي يسير عليه كثير من الناس، أنهم يتمادون في فعل المعاصي والذنوب ويسترسلون فيها، من الأمور الخطيرة، وذلك لعدة أمور. الأمر الأول أن هذا ليس عليه فعل أهل الصلاح، ليس عليه أهل الصلاح، قال ربنا جل وعلا واصفا إياهم: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون". قال أهل التفسير: "هذه صفة من صفات عباد الله المتقين"، وانظر المتقي وإن كان متقي يكن عرضة للزلل، "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان"، نزغة من نزغات الشيطان، إما بفعل حرام أو بترك واجب يقع، فما هناك أحد معصوم. لكن العبر يا عبد الله كيف تتعامل مع هذا الخطأ؟ قال: "تذكروا"، يتذكر عظيم ما فعل، يتذكر عظيم من تطاول عليه بذنبه، تذكر بعظيم مخترف من سيئات وذنوب، "فإذا هم مبصرون"، استبصر ثم بعد ذلك أنار له الطريق ومشى واستقام على شريعة الله جل وعلا، لكن لا يتمادى، لا يتمادى. وقد جاء في قوله سبحانه وتعالى في آية أخرى واصفا أهل الإيمان: "ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"، لا تصر، لا تصر على ذنبك يا عبد الله، هذا ليس من فعل أهل الصلاح. لربما نرى الواحد منا نفسه من أهل الخير من أهل التقى، والله أعلم بالسرائر، لكن إن رأيت أن هذا من طبيعتك وأن هذا قد ابتليت به، اعلم أنك لست من المتقين، لأن المتقين إن ابتلي بمعصية أو زلة أو خطأ أو هنة، سرعان ما استبصر فترك ولم يتمادى ولم يصروا على ما فعلوا. وأيضا من الأخطاء والخطورة تكمن في التمادي في المعصية يا عبد الله، أن هذا مما جاء في حقه الوعيد، جاء في حقه الوعيد، كما جاء عند الإمام أحمد قال عليه الصلاة والسلام: "ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل للمصرين على ما فعلوا وهم يعلمون". ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل للمصرين على ما فعلوا، تهددهم الله على لسان نبيه بويل، ويل، فلا تسترسل يا عبد الله بفعل الذنب والمعصية، احذر أن تقع في ذلك. ومن الخطورة أيضا تكمن في هذه الباب يا عبد الله، وهو الذي يسترسل بفعل المعصية تلو المعصية ويتمادى فيها، أنه لربما إذا أراد أن يقلع عنها ما استطاع، وهذا الذي يفعله كثير منا للأسف، إذا ابتلي بمعصية وسيئة وأراد أن يقلع منها، يؤخرها، ليس الآن، ليس الآن، العمر مديد والوقت طويل، ولا زلت في مقتبل شبابي، إذا جاء الشيب وبلغت الخمسين والستين، حينها سأتوب إلى الله توبة نصوحة، فيتمادى، يتمادى. هذا الفعل إخواني في الله نعلم أنه من فعل الشيطان ومن تلبيسه على عباد الله، "إن الذي ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، الشيطان سول لهم وأملى لهم". قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: "سول لهم أي زين لهم القبيح"، سول أي زين لهم القبيح، هذا من فعل الشيطان يزين لك المعاصي، لكن نريد الكلمة الأخرى: "وأملى لهم"، قال علماء: "أملى من الإملاء وهو أنه يملي لهم في العمر يملي"، يقول: "على رسلك يا شاب، وين وين حلقات قرآن، مساجد، التزام، استمساك بالسنة، عادك بدري، لا زال معك من العمر طويل". وين يملي له في العمر يملي، يملي، فماذا يكون الذي يترتب على هذا الإملاء؟ الاستمرار، الاستمرار، حين يا عبد الله تأتي المشكلة العويصة، شاب، رجل، ابتلي بمعصية يزاولها، يزاولها، يتمادى بها، هو نعم، يحدث نفسه أنه بعد أمد سيقلع عنها. لكن انظر يا عبد الله إلى حال هذا العاصي مع ذنبه كحال المزارع مع نبته، مزارع رأى نبته طلب منه أن يقلعها، حرام، خلوها تعوها، يا قل الله وشيها شوك، سيسبان، مؤذي، أقلع، من الله، خلوها عادي، صغير، وإذا بعنا كبره يمكن أقلعها بكل سهولة، فهو يملي في العمر ويمني نفسه. لكن ما الذي يكون مع دوام العهد؟ هذه الشجرة وهذه النبتة تضرب في الأرض بعروقها ويقوم لها الجذع والغصون والأوراق، وهذا المزارع ما الذي يكون بالمقابل؟ يضعف، يضعف، قال حال البشرية، يصل إلى أرض للعمر، يضعف ويضعف، والشجرة تقوى، تقوى، تقوى، وهو يضعف، فيقال: أقلعها الآن، مستحيل، ما أستطيع، ما أستطيع. وهذا الذي يفعله بعض المصرين على المعاصي، هو كان بإمكاني من أول أمر ابتلي به، خزنقات مثلا، سار مع رفقة سيئة أو تعامل مع معاملة وهو في بداية طريقه، نهي، طلب أن يكف، كف يا عبد الله، لا تتمادى، فإذا يا أخي أمر سهل، أنا سأنظر، أنا سأنظر، التخزين الخفيف، لكن ما يدار إلا وهذه التخزينة أو تلك الصحبة أو تلك البلية استحكمت في قلبه حتى ضربت بجذورها في جذر قلبه، مع ضعفه، ضعف إيمانه، فما يستطيع يقلع منها حتى يموت وهو مبتلى بها. وسأل يا عبد الله من مات على سوء خاتمة، نسأل الله السلامة والعافية، من أعظم أدخله في هذا الباب الإصرار، الإصرار، ولهذا أمرك نبيك عليه الصلاة وسلام بقوله: "وأتبع السيئة الحسنة"، فلا تتمادى ولا تسترسل يا عبد الله بالمعاصي، إن وقعت في سيئة فعليك أن تكف عنها. ننتقل إخواني في الله إلى الفائدة الثالثة في هذا الحديث، الفائدة الثالثة المستفاد من هذا المقطع والذي قال فيه صلوات ربي وسلامه عليه: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، فيه أن من وقع في سيئة فعليه أن يتبعها بحسنة، فعليه أن يتبعها بحسنة. والسيئات إخواني في الله لها آثار لها آثار عظيمة وآثار جسيمة على العبد في الدارين في الأولى والآخرة، ففي الآخرة يبتل المذنب في قبره على قدر ذنبه، ثم يوم القيامة إن لم تشمله مغفرة الرب سبحانه وتعالى، فإن الله جل في علاه يعذبه في لظى، وما أدراك ما لظى، لا تذر ولا تبقي أحدا. وليس هذا فحسب، بل إن للمعاصي والسيئة لها آثار في الدنيا معجلة، وهذا ما يجدها المذنب والعاصي فاعل السيئة، بما يكون من تغير أحواله وانتكاس في أوضاعه، ما يجده مثلا بإصابته بأمراض وأسقام وآفات وعاهات فيه أو في أهله وعياله، هذا قد يكون من آثار السيئات. أو ما يبتلى به من شدة في المعيشة وصعوبة في الحياة، ومن فقر وضيق، أو ما يجده إخواني في الله من حرج الصدور وضيق القلوب وطراب النفوس، مع ما يتعتريه من الهم والكرب والضيق والغم، وهكذا قسي عبد الله، قسي عبد الله، فإن السيئات لها آثار في الدنيا. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فسر العلماء الفساد هنا بمعايش الناس من أموالهم وزروعهم وبحرهم وبرهم من قلة، من تغير الأوضاع، وهذا من تمامي وكمالي عدل الله جل في علاه. أم حسب الذين اشتهوا السيئات أن يجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم؟ ساء ما يحكمون، هذا لا يكون أبدا، لا يكون، رجل منغمس في الذنوب يتمادى في المعاصي، يجعل ربنا جل وعلا حياته ومماته كالتقي النقي العبد الصالح الزاهد؟ لا والله، لا يستون، ما يستوي هذا ولا ذاك، بل سيجد العاصي مغبة فعله وعواقب معصيته، يجدها في الدنيا أو يجدها في الآخرة. إذا ما هو الحل حتى تنفك عن هذه الآثار؟ اعمل عملا صالحا، قال نبينا: "وأتبع السيئة الحسنة تنحها"، تذهب الآثار، تزال عنك المخاطر، تزال عنك المخاطر، وإن مصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، تذهب السيئة، ما تبقى، لكن بماذا؟ بعمل الحسنات. وقد ضرب لنا نبينا صلى الله عليه وسلم مثلا رائعا في مدى تأثير الحسنة على السيئة في أنها تذهب عنك الضيق الذي ابتليت به، قال عليه الصلاة والسلام: "إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع قد خنقت، فعمل حسنا فانفكت حلقة، ثم عمل حسنا فانفكت أخرى، فإذا هو يمشي على الأرض". تأمل في هذا التمثيل البديع من رسول الله عليه الصلاة والسلام في حق الذي أتى بالسيئات، ضاقت عليه درع، كناه عن ضيق الحياة وعن ضيق الممات، وأن هذا الضيق لا ينفك يا عبد الله إلا بحسنة، فكلما عملت حسنة إن فكت عنك حلقة، حتى تفرج عنك ما أنت فيه. فالعمل الحسن إخواني في الله ينبغي أن تعمل، مع الإشارة إلى أمر أنت مأمور بعمل الحسن بعد السيئة، لكن ليس هذا فقط في تعاملك مع ربك جل وعلا، عملت معصية، حسنة، ذنب، حسنة، كبيرة، حسنة، تعمل هذا. لكن هل هذا المضمار فحسب؟ لا، زل على هذا المضمار، مضمار آخر في تعاملك مع الناس، يقع منك زلة، يقع منك خطة وهن، يقع منك سوء تعامل، فإن وقع ذلك منك عليك أن تأتي بالعموم، أن تتبع هذه السيئة -المعاملة السيئة- بمعاملة حسنة. فإن عثرت أنك قد أخطأت في تعاملك مع أهلك، مع قرابتك، مع والديك، مع أرحامك، مع جيرانك، مع أصحابك، ثم أردت أن تزيح هذه السيئة، اتبعها بعمل صالح، اتبعها بحسنة. قال مثال ذلك قال عليه الصلاة والسلام: "من لطم عبده أو ضربه بحد لم يأته، فكفارته أن يعتقه"، سيئة اتبعها بحسنة، اعتق عن رقبته، يكفيك هذا، كفار عن ذنبك. وجاء في صحيح مسلم أن أبا مسعود رضي الله تعالى عنه كان يضرب غلامه، قال: فسمعت صوتا من خلفي: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، لا الله أقدر عليك منك عليه"، قال: فالتفت فإذا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله أعتقه؟ قال: "أعتقه لوجه الله"، قال عليه الصلاة والسلام: "إن لم تفعل لنفحتك النار"، وفي لفظة: "لمستك النار". هذا الذي ينبغي، أسأت في التعامل، أصله، يا عبد الله، ما أفسدته، وقد روى الإمام أبو داود في سننه بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمر في قصة ذاك الرجل الذي أتى وأراد أن يبايع رسول الله على الهجرة، لكنه ترك أبويه يبكيان عليه، ترك أبويه يبكيان عليه، سيئة، ماذا أمره نبينا؟ أن يصلح، فقال: "ارجع إليهما، ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما"، يصلح العبد. وهذا أمر عظيم إخواني في الله، كما أنك قمت بكسر القلوب، عليك بجبرها، وإن قمت بجرح المشاعر، فلا يحرص على التآمها، وهذا باب واسع، باب واسع. فالشاهد: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، يكون في تعاملك، أكانت السيئة فيما بينك وبين الله أو فيما بينك وبين خلقه. ثم نأتي إلى ختام هذا المقام، وهي الفائدة الرابعة، يا ترى ما هي الحسنة المقصود بهذا الحديث؟ فقد قال عليه الصلاة والسلام: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها"، كلنا على طمع الآن، ما هي الحسنة التي إن فعلناها أذهب الله جل وعلا عنا آثار السيئة؟ اعلموا عباد الله أن الحسنة المقصود بها هي كل عمل صالح يقربك إلى الله ويقربك إلى مولاك جل في علاه، والأعمال الصالحة كثيرة وكثيرة جدا، لا هذا المقام ولا غيره من المقامات يستطيع على حصرها وشرحها والتفصيل فيها. لكن حسبي في هذا المقام إخواني في الله الإشارة إلى أهم الحسنات، إلى أهم الحسنات التي إن وفق لها العبد فقد حاز على الخير كله، أولاها: احرص على التوبة، إن فعلت ذنبا، فما هناك حسنة تمحو هذه السيئة بمثل مجيئك بالتوبة تتوب إلى الله. وقد جاء في بعض الآثار: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، التائب من الذنب كمن لا ذنب له، نعم، أورده جماع من العلماء مرفوعا لرسول الله، وإن كان بعض يصحح الوقف على ابن مسعود أنه من قوله، والأدلة الكثيرة دالة على صحته. فمن فعل سيئة عليه أن يأتي بتوبة، فهي حسنة عظيمة، والذي نعنيه بالتوبة هي التي تأتي مستوفية للشروط، ومن شروط التوبة العظيمة أولا: الندم، أنك تندم على ما اقترفت. وقد جاءت في بعض الآثار: "الندم توبة"، الندم توبة، فمن أعظم أركان التوبة الندم، تندم على ما مضى، تندم على ما اقترفت. ثانيا: أنك تكف، إذ أنه لا يعقل أنك تتوب وتعمل، كف عن ذنبك، وقد مر معنا في قولي تعالى: ﴿وَلَمْ يَصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾. ثالثا: العزم على عدم الرجوع إليها، لا تحدث نفسك أنك ستعود، هذا ليس بتوبة، وقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى أن من ترك الذنب على أمل أن يعود إليه هذا ليس بتائب. يأتي رمضان تقول: "الآن خاص شهر الصوم طاعة عبادة، يا معصية على جنب، لنا موعد في أول عيد الفطر بإذن الله على جنب"، تركها لكن على أمل أن يعود إليها، هذا التائب لا، هذا ليس بتائب، لأن العزم لا زال العزم موجود، تقلع عن الذنب مع العزم على عدم الرجوع إليه. وإن تعلق بفعلك السيء حق من حقوق الآدميين، وجب أن تتحلل من أصحابها وأن ترجع المظالم إلى أهلها، وهذا باب واسع. إذن عليك يا عبد الله بالتوبة، ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرءٍ﴾، ذكر العلماء أن من احتمالات هذه الآية في تفسيرها ما مصدق بالقرب، قال العلماء: "يحتمل أن يكون المنصود أن تكون التوبة قريبة، قريبة من صدور الذنب، فهذه من أنفع التوبات، لا تؤخرها، فعلت ذنبا تب إلى الله مباشرة، تب إلى الله لا تؤخر". فأولئك يتوب الله عليهم، وقد أخبر ربنا جل وعلا في كتابه ونبينا في سنته على أن من آثار التوبة، وهي من أعظم الحسنات، أنها تمحي السيئة، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، يغير الله جل وعلا تلكم السجلات وتلكم السيئات، يغيرها بعظيم الحسنات. فالتوبة من أعظم الحسنات، وقد صح كما جاء في الصحيح من حديث عائشة قال عليه الصلاة والسلام: "إذا أذنب العبد واعترف ثم تاب تاب الله عليه"، تاب، تاب الله عليه، فهذه من أعظم الحسنات الذي ينبغي أن تتبع بعد فعل السيئات. الحسن الثاني إخواني في الله: الحرص على إقامة الصلاة، وأعني بها الصلوات المكتوبات، فهي من أعظم الحسنات، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود وجاء من حديث أنس وعن غيرهما في أمر ذاك الرجل الذي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم عليه"، قال المفسرون الشراح: "الحد هنا أي أمر من المعاصي يتعلق بالتعزير". "إني أصبت حدا فأقم عليه"، قال أنس: "فحضرت الصلاة، قال: فصل الرجل معنا، فلما انتهينا من صلاتنا جاء الرجل، قال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم علي كتاب الله"، قال عليه الصلاة والسلام: "أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: إن الله قد غفر لك". "إن الله قد غفر لك"، الصلاة يا عبد الله أمرها عظيم جدا جدا، وخاص في تكفير الذنوب والسيئات، وقد جاء كذلك من حديث عبد الله بن سعود قال عليه الصلاة والسلام: "إنكم تحترقون تحترقون حتى إذا صليتم الظهر غسلتها، ثم إنكم تحترقون تحترقون حتى إذا صليتم العصر غسلتها، ثم ذكر نبينا باقي الصلوات الخمس". "تحترقون" أي بالذنوب والمعاصي وبالخطايا والسيئات، لكن تأتي هذه الصلاة تخفف عن ذنوبنا وعن سيئاتنا، احرص يا عبد الله على أدائها، لا تكن متهاولا بها، فالصلاة من أعظم الأعمال، وهي من أعظم الحسنات التي بها يمحي ربنا جل وعلا عن الذنوب والسيئات. والآثار في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدا، وأيضا يا عبد الله من الأمر الثالث من الحسنات التي بها يكفر عنك ما كان من السيئات ما كان من أمر الاستغفار، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. الاستغفار يا عبد الله أكثر من الاستغفار، فإن الاستغفار أمره عظيم، فهو من الحسنات التي يمحي بها ربنا السيئات، في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: "إن العبد إذا أذنب ذنبا قال: ربي اغفر لي، قال الله: أذنب عبدي ذنبا وعلم أن له رب يغفر الذنب، غفرت له". فيقع العبد في ذنب آخر، فإذا أذنب قال: رب اغفر لي، قال الله جل وعلا: "أذنب عبدي ذنبا وع