المحاضرة بعنوان المجاهد من جاهد نفسه، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الثالثة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 13 ذو القعدة 1446هـ الموافق 11 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد المتحدث أن التفقه في الدين وطلب العلم من علامات إرادة الله الخير للعبد، مستدلاً بأحاديث نبوية تربط العلم بالجنة. ويبين أن أعظم الجهاد هو جهاد النفس على الطاعات وترك المعاصي، لأن الجنة حُفت بالمكاره والنار بالشهوات، فمن جاهد نفسه فاز بالجنة.
يشير المقطع إلى أن تزكية النفس بمجاهدة الشهوات والكسل شرط لفلاح المسلم وطالب العلم، مستشهداً بالآية الكريمة وأقوال السلف. ويختم بتحذير من التفريط في حضور مجالس العلم المتاحة مقارناً حال السلف المجتهدين بحال المقصرين اليوم.
يستعرض المقطع نماذج من همة العلماء القدامى كابن جرير الطبري والزهري ومالك بن أنس في السفر والتضحية لنيل العلم، مع التنبيه على تيسير سبل العلم اليوم وتقاعس كثيرين. ثم يورد ابن القيم أربع مراتب لجهاد النفس: طلب العلم، العمل به، الدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه.
يؤكد المقطع على ضرورة مجاهدة النفس في تحصيل العلم، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى في سبيله، مستشهداً بآيات الجهاد في الله. ويختتم بالدعاء بالتوفيق والقبول وأن يكون العلم حجة للعبد لا عليه.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك، وهذا المجلس الطيب، وهذه المشاركة في هذه الدورة العلمية النافعة في هذه الدار، دار الحديث في الشحر، التي يقوم عليها شيخنا العلامة المفضال أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر المرعي حفظه الله، ومن ينوبه من إخواننا المشايخ الفضلاء وطلاب العلم النجباء، فجزاهم الله جل وعلا خيرًا. فمعاشر المسلمين وطلاب العلم، إن من نعم الله سبحانه وتعالى على المسلم أن يوفق لطريق العلم وللتفقه في دين الله سبحانه وتعالى، ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين» متفق عليه من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه. فإذا وفقك الله عز وجل للتفقه في الدين وتعلم أحكام الشريعة، وكذلك تفهم معانيها ومقاصدها، فاعلم أن الله عز وجل أراد بك خيرًا، خيرًا دنيويًا وخيرًا دينيًا، خيرًا عاجلًا وخيرًا آجلًا. «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وسلوك هذه الطريق المباركة، وهذه الطريق الطيبة التي بها يتحصل المسلم على إرث نبيه عليه الصلاة والسلام، فإن نبينا عليه الصلاة والسلام لم يورث دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورث العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر. وسلوك مثل هذه الطريق لا شك أنها طريق فيها مشقة، وفيها صعوبة، وفيها عناء، وفيها تعب، تحتاج من المسلم إلى مجاهدة، أن يجاهد نفسه في طلب العلم وتحصيله ولزومه والاستمرار عليه، كما أنه مأمور بمجاهدة نفسه في طاعة الله سبحانه وتعالى عمومًا. ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، هو المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» رواه الطبراني عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه. المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، جاهد هذه النفس في لزومها لطاعة الله سبحانه وتعالى، جاهدها على المحافظة على الفرائض والواجبات. المحافظة على الصلاة تحتاج إلى جهاد، تحتاج إلى جهاد، كونك تترك فراشك، تترك نومك، تترك راحتك، يحتاج إلى مجاهدة النفس؛ تحب الكسل والخمول والتقاعس والركون، فأنت تجاهدها على طاعة الله سبحانه وتعالى حتى تبلغ بها أرفع المراتب. فالعبادة والطاعة والصلاة تحتاج إلى مجاهدة، كم من الناس الذين تغلبهم أنفسهم الأمارة، وكذلك يغلبهم الشيطان حتى يتركوا هذه الطاعة والعبادة، يفضل النوم على الصلاة، يسمع النداء لا يبالي، تقام الصلاة وهو على فراشه، تنتهي الصلاة وما زال نائمًا، هذا قد غلبته نفسه وسيطرت عليه حتى أصبح مطيعًا لها منقادًا لها ومتبعًا لهواه. وهكذا قل في سائر الطاعة: تجاهد نفسك على الصيام، تجاهد نفسك على الزكاة في إخراج ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليك من المال إن كنت من أهل الأموال، هذا الأمر يحتاج إلى مجاهدة لأن النفس تحب المال، {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}، فإخراج الزكاة والصدقة فيه مجاهدة للنفس، وتقديم ما أوجب الله على محبة ما تحبه النفس وتهواه. وهكذا تجاهد نفسك على طاعة والديك، على حسن الجوار، على صلة الأرحام، وهكذا تجاهد نفسك على طلب العلم وعلى لزوم مجالس العلم. فالطاعة ثقيلة على النفوس، تكره النفس لربما الطاعة والعبادة لأنها كما سمعتم تحب الخمول والركون، فلذلك تحتاج إلى أن تجاهدها وأن تتغلب عليها، ولا تتغلب عليك. النفس تكره كما سمعتم القيام إلى الطاعات والعبادات، وكما قال ربنا جل وعلا في الجهاد: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم قال: «حُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» حجبت الجنة بالمكاره، وفي رواية: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». تريد طريق الجنة والوصول إليها، بينك وبينها مكاره، أشياء تكرهها النفس، هذا حجاب بينك وبين الجنة، إذا تجاوزت هذا الحجاب وصلت إلى الجنة. ما هو هذا الحجاب؟ المكاره. المكاره: القيام للصلاة، المسارعة في طاعة الله، اجتناب المعاصي والمحرمات، الإقبال على قراءة القرآن، على ذكر الله، على مجالس العلم، إلى آخر ذلك. هذه مكاره، إذا تجاوزتها وصلت إلى الجنة، وشققت هذا الحجاب، فكنت من المفلحين. وحفت النار بالشهوات: شهوات النفس وملذاتها، وما تحب وما ترغب من المآكل والمشارب والملابس والمناكح واللعب واللهو، بينك وبين النار هذا الحجاب، حجاب الشهوات، إذا وقعت فيه وإذا فعلته فإنك تتجاوز هذا الحجاب إلى النار، عياذًا بالله. فانظروا كيف أن الجنة حفت بالمكاره، فلا بد أن تكره هذه النفس على طاعة الله وعلى لزوم طاعة الله، هذا جهاد، أعظم الجهاد: جهاد النفس. الجهاد مراتب كما ذكر ابن القيم رحمه الله: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين، وأعظم هذا الجهاد هو جهاد النفس؛ لأن الذي لا يستطيع أن يجاهد نفسه كيف سيستطيع أن يجاهد عدوه الذي هو خارج عنه؟ كيف بالعدو الذي بين جنبيه؟ فإذا جاهد نفسه استطاع أن يجاهد أعداءه من الشياطين والكفار والمنافقين. فأنت بحاجة عظيمة إلى أن تكون في جهاد مع هذه النفس، وربنا جل وعلا يقول: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}. أفلح من زكى هذه النفس بطاعة الله، ألزمها وأرغمها على عبادة الله سبحانه وتعالى، وعودها على الطاعة حتى ألفتها، هذا يزكي نفسه ويطهرها ويصفيها وينقيها، ويعلي بها إلى المراتب العالية. وقد خاب من دساها بالمعاصي والذنوب والشهوات وملذات الدنيا. وهذه النفس كما قيل: كالطفل، والنفس كالطفل، إن ترضعه شب على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم. النفس كالطفل، الطفل إذا عودته على الرضاع يبقى يريد أن يرضع، تمر السنتان والثلاث، ولو جعلته يستمر في الرضاع لربما رضع أربع سنين أو أكثر، لكن لو فطمته ومنعته يبقى أيامًا يبكي يصيح حتى يجد أنه لا سبيل إلى الرضاع، خلاص يقنع وينفطم. وهكذا النفس: النفس كالطفل، إن أرضعته شب على حب الرضاع، وإن فطمته ينفطم. إذا فطمت النفس عن شهواتها وملذاتها ورغباتها والكسل والخمول والتقاعس، فإنها تنفطم وتصبح معتادة على الطاعة وعلى العبادة وعلى الإقبال على ما ينفعها. فلذلك هذه الطريق والسبيل لا ينال المسلم وطالب العلم فيها بغيته إلا بمجاهدة نفسه، مجاهدتها على حضور مجالس العلم، على لزوم هذه المجالس، على الصبر على الجلوس، على الاستمرار، على المداومة، على الحفظ، على الفهم، على القراءة، على المراجعة، وإلا لن يبلغ مرتبته التي يريد ودرجته التي يتمنى. كما قال الإمام يحيى بن أبي كثير رحمه الله: «ميراث العلم خير من ميراث الذهب والفضة، والنفس الصالحة خير من اللؤلؤ، ولا يستطاع العلم براحة الجسد». أخرج هذا الأثر الإمام عبد البر في جامع بيان العلم وفضله. وقوله: «لا ينال العلم براحة الجسد»، ذكر هذه اللفظة الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه عندما ساق روايات أحاديث عبد الله بن عمر، أو حيث عبد الله بن عمر في ذكر مواقيت الصلاة، وقد تتبعها رحمه الله تتبعًا عظيمًا، فلما رأى ما وصل إليه من تلك الروايات وجمعها وذكر فوائدها، ذكر هذا الأثر: «لا ينال العلم براحة الجسد»، كأنه يقول: من أراد أن يبلغ مثل هذه المنزلة فلا بد أن يجاهد نفسه على طلب العلم. العلم ما ينال براحة الجسد، بالكسل والخمول، تريد أن تبلغ منازل العلماء، لا بد من مجاهدة ومجاهدة لهذه النفس، من سهر وتعب وتحمل وشقاء. يقول الزمخشري رحمه الله، وهو رأس من رؤوس المعتزلة، إلا أنه كان عالمًا في اللغة، وكان شيخنا مقبل رحمه الله كثيرًا ما يذكر هذه الأبيات ويستشهد بها، وهي قوله: سَهَرِي لِتَنْقِيحِ الْعُلُومِ أَحْلَى لِي ** مِنْ وَصْلِ عَانِقَةٍ وَطِيبِ عَنَاقِ وَتَمَايُلِي طَرَبًا لِحَلِّ عُوَيْصَةٍ ** أَشْهَى وَأَحْلَى مِنْ مُدَامَةِ سَاقِ وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الْفَتَاةِ لِدُفِّهَا ** نَقْرِي لِأُلْقِيَ الرَّمْلَ عَنْ أَوْرَاقِي أَأَبِيتُ سَهْرَانَ الدُّجَى وَتَبِيتُهُ ** نَوْمًا وَتَبْغِي بَعْدَ ذَاكَ لِحَاقِي يقول: أنا أسهر وأبيت في طلب العلم وتحصيله والمذاكرة، وأنت تبيت في نوم والسبات، وتريد أن تصل وتبلغ درجتي؟ أنى لك ذلك، أنى لك ذلك! لا بد من تعب، لا بد من بذل جهد، لا بد من بذل أوقات لتحصيل العلم. يقول الإمام أبو أحمس الوراقندي رحمه الله: «لا ينال العلم، أو لا ينال العلم إلا من عطل دكانه وخرب بستانه». لا ينال العلم إلا من عطل دكانه وخرب بستانه. والمعنى أنه يقبل على العلم إقبالًا كليًا حتى ينشغل بالعلم عن أمر دنياه، فلا يلتفت إلى دكانه، وربما أهمل بستانه والقيام بزراعته لانشغاله بالعلم، لانشغاله بالعلم والإقبال عليه إقبالًا عظيمًا. هكذا كان السلف رحمهم الله في جد واجتهاد ومجاهدة لأنفسهم في طلب العلم وفي تحصيله، ربما يقطعون المسافات الطويلة من أجل حديث واحد. الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله يقول: «إن كنت لأغيب الليالي من أجل حديث واحد»، من أجل حديث واحد يغيب على أهله ليالي وأيام يبحث عن حديث واحد. أحد السلف يقول: «سافرت من دمشق إلى مصر، ومن مصر إلى الحجاز، ومن الحجاز إلى العراق، ومن العراق إلى الحجاز، سبع سنين على قدمي»، على قدمه يمشي على قدمه في هذه الرحلة وهذه المسافات الطويلة في طلب العلم على قدميه، ما عنده ربما راحلة يركبها من أجل أن يتنقل من بلد إلى بلد، من أجل ماذا؟ من أجل طلب العلم. الإمام أبو العالية الرياحي رحمه الله يقول: «كنا بالبصرة فيبلغنا الحديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فما نكتفي بذلك حتى نركب الإبل وننطلق إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة». انظر إلى الصبر والجد والمجاهدة في طلب العلم، كيف يقطعون المسافات الطويلة، مسافات ربما تبلغ أشهرًا. تعرفون الرواحل في تلك الأزمان: الإبل، ليس ما عندهم سيارات فاخرة ولا باصات ولا طائرات، فبعضهم كما سمعتم بهذه الرواحل، وبعضهم مشيًا بالأقدام، مشيًا بالأقدام. وأنت ربما عندك العلم في مسجدك وفي قريتك، تقام دورة علمية كهذه الدورة، ثم لا تبالي، تقام الدروس وأنت معرض، تخرج لا تحضر ولا تستمع، هذا حرمان عظيم، حرمان عظيم. انظروا إلى حال السلف رحمهم الله وحرصهم على العلم ومجاهدتهم لأنفسهم، فمن أراد أن يبلغ هذا المبلغ لا بد أن يجاهد نفسه. ربما كان الواحد منهم ما يجد من يكفله حتى يقوم أو يتفرغ لطلب العلم، ولهذا كان السلف يقولون: «كشعبة من الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث: من طلب الحديث فليبشر أهله بالإفلاس». وكان يقول: «من رُؤي في بيته المحبرة فليرحمه، وإن كان في كمه شيء فأطعمه، إن كان في كمه شيء وكان جائعًا فأطعمه». يعني يقول: ارحم طالب العلم، لأن في ذاك الزمن كان طلاب العلم الغالب عليهم الفقر، وليس هناك من يتكفل بهم فيطعمهم الطعام ويقيم لهم مطبخًا كحال المراكز اليوم، نعمة عظيمة: مركز، مطبخ، أكل، شرب، نوم، ما شاء الله، مكفول من وإلى، ما عليك إلا أن تقبل على العلم وأن تجتهد في طلب العلم، ما تتعب تبحث لك عن طعام، الطعام موجود، هذه نعمة عظيمة، نعمة عظيمة. ومع هذا تجد التقاعس والتكاسل والخمول وعدم المبالاة وعدم الاهتمام. فالإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله، وانظروا إلى الهمة العالية ومجاهدة النفس على طلب العلم والحرص على ذلك، يقول: «ذهبت إلى مصر فما بقي أحد من أهل العلم إلا وامتحنني». وهذا كان من عادة العلماء في ذاك الزمن، إذا زارهم طالب العلم أو العالم امتحنوه واختبروه لينظروا مدى قوته في العلم ومدى فهمه لهذا العلم الذي يحمله. فجاءه رجل فسأله عن علم العروض، علم العروض الذي هو علم الشعر والقوافي، قال: وما كان عندي اشتغال بهذا العلم، ما كان عنده رغبة في تحصيل هذا العلم، فقال له: «انتظرني إلى الصباح»، انتظرني إلى الصباح. قال: ثم استعرت كتاب العروض للإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي، الإمام الخليل بن أحمد هو أول من وضع علم العروض، قال: فأخذت كتاب العروض، قال: فقرأته في تلك الليلة، فما أصبحت إلا وقد تعلمت علم العروض، ليلة واحدة، ليلة واحدة تعلم فيها علم العروض. انظروا إلى الهمة والرغبة، وكذلك مجاهدة النفس على تحصيل العلم. هل تعجب؟ يعني من تعلمه لهذا العلم في ليلة واحدة بقراءته لهذا الكتاب، أم تعجب من قوة فهمه حتى فهم هذا العلم من غير أن يدرسه على شيخ؟ فهكذا كان الأئمة رحمهم الله، لو تقرأ في تراجمهم في أخبارهم ترى العجب العجاب، يعني في همتهم في طلب العلم تحصيله، وفي الرحلة لطلب العلم. الإمام الزهري رحمه الله قال: «مكثت أربعًا وخمسين سنة أختلف بين الحجاز والشام»، قال: «فما يعني سمعت حديثًا في مكان استبعدته»، يقول: فما سمعت حديثًا في مكان استبعدته، إذا سمع الحديث في الحجاز وهو في الشام سافر من الشام إلى الحجاز حتى يسمع هذا الحديث، وصل الحجاز سمع حديثًا في الشام سافر من الحجاز إلى الشام، وهي مسافة يعني شهر من راحلة، وهو يتنقل في هذه السنين من حجاز إلى شام، همة عالية. وهكذا ينبغي أن نجاهد أنفسنا على طلب العلم، أقل شيء في بلادنا في مساجدنا، ما نقول ارحل، وإن كانت الرحلة تعني الأمور المستحبة المطلوبة في طلب العلم، لكن إذا وجد العلم في بلد الإنسان فالأولى أن يأخذ العلم في بلده، عندك العلم في مسجدك، عندك من يدرسك، عندك من يعلمك، فاحرص على حضور مجالس العلم. الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة يقول: «لا ينبغي لمن كان عنده العلم أن يترك التعلم»، لا ينبغي لمن كان عنده العلم أن يترك التعلم، العلم عندك وأنت لا تتعلم ولا تحرص على العلم، هذا لا ينبغي. الإمام مالك بن أنس الذي طلب العلم في أول أمره حتى بلغ به الأمر أن نقض سقف بيته فباع خشبه من أجل العلم، نقض سقف البيت، سقف بيته من الخشب، يحتاج إلى المال، نقض سقف البيت وباع الخشب حتى يطلب العلم، من يفعل مثله في هذا الزمان؟ أبدًا. اليوم وفي هذا الزمن أمور العلم ميسرة، ميسرة، ليست كالزمن السابق فيه شيء من الصعوبة، وفيه شيء من الشدة العظيمة، ومع هذا كما سمعتم تجد التقاعس والتكاسل، فلا بد أن نأخذ بهذه الأنفس وأن نجاهدها على طاعة الله وعلى لزوم العلم ومجالس العلم والحضور والصبر على مجالسة أهل العلم والفضل، إذا أردت أن تتحصل على العلم وأن تكون من أهل العلم لا بد من ذلك. الإمام ابن القيم رحمه الله ذكر في كتابه زاد المعاد قال: «مراتب الجهاد، جهاد النفس أربعة: المرتبة الأولى مجاهدتها على العلم والهدى، أن تجاهد على طلب العلم وعلى تحصيله، لأن بذلك يعني تسلم وتفوز بخير الدارين، ومن فاته ذلك فاته الخير كله». تجاهد نفسك على طلب العلم، طلب العلم عبادة وطاعة لا بد فيها من جهاد للنفس، تجاهد نفسك على العلم، على طلب العلم، كيف تجاهد نفسك على العلم؟ على حضور مجالس العلم والاستمرار والاستفادة والمداومة. ثم المرتبة الثانية: مجاهدتها على العمل، العمل بهذا العلم، لأن العلم وسيلة والعمل غاية، العلم شجرة كما يقال والعمل ثمرة، المقصود هو العمل، أنت تتعلم من أجل ماذا؟ من أجل أن يقال أنك عالم وأنك فقيه وأنك خطيب؟ لا، تتعلم من أجل أن تعمل بهذا العلم، ترفع الجهل عن نفسك وتعبد الله على علم وبصيرة، ثم تعلم الناس وترفع الجهل عنهم. ثم المرتبة الثالثة: الدعوة إلى هذا العلم، دعوة الناس، تدعوهم إلى الله جل وعلا وتعلمهم ما علمك الله من العلم والهدى، وإلا كنت ممن يكتمون العلم. ثم المرتبة الرابعة: الصبر على الأذى فيه، لأنك إذا سلكت هذه السبيل لا بد أن تؤذى، وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله أن يبتلوا وأن يمتحنوا، فلا بد من الصبر. قال: «فمن بلغ هذه المراتب الأربع كان من الربانيين»، قال: «وقد أجمع السلف أن العالم لا يكون ربانيًا إلا إذا عرف الحق وعمل به وعلم»، فمن علم وعمل وعلم، دُعي عظيمًا في ملكوت السماوات. فالمقصود أنك تحتاج إلى مجاهدة نفسك في العلم في تحصيله، ثم تجاهدها على العمل بهذا العلم، ثم تجاهدها على تبليغ هذا العلم والدعوة إليه، ثم تجاهدها على الصبر على الأذى في طريق العلم وتبليغه، وبذلك تكون ممن جاهد في الله، والله يقول: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}، ويقول سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجنبنا جل وعلا أسباب سخطه وعقابه، ونسأل عز وجل أن يعلمنا ما جهلنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعل ما تعلمنا حجة لنا لا علينا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدين، شكرًا للمشاهدين.