المحاضرة بعنوان أحكام الطلاق، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 14 صفر 1446هـ الموافق 8 أغسطس 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تستعرض المحاضرة الأصل في بقاء النكاح ومشروعية وسائل الإصلاح كالموعظة والهجر والتحكيم قبل الطلاق، مبينةً الأحكام الخمسة للطلاق من كراهة وتحريم واستحباب ووجوب وإباحة. كما تنفي صحة حديث "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" وتوضح ضوابط الطلاق السني والبدعي من حيث العدد والوقت.
يستعرض المقطع الاستثناءات الواردة على الطلاق البدعي كطلاق الحكمين والخلع، ويبين أنواع الفرقة الثلاثة: الطلاق والفسخ والخلع مع تفصيل أحكامها. ثم يوضح الفرق الجوهري بين الطلاق الرجعي الذي يملك فيه الزوج الإرجاع، والطلاق البائن، مع التمييز بين ألفاظ الطلاق الصريحة والكناية.
يشرح المقطع شروط صحة الرجعة في الطلاق الرجعي مشروطاً بالدخول والعقد الصحيح، ويبين حقوق المطلقة من نفقة وسكنى وحظر إخراجها. كما يوضح كيفيتي الرجعة بالقول أو بالفعل، وأنها حق للزوج وحده بشرط قصد الإصلاح مع استحباب الإشهاد.
يحدد المقطع مدد العدة في الطلاق الرجعي بثلاث حيض للحائض وثلاثة أشهر للآيسة والصغيرة ووضع الحمل للحامل. ويبين أن انقضاء العدة دون رجعة يحول الطلاق إلى بينونة صغرى تمنع الرجعة إلا بعقد جديد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك وهذا المجلس الطيب في هذا الجامع المبارك، جامع التقوى في مدينة الشحر، نتذاكر فيه شيئًا من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ننتفع به بإذن الله جل وعلا. وشكر الله لأخينا الأستاذ عمر برعية حفظه الله على حثه لآبائه وإخوانه في مقدمته وترغيبه لهم في الجلوس في هذه المجالس المباركة التي هي أحب المجالس إلى الله سبحانه وتعالى. وكما علمتم أن عنوان هذه المحاضرة: من أحكام الطلاق. فالشريعة ترغب في بقاء النكاح واستدامته واستقرار الحياة الزوجية بين الزوجين، وحصول ما تستقيم به الحياة من المودة والرحمة، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾. ولذلك إذا حصل شيء من الشقاق والنزاع والخلاف بين الزوجين، وهذه الأمور التي ربما لا يخلو منها بيت في الغالب أن يحصل شيء من ذلك، فالشريعة تحث على الإصلاح بين الطرفين والسعي إلى جمع الكلمة، وإلى حصول التوافق والترابط ورفع النزاع. فكما أنها تحث على الإصلاح عمومًا ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾، كذلك تحث على الإصلاح بين الزوجين خصوصًا. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾. هذه الآية نزلت في شأن سودة بنت زمعة أم المؤمنين زوج النبي عليه الصلاة والسلام، حينما خافت أن يفارقها النبي صلى الله عليه وسلم، فاصطلحت مع النبي صلى الله عليه وسلم أن تتنازل عن ليلتها لعائشة رضي الله عنها على أن تبقى في عقده عليه الصلاة والسلام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة ليلتين: ليلتها وليلة سودة التي تنازلت عنها. فأخبر الله عز وجل في هذه الآية أن المرأة إذا خافت من زوجها نشوزًا، أي ترفعًا عليها وعدم رغبة فيها، أو إعراضًا، أي إعراضًا عنها وعدم مبالاة بها، وهي ترى أن بقاءها معه أصلح لها، بقاءها معه في عقده أصلح لها، فلا بأس أن تصلح معه، ولو أن تتنازل عن شيء من حقوقها من باب الصلح والبقاء على عقد الزواج وعدم حصول الطلاق والفراق. ومن ذلك أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾. المرأة الناشز هي التي تترفع على زوجها، فلا تطيعه ولا تسمع كلامه ولا تنقاد له. قال الله جل وعلا: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾. إذا نشزت المرأة على زوجها وأصبحت مترفعة عليه، لا تطيعه، لا تسمع كلامه، لا تنقاد له، فالله جل وعلا أمرنا أن نستعمل معها هذه الطرق الثلاث: الأمر الأول: الوعظ، أنك تعظها، تذكرها بالله أن هذا لا يجوز، الواجب عليك أن تطيعي وأن تسمعي وأن تنقادي وأن لا تعصي. فإن لم تنفع الموعظة، فالأمر الثاني: وهو الهجر، والمراد به الهجر في البيت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تهجر إلا في البيت». يهجرها في البيت، يعطيها ظهره عند النوم، أو ينام في غرفة أخرى، المهم داخل البيت، حتى تعود إلى رشدها وتترك النشوز. فإن لم ينفع الهجر، فالأمر الثالث: وهو الضرب، والمراد به الضرب الخفيف، الضرب اليسير الذي لا يكسر عظما ولا ينزع لحما. قال بعض أهل العلم: يضربها بالمسواك، بطرف العمامة. المقصود أنه ضرب تأديب، المرأة عاطفية، إذا ضربها زوجها ولو بضرب خفيف فإنها تتألم من ذلك، فلعلها أن تعود إلى رشدها وأن تفوق من غفلتها. فإن لم تنفع هذه الطرق الثلاث، يأتي الأمر الرابع: وهو أمر الإصلاح بين الطرفين. قال الله جل وعلا: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾. إذا ما نفعت هذه الطرق بين الزوج وبين زوجته في البيت، هذا في حدود الزوجين في بيتهما قبل أن يتدخل أهل الزوج وأهل المرأة. إن لم تنفع هذه الطرق الثلاث، فهنا يؤتى بحكم، يأتي الزوج بحكم من أهله، وتأتي المرأة بحكم من أهلها، ثم يتشاورون ويتفقون وينظرون ويسعون في الإصلاح، إن أراد الإصلاح وفق الله بينهما وأصلح بينهما. وإن لم ينفع الإصلاح، فلا علاج بعد ذلك إلا الطلاق والفراق. فالطلاق جعله الشرع في آخر الحلول، في آخر الحلول، كما يقال: آخر العلاج الكي. وآخر العلاج الكي. وأما قبل ذلك فبقدر المستطاع أن يسعى الزوجان فيما بينهما للإصلاح فيما بينهما. إن لم يتم ذلك، فالحكمان من الأهل يسعيان في الإصلاح. فإن لم ينفع ذلك، فآخر الأمر هو حصول الطلاق. فالطلاق جعله الشرع يعني فاصلا بين الزوجين في الحالة التي لا يمكن استقرار الحياة الزوجية بين الزوجين، فلا الرجل يطيق البقاء مع المرأة، ولا المرأة تطيق البقاء مع الرجل، فحينئذ الحل هو الطلاق، أن يفارقها ويطلقها. والطلاق لغة مأخوذ من الإطلاق، وهو الإرسال، من الإطلاق وهو الإرسال، فيقال: فلان طلق اليد، يعني كثير البذل والعطاء والصدقة والإنفاق. وشرعًا: هو حل عقد النكاح، هو حل عقد النكاح. وحكم الطلاق: ذكر أهل العلم أنه تجري فيه الأحكام الخمسة، تجري فيه الأحكام الخمسة. فقد يكون الطلاق مباحًا، وهذا عند حاجة الزوج إلى الطلاق، إذا احتاج أن يطلق امرأته، رأى أنه لا يستطيع أن يبقى معها وأن يديم عشرته معها، فيباح له أن يطلقها: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾. وهنا يكون مباحًا. لكن حديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، هذا الحديث رواه أهل السنة من حديث ابن عمر، وهو حديث ضعيف، حديث ضعيف، رجح الحفاظ فيه الإرسال، كأبي حاتم والدارقطني والبيهقي والخطابي وغيرهم. نعم، فهذا لا يصح. لكن الطلاق قد يكون مباحًا، وقد يكون مكروهًا، متى؟ إذا كانت الحياة مستقرة بين الزوجين، إذا كانت الحياة مستقرة بين الزوجين، ففي هذه الحال يكره للزوج أن يطلق زوجته، لأنه سيحصل بهذا تشتيت الأسرة وتفريقها، وخاصة إذا كان هناك أولاد، سيتشتت الأولاد بسبب هذا الطلاق وهذا الفراق. فجمهور العلماء يقولون: في مثل هذه الحال يكره الطلاق. وذهب بعض أهل العلم إلى التحريم، ومذهب أبي حنيفة رحمه الله، واستدل بقول الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾، إذا كانت تطيعك وتسمع لكلامك وتنقاد لك، فليس لك عليها سبيل. لكن قول جمهور أهل العلم هو الصواب، أنه في هذه الحال يكره ولا يحرم. الحكم الثالث: هو الاستحباب، قد يكون الطلاق مستحبًا، وذلك إذا طلبت المرأة الطلاق، ورأت أنها لا تستطيع أن تستمر في الحياة الزوجية مع زوجها، وضاقت بها الأمور، فيستحب له في هذه الحال أن يطلقها. وقد يكون الطلاق محرمًا، قد يكون الطلاق محرمًا، وذلك إذا كانت المرأة حائضًا أو نفساء، فيحرم عليه أن يطلقها في هذا الحال، وهذا يسمى الطلاق البدعي، كما سيأتي. أو يكون في طهر قد جامع فيه، فالطلاق في هذه الحال يحرم. وقد يكون واجبًا، وقد يكون واجبًا، وذلك مثل الإيلاء، وهو إذا حلف الزوج أنه لا يأتي امرأته أربعة أشهر أو أكثر، يقول: والله لا أقربك ستة أشهر أو سنة، ما سأجامعك ولا أنام معك. هذا يسمى إيلاء، يحلف الزوج أنه لا يقرب زوجته أكثر من أربعة أشهر، فهذا حكمه أنه إذا مضت الأربعة الأشهر، وطلبت المرأة حقها من الفراش، يقال له: تعال، إما أن ترجع إلى امرأتك وتجامعها وتكفر عن يمينك، وإما أن تطلق، يجب عليك أن تطلق. لأن الله عز وجل يقول: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. يقال له: إما أن ترجع إلى امرأتك، لأن في ذلك ضررًا في حق المرأة أن يمنعها حقها من الوطء والفراش، في الأجل يرفع الضرر عنها، حكم الشرع بأنه بعد مضي أربعة أشهر عليه أن يأتي ويرجع، فإن أبى يلزم بالطلاق، فإن أبى أن يطلق طلق عنه الحاكم، فإن أبى أن يطلق طلق عنه الحاكم. إذن الطلاق في هذه الحال يكون واجبًا. وأيضًا يجب فيما إذا وقعت المرأة في الفاحشة والزنى، إذا زنت المرأة الزوجة، وحصل ذلك منها، فهنا يجب على الزوج أن يطلقها، ما يبقيها عنده حتى لا يكون ديوثًا، لأن الديوث هو الذي يرضى بالخبث في أهله، إذا أبقاها وهي تزني، معنى هذا أنه يرضى بالدياثة والخبث، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة ديوث»، الديوث الذي يرضى بالخبث في أهله. وهنا يفارق، يكون الطلاق عليه في هذه الحال واجبًا. طيب، ثم الطلاق ينقسم إلى قسمين، له أقسام باعتبارات متعددة، فهو ينقسم من حيث الوقت والحال الذي يوقعه الزوج على زوجته إلى قسمين: إلى طلاق سني، وإلى طلاق بدعي. إلى طلاق سني، وإلى طلاق بدعي. الطلاق السني: أن يطلق الرجل، ويكون أيضًا له اعتباران: من حيث العدد، ومن حيث الزمن والوقت. من حيث العدد، ومن حيث الزمن والوقت. فمن حيث العدد: فالطلاق السني أن يطلق الرجل امرأته طلقة واحدة، أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يجامع فيه، ولا يتبعها بطلقة أخرى حتى تنتهي عدتها، حتى تنتهي عدتها. قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾، والمراد بعدتهن أي في طهرهن، في حال طهرها، كما جاء عن ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم. ولأن ابن عمر رضي الله عنهما لما طلق امرأته وهي حائض، أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يراجع امرأته، وأن يمسكها حتى تطهر من حيضتها، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم يطلقها إن شاء قبل أن يمسها، فيطلقها في طهر لم يجامع فيه. هذا يسمى عند أهل العلم بالطلاق السني. من حيث العدد: تكون طلقة واحدة، لا يتبعها بطلقة أخرى حتى تنقضي عدتها. ومن حيث إيقاع الطلاق في الوقت والزمن: أن تكون في طهر لم يجامع فيه، في طهر لم يجامع فيه. ويجوز أن يطلقها وهي حامل، يجوز أن يطلقها وهي حامل، قد تبين حملها. واختلف العلماء: هل يسمى هذا الطلاق سنيًا أو لا يسمى سنيًا؟ الخلاف في اللفظ، لكن من حيث المشروعية هو مشروع، لأن في بعض روايات ابن عمر قال: «ثم ليطلقها إن شاء طاهرا أو حاملا»، ثم ليطلقها إن شاء طاهرا أو حاملا. هذا الطلاق السني، وهو الواجب على المسلم إذا أراد أن يطلق امرأته أن يطلق في مثل هذا الحال. والطلاق البدعي: كذلك يكون باعتبارين: من حيث العدد، ومن حيث الوقت والزمن. فمن حيث العدد: أنه يطلق امرأته أكثر من طلقة، أن يطلق امرأته أكثر من طلقة في طهر واحد، هذا يسمى طلاقًا بدعيًا. مثلا: طلقها في الصباح طلقة، ثم في الظهر طلقة، ثم في المساء طلقة، كله في طهر واحد. أو اليوم طلقة، واليوم الثاني طلقة أخرى، واليوم الثالث طلقة ثالثة، هذا يسمى طلاقًا بدعيًا. الواجب أن يطلقها طلقة واحدة فقط كما سمعتم في الطلاق السني، حتى تنتهي العدة، فإذا راجعها وطلقها مرة أخرى، يطلقها في طهر لم يجامع فيه. ومن حيث إيقاع الطلاق في الوقت والزمن: أن تكون في طهر لم يجامع فيه، فإن طلقها في طهر قد جامع فيه، فإنه يكون طلاقًا بدعيًا، يكون طلاقًا بدعيًا. أو يطلقها وهي حائض في وقت حيضتها، فهذا أيضًا طلاق بدعي، يعتبر طلاقًا بدعيًا. لماذا نهى الشرع عن طلاق المرأة في حال الطهر الذي جامع فيه، وفي حال حيضها؟ أنه إذا طلقها في طهر جامع فيه، ربما تحمل هذه المرأة من هذا الجماع الذي حصل، فإذا طلقها بعد ذلك وتبين حملها، قد يندم، قد يندم الزوج على طلاقه لمرأته لكونها قد حملت وهو يرغب في الولد، وقد حصل الطلاق والفراق، فقد يصعب بعد ذلك حصول الاجتماع وحصول التلاقي، فلهذا نهى الشرع أن يطلق في طهر جامع فيه. وأما كونه حرم الشرع الطلاق في حال الحيض، لأنه ستطول عدة المرأة، إذ أن عدة المرأة إذا كانت حائضًا: ثلاث حيض، عدتها ثلاث حيض. فإذا طلقت في وسط الحيضة، هنا ستنتظر حتى تطهر من هذه الحيضة، ثم تستقبل الطهر الذي بعده، ثم بعد ذلك تستقبل أول الحيضة التي بعدها، وهي من أوائل ماذا؟ عدتها وأقرائها. وحينئذ ستبقى ثلاث حيض ونصف، والله يقول: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾، أي ثلاث حيض، ثلاث حيض. فإذا طلقت في حال الحيضة، لم تعتد بهذه الحيضة، فتنتظر، سيزيد عليها طهر وتزيد عليها هذه الحيضة، ثم تستقبل ماذا؟ عدتها بعد ذلك. فبدل من أن تبقى ثلاث حيض، ستبقى أكثر من ذلك. فلذلك نهى الشرع عن طلاق المرأة في حال، في حال حيضها. إذن هذا الطلاق السني، وهذا الطلاق البدعي. الطلاق البدعي: كنا أن يطلق أكثر من طلقة في طهر واحد، وأن يطلقها في طهر جامع فيه، أو أن يطلقها وهي حائض، أن يطلقها وهي حائض. لكن استثنى أهل العلم في طلاق الحائض بعض المسائل التي قد تطلق فيها المرأة وهي حائض، ولا يكون الطلاق بدعيًا، ولا يكون الطلاق بدعيًا. من ذلك: ما لو حصل الطلاق من جهة الحكمين، من جهة الحكمين، عندما حصل النزاع والشقاق بين الزوجين، وجاء الحكمان من جهة الزوج ومن جهة المرأة، وأراد الإصلاح فلم يتوصل إلى الإصلاح، فقضي بالطلاق، فطلق في ذلك الحال وهي حائض، لا يسمى هذا الطلاق بدعيًا، لأنه وقع في حال الحكم، فحينئذ استثناه العلماء من الطلاق البدعي. كذلك أيضًا: ما لو ألزم الزوج بالطلاق من أجل الإيلاء، عندما حلف أنه لا يأتي امرأته، ومضت الأربع الأشهر، وطالبت المرأة بحقها، وأمر الحاكم الزوج بالرجوع إلى امرأته، فأبى، فألزمه بالطلاق، فطلق في ذلك الحال وهي حائض، فلا يسمى هذا الطلاق بدعيًا، لا يسمى بدعيًا. كذلك أيضًا: ما لو حصل في أثناء الخلع، في أثناء الخلع بين الزوجين. لأن الفرقة بين الزوجين لها ثلاث صور وأنواع: النوع الأول: الطلاق، ويكون من جهة الزوج، يكون من جهة الزوج، الطلاق بيد الزوج، وهذه من حكمة الشريعة أنها جعلت الطلاق بيد الزوج وليس بيد المرأة، لأن الزوج أكمل عقلًا، وكذلك أشد غيرة، بخلاف المرأة، عاطفية، متسرعة، متهورة، لو كان الطلاق بيدها لربما طلقت زوجها في اليوم عشر مرات، كلما غضبت قالت: أنت طالق، كلما غضبت قالت: أنت طالق. لكن الطلاق بيد الزوج، فهو الذي يطلق. الفرقة الثانية: وهو الفسخ، ويكون من جهة الحاكم، إذا فسخ النكاح بين الزوجين. والفرقة الثالثة: تكون من جهة المرأة، وهو الخلع، وهو الخلع. تخلع المرأة زوجها إذا ضاقت بها الحياة مع زوجها، وما استطاعت أن تعيش معه، ولا كذلك تحملت البقاء معه، إما لسوء خلقه، ولسوء عشرته، وإما لكراهيتها له. الخلع قد يكون بسبب سوء خلق الزوج أو سوء عشرته، ربما لا تطيق المرأة البقاء مع زوجها على هذا الحال، فهنا أجاز لها الشرع أن تختلع منه. والخلع: يعني مأخوذ من خلع الثوب، لأن كل من الزوجين لباس للآخر: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾، فلهذا سمي خلعًا، كأن المرأة تخلع الزوج كما تخلع ثيابها، وتفتدي نفسها منه. وهو شرعًا: فرقة من جهة المرأة بعوض، بألفاظ مخصوصة، تفتدي المرأة نفسها من زوجها، ربما تضيق بها الحياة، تقول له: طلقني، ما يطلق، ما يريد أن يطلق، وهي ما تستطيع أن تعيش معه، ما تفعل؟ تقول: أفتدي منك، أعطيك مهري الذي أعطيتني، وأختلع منك. قال الله جل وعلا: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾، هذه الآية المراد بها الخلع، فإن خافا ألا يقيم حدود الله فيما بينهما من الطاعة وحسن العشرة والمودة والرحمة إلى آخر ذلك، فهنا تفتدي المرأة نفسها بأن تعطي زوجها ما أعطاه لها، ترد له المهر الذي أعطى، وتختلع منه. وأول خلع حصل في الإسلام: في امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه، لما جاءت للنبي عليه الصلاة والسلام، قالت: يا رسول الله، إني لا أعيب ثابتًا في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، أو بعد الإسلام، يعني كفر العشيرة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتردين حديقته؟» وقد أعطاها مهرًا حديقة، قالت: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذ الحديقة»، في رواية: «وطلقها تطليقة»، لكن هذه الرواية الصحيحة أنها رواية شاذة، رواية شاذة. فالمقصود أنه إذا حصل الخلع، وهو من جهة المرأة، فردت المرأة ما أعطاها زوجها من مهر، ما أعطاها زوجها من مهر، حتى تفدي نفسها منه، فهنا تنفصل عن زوجها، تنفصل عن زوجها. إذا كانت حائضًا في هذه الحال، لا يسمى هذا فراقًا بدعيًا أو طلاقًا بدعيًا، لو طلقها، اختلعت، وقال: أنت طالق، لا يسمى طلاقًا بدعيًا، لا يسمى طلاقًا بدعيًا. هذا الشاهد: أنه إن وقع الطلاق في حال الخلع، فلا يسمى طلاقًا بدعيًا. طيب، عرفنا الآن الطلاق السني والطلاق البدعي. إذا حصل الطلاق، ما الذي يترتب على الطلاق؟ الطلاق ينقسم كذلك إلى قسمين: إلى طلاق رجعي، وإلى طلاق بائن. إلى طلاق رجعي، وإلى طلاق بائن. الطلاق الرجعي: هو الذي يملك فيه الزوج إرجاع زوجته. الطلاق الرجعي: الذي يملك فيه الزوج إرجاع زوجته. كيف إرجاع زوجته؟ يعني يطلقها. طبعًا الطلاق الرجعي: إذا طلق الرجل امرأته طلقة واحدة، طلقة واحدة، قال: أنت طالق، أنت طالق. طبعًا الطلاق يعني له ألفاظ صريحة، وله ألفاظ كناية. الألفاظ الصريحة: لفظ الطلاق وما تصرف منه: أنت طالق، أنت مطلقة، طلقتك، ونحو هذه الألفاظ، هذا يسمى الطلاق صريحًا، طلاق صريح. وألفاظ الكناية: وهي الألفاظ المحتملة للطلاق وعدم الطلاق، ليس صريحة في الطلاق، لكن تحتمل، مثل: أنت خلية، أنت برية، لا علاقة لي بك، ما بيني وبينك قد انتهى، الحقي بأهلك. هذه الألفاظ تسمى ألفاظ كناية، تحتمل الطلاق وعدم الطلاق. ما الفرق بينهما؟ أن الألفاظ الصريحة يقع بها الطلاق، الألفاظ الصريحة يقع بها الطلاق، حتى يقول بعض العلم: وإن لم ينوي الطلاق، ماذا تلفظ بلفظ الطلاق يقع الطلاق. وأما ألفاظ الكناية، فلا يقع بها الطلاق إلا إذا نوى، إذا نوى الطلاق صار طلاقًا، وإن لم ينوي الطلاق فلا يكون طلاقًا. ويدل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل على ابنة الجون، كما في الصحيح، فقالت له: أعوذ بالله منك، قالت: النبي عليه الصلاة والسلام: أعوذ بالله منك، قال: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك»، وصرحها، وصار طلاقًا. قال: لا، الحقي بأهلك، وأصبح هذا اللفظ طلاقًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نوى به الطلاق. وفي قصة كعب بن مالك وصاحبيه، لما تخلف عن غزوة تبوك، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم، ثم أمرهم أن يهجروا نساءهم، فلما جاءه الرسول من عند النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول له: إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تهجر امرأتك، قال: أطلقها؟ يعني: هل يأمرني أن أطلقها؟ قال: لا، ولكن لا تقربها، لا تقربها. فقال لها: الحقي بأهلك، ولم يعتبر هذا طلاقًا، واللفظ نفسه: الحقي بأهلك. وهنا: الحقي بأهلك، تلفظ به النبي عليه الصلاة والسلام، عد طلاقًا، وتلفظ به كعب بن مالك، ولم يعد طلاقًا، لأن هذا اللفظ ليس بصريح، فهو من ألفاظ الكناية، يحتمل الطلاق ويحتمل عدم الطلاق، فلا بد فيه من نية الطلاق. نرجع إلى ما يتعلق بالطلاق الرجعي. قلنا: طلاق الرجعي: أن يطلق الرجل امرأته طلقة واحدة، وأن تكون هذه المرأة مدخولًا بها، قد دخل الرجل على امرأته. أما غير المدخول بها، لا يملك الرجل إرجاعها. غير المدخول بها، لا يملك الرجل إرجاعها. إذا عقد الرجل على امرأة، وقبل أن يدخل بها طلقها، ثم يقول: راجعتك، لا، ما يملك إرجاعها. المرأة قبل الدخول عليها لا يملك الرجل إرجاعها، لأنه ليس عليها عدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾، ما عليها عدة، لها أن تتزوج مباشرة، أول ما يطلق تتزوج واحد آخر، ما عليها عدة، وحينئذ كيف يملك إرجاعها؟ ما يملك إرجاعها. إذا لابد أن تكون المرأة الرجعية، المطلقة رجعيًا، أن تكون ممن قد دخل عليها زوجها. كذلك أيضًا: أن يكون قد تزوجها بنكاح صحيح، وأما إذا كان النكاح فاسدًا، فإنه لا يملك إرجاعها، لأن النكاح الفاسد، الطلاق كذلك يعتبر فاسدًا، فلا يحصل هنا رجوع في طلاق فاسد. إذا لابد أن يكون النكاح نكاحًا صحيحًا. أم تزوج امرأة مثلا بلا ولي، هذا نكاح فاسد، إذا قال: راجعتك، ما يصح الرجوع، لأن النكاح من أصله فاسد، وما بني على فاسد فهو فاسد. طيب، طيب، إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا رجعيًا، قال لها: أنت طالق، قال لها: أنت طالق، ما الذي يترتب على الطلاق الرجعي؟ يترتب على الطلاق الرجعي أن هذه المطلقة ما زالت زوجة، تعتبر ما زالت زوجتك، لها ما لغيرها من الزوجات من النفقة والسكن، وكذلك عدم إخراجها من بيتها، ولها أن تتزين لزوجها، ولها أن تتزين لزوجها. قال الله جل وعلا: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾. أي: لا تخرجها من بيتها، لا يجوز للرجل إذا طلق امرأته طلاقًا رجعيًا أن يخرجها من البيت، اذهبي عند أهلك، يطردها، خطأ. ولا المرأة تخرج، ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾، ما تخرج هي من نفسها، حتى لو طلقها تبقى، ما تخرج. لو قال لها: اخرجي، تقول: ما أخرج، هذا بيتي، ما زلت في عصمتك، ما أخرج. لكن المصيبة اليوم: أدنى نزاع وأدنى شقاق أو خلاف، حتى ما في طلاق، تحمل المرأة أمتعتها، وعلى طول إلى بيت أهلها، هذا خطأ. فضلا ما إذا طلقها، فضلا ما إذا طلقها، من باب أولى أنها تحمل عفشها ومباشرة إلى أهلها، هذا خطأ كبير. لماذا؟ الله عز وجل يقول: إيش بعد ذلك؟ ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾. إيش المراد بهذا الأمر؟ هو التوافق والرجوع. ربما غضب الزوج فطلق وتعجل، ثم يندم بعد ذلك، إذا كانت المرأة موجودة، الحمد لله، صار الرجوع هذا سهلًا، ويعصر بعد ذلك التوافق والتراضي، ويطلب العفو من زوجته، وتستقيم الأمور، وتستقيم الحياة. لكن لو خرجت وذهبت عند أهلها، وقام أهلها معها، تصعب الأمور، وتشتد المشكلة، وتعظم، ولا يستطيع ربما بعد ذلك أن يرجعها إلى بيته، لا يستطيع أن يرجعها إلى بيته، هذا بسبب هذه المخالفة لهذه الأحكام الشرعية. فإذن: المطلقة رجعيًا لها النفقة، ولها السكنى، ولها ما لغيرها من الزوجات، لا يسقط من حقها إلا القسم، لو كان عنده أكثر من زوجة وطلق أحد الزوجات، يسقط حقها من القسم فقط، من المبيت، أما بقية الأمور من النفقة والسكن إلى آخره، فهي كغيرها من الزوجات، فهي كغيرها من الزوجات. يعني ينتبه لهذا الأمر، ولهذا قال أهل العلم: لها أن تتزين له، لعله أن يرجع، لعله أن يرجع من طلاقه، وتستديم الحياة، لأن الشارع كما سمعتم يرغب في بقاء الحياة الزوجية واستدامة الأمور. طيب، إذا أراد الرجل أن يرجع امرأته، إذا أراد أن يرجعها، كيف يرجعها؟ ينبغي أن نعلم أن إرجاع الرجل لامرأته في الطلاق الرجعي لا بد أن يكون في وقت العدة، قبل انتهاء عدتها، قبل انتهاء عدتها. قال الله عز وجل: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾، في ذلك، يعني في وقت العدة. فالرجوع بيد الزوج، سواء رضيت المرأة أم لم ترضَ، أو رضي أهلها أم لم يرضوا، أمر الإرجاع هو بيد الزوج. ونقل بعض العلم الإجماع على أن إرجاع الرجل لامرأته لا يشترط فيه رضا المرأة ولا أهلها، لا يشترط فيه رضا المرأة ولا أهلها. طيب، كيف يرجع الرجل لامرأته؟ يرجعها بأمرين: الأمر الأول: باللفظ، بلفظ الإرجاع وما يدل على معنى، فلو قال: راجعتك، رجعت، رجعت إلى عصمته، وارتفعت هذه الطلقة، وحسبت عليه، حسبت طلقة، وخلاص انتهت، ورجعت المرأة إلى زوجها. تقول المرأة: غير راضية، ما يشترط ذاك، يقول أهلها: نحن غير راضون، ما يشترط ذاك، أمر الإرجاع بيد الزوج، الزوج هو الذي يملك إرجاع زوجته، إذا ردها إلى عصمته رجعت، شاءت أم أبت، هذا حكم الشرع، هذا حكم الشرع. ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾، لكن لابد أن يقصد الإصلاح، ما يقصد الإضرار، لا يقصد بذلك أن يضر بها، أما إذا قصد الإضرار، فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز، لأنه كان في الجاهلية، وفي أوائل الإسلام، لم يكن للطلاق عدد محدود، لم يكن للطلاق عدد محدود، كان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت العدة أن تنتهي راجعها، ثم يطلقها، فإذا قاربت العدة أن تنتهي راجعها، ثم يطلقها، وهكذا، يطلق ويراجع، يطلق ويراجع، بلا عدد، ما في عدد كان محدودًا، وهذا في إضرار، إضرار بالمرأة، فلهذا جاء الشرع وجعل للطلاق للرجل الحر ثلاث طلقات، ليس له أكثر من ذلك: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾، حتى تنكح زوجًا غيره. إذن: حدد الشرع للطلاق ثلاث طلقات يملكها الزوج فقط، وبعد ذلك، هذه ثلاث فرص، هذه فرصتان للزوج أن يطلق ويراجع وينظر في أمره، فإن طلق الثالثة، انتهى، ما له من الطلاق، فلا يملك بعد ذلك التحكم في المرأة ولا في إرجاعها، إنما يملك إرجاعها في الطلاق الرجعي، إذا طلق طلقة ثم راجع، ثم طلق الثانية، هذا يسمى طلاقًا رجعيًا في الطلقة الأولى وفي الطلقة الثانية. قلنا: إذا راجعها باللفظ رجعت، والأمر الثاني: أن يراجعها بالجماع، إذا جاء معها بنية الرجوع، رجعت، جاء ونام معها بنية إرجاعها، خلاص، الحمد لله، رجعت، واستقامت الأمور، واستدامت الحياة. لكن يستحب أن يشهد في الطلاق وفي الإرجاع، أن يشهد في الطلاق وفي الإرجاع، وهو قول جماهير أهل العلم، أن الإشهاد في الطلاق والإرجاع مستحب وليس بواجب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما طلق ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «مره فليراجعها»، ولم يقل: وليشهد على ذلك، ما أمر بالإشهاد، ولو كان الإشهاد واجبًا لأمر به النبي عليه الصلاة والسلام، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قلنا: الطلاق الرجعي لا بد أن يكون في العدة، قبل أن تنقضي عدة المرأة، والمراد بالعدة طبعًا هي الفترة التي تربص فيها المرأة عن الزواج والنكاح. وما هي عدتها؟ إذا كانت المرأة ممن تحيض، فعدتها ثلاث حيض، عدتها ثلاث حيض: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾، أي ثلاث حيض، تنتظر، لأنه سيطلق في طهر لم يجامع فيه، ستستقبل الحيضة الأولى، ثم تطهر، ثم تستقبل الحيضة الثانية، ثم تطهر، ثم تستقبل الحيضة الثالثة، فإذا طهرت من الحيضة الثالثة انتهت عدتها. وعلى القول الثاني: إذا اغتسلت بعد أن طهرت من الحيضة الثالثة واغتسلت، انتهت عدتها. فحينئذ: إن لم يراجع الزوج في خلال هذه الفترة، حينئذ لا يملك إرجاعها، وتبين منه امرأته بينونة صغرى. لهذا: إذا كانت عدتها بالحيض، طيب، إذا كانت لا تحيض، إذا كانت ما تحيض، إما لكبر السن، وإما لصغر السن، كونها صغيرة لم يأتها الحيض بعد، فهذه تعتد بثلاثة أشهر: ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾، كذلك عدتهن ثلاثة أشهر. طيب، إذا كانت حاملًا، إذا كانت حاملًا، فهذه عدتها بوضع الحمل، متى ما وضعت حملها فهي ماذا؟ قد انتهت عدتها، وأما ما زالت حاملًا فالعدة باقية: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾، أجل أن يضعن حملهن. وقد تكون هي أطول العداد، إذا وقع الطلاق في أول الحمل، ستبقى ثمانية أشهر أو تسعة أشهر حتى تضع، في خلال هذه الفترة، إن لم يرجع الزوج إلى زوجته، فهنا ما يملك إرجاعها. فإذا انتهت العدة، وقع على المرأة الطلاق، ويسمى هذا الطلاق طلاق بائن، بينونة صغرى. لأن الطلاق البائن ينقسم إلى قسم