المحاضرة بعنوان العبر من قصة غرق فرعون ونجاة موسى، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ظهر الاثنين بتاريخ 10 محرم 1444هـ الموافق 8 أغسطس 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يروي قصة خروج موسى وبني إسرائيل من مصر وملاحقة فرعون لهم حتى البحر الأحمر، حيث أظهر موسى ثباتاً وإيماناً بوعد الله. يصف حالة الفزع التي أصابت أتباعه عند وصولهم البحر.
يجب على المسلم أن يتوكل على الله ويحسن ظنه به عند مواجهة الشدائد، لأن الله يجعل لعباده مخرجاً من كل ضيق كما حدث مع موسى. الثقة بالله تعين على مواجهة المحن.
يوم عاشوراء يوم نجاة موسى من فرعون، وقد أمر النبي بصيامه ويكفر ذنوب السنة السابقة. شكر الله يكون بالعبادات مثل الصيام والصلاة وقراءة القرآن.
يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله المطلع.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، إن مما يناسب ذكره في هذا المقام، ونحن في هذا اليوم العظيم من أيام الله، وهو اليوم العاشر من محرم، وهو المعروف بعاشوراء، إذ نتدارس وإياكم واقعة من الوقائع العظيمة التي ذكرها الله في كتابه، وذكرها المؤرخون في كتبهم، وهي ما لها تعلق بقضية موسى عليه السلام مع فرعون. هذه القصة وما دار وما جرى بين موسى وفرعون، ذكرها الله كثيرا في كتابه، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولذا فإن قصة موسى مع ما جرى مع فرعون وغيره من أعظم قصص الأنبياء التي تذكر في القرآن". الحديث عنها دائما يدلك، يا عبد الله، ويا أمة الله، على أن الصراع بين الحق والباطل دائم، لا ينقطع بديمومة السماء والأرض، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، فإن ذلك من النواميس الجارية ومن السنن الباقية. أن جعل الله جل وعلا لهذا الدين ولأهله أعداء، سواء كانوا من داخلها أو من خارجها، أي من داخل الملة أو من خارجها، أو كان من بني جلدتنا أو كان من غير جنسنا، من كل مرتد ومشرك كافر، ومن كل ملحد ماجن من إنس أو جان. فلا يخلو زمان من وجود حزبين، من حزب الرحمن وحزب الشيطان، وهذا لابد، فإنه مما ذكره ربنا جل وعلا من قصة موسى مع فرعون، عندما أراد موسى عليه السلام أن يأخذ قومه من بني إسرائيل، وأن يخرجهم من بلاد مصر، والتي حكمها فرعون بكفره وشركه، وقبل ذلك بشدته وبطشه. فأراد موسى عليه السلام أن يأخذ قومه، فأخرجهم ليلا حتى لا يشعر بهم أحد، وقد جاءت في الكتب العبرية، وجاء ما يؤيده من بعض الآثار عن بعض المفسرين، أن عدة أتباع موسى من بني إسرائيل الذين خرجوا معه، وهم ممن آمن به، كانت عدتهم ستة مئة ألف من الرجال والنساء. فخرج موسى عليه السلام بهذه الأعداد من أتباعه، أخرج بهم ليلا، عن موعده، وذلك حتى لا يشعر بهم أحد، إلا أن فرعون تفطن لذلك، وأخبر بأن موسى أخذ من قومه ومن شعبه هذه الفئة المؤمنة، فغضب، وأراد أن يدركهم. فخرج فرعون بجيشه العرمرم الضخم، بالخيول والعتاد والعدة، حتى يدرك موسى وقومه، فموسى عليه السلام بينما كان يمضي في حال سبيله، حيث أمره الله جل وعلا، إذ كان المنتهى إلى البحر، وهذا البحر كما قال علماء، هو بحر القلزم، هكذا كان يسمى بحر قلزم، ويسمى الآن بالبحر الأحمر. وافى موسى هذا البحر أمامه، حينها لما رأى أتباعه هذا الموقف، البحر أمامهم، وفرعون مع جيشه خلفهم، قال ربنا عن هذا الأمر: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. هذه النهاية الوشيكة، أين المفر؟ بحر خضم، ومن خلفنا جيش عرم، فنحن بين كفين، بين فكين، كماشة، كما يعبر عن هذا قولهم، إلا أن نبي الله موسى عليه السلام كان على خلاف ذلك، كان رابط الجأش، قوي القلب، مستيقنا بوعد الله، لأن الله جل وعلا هو الذي أمره، وإن الله جل وعلا لا يخلف الميعاد. فماذا قال حينها موسى؟ قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ثقة بالله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى مع عباده، وذلك متى ما كان العباد مع الله، احفظ الله يحفظك. وبهذا تعلم إخواني في الله، وعلينا نعلم جميعا، أن العبد المسلم متى ما فعل ما أمر الله جل وعلا به، ثم واجه من خلال هذه الطاعة وهذه العبادة من الأزمات ومن الشدة ومن الفتن والمحن، فليستوثق وليستيقن بوعد الله، وأن الله جل في علاه سيجعل له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا. ولهذا أم إسماعيل لما تركها إبراهيم عليه السلام في الوادي، تركها ثم ارتحل، وادي سحيق لا صديق فيه ولا إنس ولا شجر، المرأة خافت، فقط: "يا إبراهيم لمن تتركنا؟" وهو ساكت، لأن الله أمره بعدم الكلام معها، "يا إبراهيم لمن تتركنا؟ يا إبراهيم لمن تتركنا؟" حتى تفطنت لأمر ما، قالت: "يا إبراهيم الله أمرك بهذا؟ أخبرني الله أمرك بهذا بأن تضعني في هذا المحل؟" فأشار: "أين عم قد اذهب؟ فلن يضيعنا"، اذهب فلن يضيعنا، ما ضيع الله عباده، فمن فعل ما أمر الله جل وعلا بفعله لن يضيعها الله. فكن يا عبد الله مستيقنا بالله، لا يأتيك اليأس والقنوط والشك بقدرة الله جل وعلا، فقال موسى لما سمع الاضطراب من قبل أتباعه: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فحينها أوحى الله إليه أن أضرب بعصاك البحر، ففعل موسى ما أمره ربه، بعصا ضرب البحر، فانفلق. وجاء في روايات على ما يفسرها جماعة من العلماء، أن هذه الفرقة تعددت إلى إثني عشر طريقة، على عدد الأسباط، على عدد القبائل والعشائر الذين كانوا مع موسى، كل قبيلة ستسلك مسلكها، وأن الله سبحانه وتعالى أوقف هذا البحر بقدرته. وحين تعلم يا عبد الله قدرة الرب جل فعلا بيده ملكوت السماوات والأرض، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: "كن فيكون"، فركن يا عبد الله على عظيم سبحانه وتعالى. قال المفسرون: فدخل موسى، وقبل ذلك قالوا: كما جاء في بعض الروايات الإسرائيلية، أن الله جل وعلا أرسل ريحا، وفائدة هذه الريح أنها أيبست الأرض من تحتهم، حتى يستطيعوا المشي على أرضية البحر، فدخلوا، وكانت البحر بينهم كالجبال العالية، عن يمينهم وعن شمالهم البحر واقف. تخيل ينفلق البحر، ثم يقف محله، هذا طريق، وذاك طريق، وذاك طريق، والكل يمشي، آية من آيات الله جل وعلا، فحين اعلم يا عبد الله أن الله يجعل لك من كل ضيق مخرجا، لكن استيقن بالله. فيقول الله كما جاء في الحديث القدسي: "وأنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء"، فمتما أحسنت الظن بربك جل وعلا، فالله يجازيك على حسن ظنك. فلما مشى موسى عليه السلام، جاء فرعون من بعده، ورأى هذه الطرق أمامه، وموسى قد سبقه، فدخل بجيشه، ومن كان معه، وما تخلف أحد منهم، فلما تكامل موسى ومن معه خارجين، بينما تكامل فرعون ومن معه من الجيش داخلين، حينها أمر الله جل وعلا البحر الخضم أن يلتطم، فالتطم البحر. وما هناك أحد يخرج عن أمر الله جل في علاه، لا السماوات ولا الأرض ولا الجبال ولا البحار، كلها مخلوق لله جل في علاه، فأمر الله جل وعلا البحر أن يلتطم، فالتطم بفرعون ومن معه، فغشيهم من اليم ما غشيهم، وأغرق الله جل وعلا فرعون، وما نجى منهم أحد. وبنو إسرائيل ينظرون إلى هذه العاقبة، وإلى هلاك عدوهم، ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، قرة عين لكم يا بني إسرائيل، أن الله جل وعلا خسف بعدوكم، فأغرقه في اليم. وبهذا تعلم يا عبد الله أن الباطل لا يدوم، الباطل مهما علت وطغى واستكبر وافتخر، وأصبحت له صولة وجولة، فإن هذا لحين ولوقت معدود، فإن الباطل لا يدوم، هذا من سنن الله، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. فأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وأما الزبد فيذهب جفاءا، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، الخير والصلاح هذا باق، وأما الباطل فلا يدوم، فلا تغتر يا عبد الله إذا سلط عليك باطل، فاعلم أن نهايته إلى الزوال، ولا بد. فلما رأى موسى عليه السلام هذه المنة العظيمة، وهذه النعمة الكبرى، أن الله أهلك فرعون، قام موسى بأداء شكر الله، وما كان شكر موسى لربه إلا بصيام، صام، وبهذا تعلم يا عبد الله أن من جميل ما يفعله الإنسان المسلم إذا حباه الله بنعمة، أنك تتوجه إلى الله بالعبودية، هذا هو شكر لربك. ما أجمل هذا من الله عليك بمال، من الله عليك بذرية، من الله عليك بصحة، من الله عليك بعافية، من الله عليك بستر الحال، بحسن البال، بقوة الأبدان، بإحلال الأمن والأمان في ربوع البلدان والأوطان، نعم تترى، شكرها يا عبد الله، اجعلها عبادة، تشكر الله جل وعلا بما يكون من صلاة، من صيام، من نوافل، من قراءة القرآن، من حمد، من شكر. ومن هنا شرع سجود الشكر إذا أماد، إذا تراهم من نعمة الله عليك، تزجد لله شكرا، هذا شكر، أنعم الله عليك بزواج، فيسر لك الله امرأة صالحة، لا تكرس هذه النعمة بما حرم الله جل وعلا، بالمعاصي، بالذنوب، بالرقص، بالخلاعة، بالمجون، بالغناء، بالطرب، هذا ليس من شكر الله عز وجل، ﴿وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. شكر الله بأن تجعل هذه النعمة، وما كان على منوالها، في طاعة الله، بألا تسخط أو تجلب على نفسك سخط الله، فصام موسى عليه السلام هذا اليوم، هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى، ما هو؟ هو هذا اليوم الذي نحن فيه، عاشوراء. جاء في الصحيح من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صومهم لهذا اليوم، فقالوا: "إن هذا يوم عظيم، يوم أنجى الله موسى ومن معه، وأغرق فرعون ومن معه، وإن موسى عليه السلام صامه، ونحن نصومه"، صامه ونحن نصومه، هكذا يقول اليهود. ديننا، إخواني في الله، دين شامل، كامل، بل ديننا جامع لجميع الأديان والملل والكتب والرسائل، فما كان لأحد، لا لليهود ولا لغيرهم، أن يستعل علينا بعمل صالح أو بعمل فاضل، وأن يترفعوا بهذا العمل علينا، لا، لا هم ولا غيرهم. ولهذا لما سمع نبينا ذلك، قال: "نحن أولى بموسى منكم"، فصامه وأمر بصيامه، وهذا الأمر كما قال العلماء، أمر ندب واستحباب، كما جاء في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: "هذا يوم عاشوراء، يوم لم يكتب عليكم صيامه، وإني صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر". فدل إخواني في الله، أن هذا اليوم، ويوم عاشوراء، يوم عظيم، معظَّم عند شرعنا، وأن شكر الله سبحانه وتعالى يكون بهذا، بفعل هذه الشريعة السمحة، ألا وهي إتمام الصوم، زد على ذلك أن الله قد جعل لهذا اليوم مزية عظيمة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "إني لأحتسب على الله، أي في صوم يوم عاشوراء، أن يكفر السنة التي قبله". فتكفير ذنوب سنة خلت من صغائرها يكون، يا عبد الله، بإتمام صوم هذا اليوم، هذا الذي أوعد أن أذكره بمناسبة يوم عاشوراء، بذكر واقعة إنقاذ الله جل وعلا لعبده ولكليمه موسى عليه السلام. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.