المحاضرة بعنوان أهمية التوحيد في اصلاح المجتمع، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 محرم 1444هـ الموافق 12 أغسطس 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبرز أهمية التوحيد في إصلاح الفرد والمجتمع، حيث دَعََا جميع الرسل إلى توحيد الله. يُؤَكَد أن التوحيد أساس الدين والسبيل لدخول الجنة.
النبي حذر من تعظيم القبور واتخاذها مساجد، ونهى عن زيارتها في البداية ثم أباحها لذكر الآخرة. بعض الناس ابتدعوا تعظيم القبور واتخاذها أوثانًا.
يُحَذَر من الشرك والبدع عند زيارة القبور مثل بناء المشاهد والقباب والاعتقاد في قدرة الموتى. يُشدد على أهمية العقيدة الصحيحة والتوحيد وتعليم الناس أمور دينهم.
يُؤكد أن الله قادر على كل شيء ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه. يُعبر عن أن الله تعالى أعلم بكل شيء.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول ربنا جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فانظروا عباد الله إلى هذه الفضائل وإلى هذه الجوائز وإلى هذه الهبات من رب الأرض والسماوات تبارك وتعالى. وهكذا عباد الله، فضائل هذه المجالس لا تخفى على أكثركم. عباد الله، أنتم في هذه الليلة مع محاضرة لشيخين فاضلين كريمين، لشيخنا الفاضل أبي همام عبد الله باسعد حفظه الله تعالى، ولشيخنا الفاضل أبي هاشم جمال بن خميس بن سرور حفظه الله ورعاه، بعنوان «أهمية التوحيد في إصلاح المجتمع». التوحيد عباد الله ذو أهمية بالغة، فلهذا أرسل ربنا جل وعلا جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، من نوح عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يدعون إلى توحيد الله تبارك وتعالى. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. والله جل وعلا ما خلق الخلق إلا ليعبدوه، فقال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «يعبدون أن يوحدون». ويقول ربنا جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ويقول جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وفي رواية: «إلى أن يوحد الله». أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يبدأهم بالتوحيد؛ لأن التوحيد عباد الله فيه إصلاح للفرد والأسرة والمجتمع. فبه يكون الأمن والأمان كما أخبر بذلك ربنا جل وعلا، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. «الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم» أي: بشرك. كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزلت هذه الآية شقت على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: «يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟» قال: «ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾». وهكذا عباد الله، من حقق التوحيد فإنه بإذن الله تبارك وتعالى يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾. وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله... أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». وهكذا جاء في الصحيحين من حديث عتبان رضي الله عنه وأرضاه قال: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله». فإنكم بإذن الله تبارك وتعالى ستسمعون من محاضرة المشايخ الفضلاء الشيء الكثير. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا وإياكم إلى كل خير. والمحاضرة بإذن الله تكون بعد أداء ركعتي السنة الراتبة. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا لكل خير وأن يصرفنا عن كل ضير. وبادي ذي بدء، نحمد الله جل وعلا على ما أنعم علينا سبحانه وتعالى من نعم كثيرة جدًا، ومن أعظمها نعمة هذا الدين العظيم، نعمة التوحيد، نعمة السنة، نعمة الهداية إلى الله جل وعلا والتقرب إليه سبحانه وتعالى والتعلق به جل وعلا وعدم التعلق بغيره سبحانه وتعالى. قد سمعتم في كلمة أخينا بلال حفظه الله بعض ما جاء في فضل التوحيد وأهميته. فتوحيد الله جل وعلا هو أس الأساس وأصل الأصول التي قام عليها هذا الدين. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فهو عبادة الله جل وعلا وحده لا شريك له. ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فربنا جل وعلا أمر بعبادته سبحانه وتعالى، وأن لا يشرك في عبادته جل وعلا أحدًا؛ أي: لا تصرف العبادة لغير الله جل وعلا، سواء كانت هذه العبادة في القربات من العبادات البدنية كالصلاة والصيام والصدقة والحج وغيرها، أو كذلك أيضًا كالذبح والنذر وغيرها من عبادات البدن، وكذلك عبادات القلوب كالتقوى والخوف والرجاء والمحبة والرضا وغيرها من هذه العبادات العظيمة. فبدأ أمر الناس منذ أن خلق الله عز وجل هذه الخليقة على معرفة الله عز وجل، على محبة وتعظيمه سبحانه وتعالى. ولم يلتفت الناس منذ أن خلقهم إلى المخلوقين مثلهم وإلى تعظيم المخلوقين كتعظيم الله عز وجل. وإنما بعد ذلك حدث الغلو في الصالحين. ولهذا ذكر ابن عباس رضي الله عنه كما في البخاري أن بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد. فكان قوم نوح يعظمون الصالحين حتى عبدوهم من دون الله جل وعلا. فقال نوح عليه السلام: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. وقد أضلوا كثيرًا من الناس بعبادة غير الله عز وجل. وربنا جل وعلا قد قطع العلائق التي تكون بينه وبين عباده، فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. وقال ربنا جل وعلا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وقال جل وعلا لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. فلماذا تجعل الواسطات والشفعاء بين الله عز وجل وبين خلقه؟ مع أن الله عز وجل قد قطع ذلك. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام لما دعا الناس إلى دين الله جل وعلا دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وقطع عليهم كل العلائق التي تتعلق بتعظيم المخلوقين كتعظيم الله عز وجل. ومنها ما ذكرنا من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم». لأن هذا أيضًا محبة وتعظيم، حصلت أيضًا في اليهود والنصارى، حتى جعلوا عيسى بن مريم ابنا لله، وجعلوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. فأخرج الإمام الترمذي رحمه الله من طريق ميمون بن شبيب عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: «لم يحلوا لكم الحرام فاتبعتموهم، وحرموا عليكم الحلال فاتبعتموهم». فتلك عبادتهم إياه. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل به في مرض موته صلوات الله وسلامه عليه ذكرتا له كنيسة رأتاها في أرض الحبشة، وما فيها من الصور على صورة عيسى وصورة الآلهة التي يعظمونهم. فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا تلك الصور». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أولئك شرار الخلق عند الله». أولئك الذين يتخذون القبور مساجد يدعون عندها أو يتقربون لله عز وجل عندها. فكان النبي صلى عليه وسلم يحذر من هذا حتى في مرض موته. ولما خشي أن يتخذ قبره مسجدًا دفن في غرفة عائشة رضي الله عنها. وهذا كرامة لها وفضلًا لها. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يلعن اليهود والنصارى لأنهم فعلوا ذلك، عظموا أهل القبور وعظموا الصالحين حتى صارت هذه القبور تعبد من دون الله جل وعلا أو أنها يدعى عندها وتبرك عندها. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام في بداية الأمر عن زيارة القبور نهيًا عامًا. ثم بعد ذلك في آخر أمره عليه الصلاة والسلام ما جاء في حديث بريدة قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». انظر إلى حماية النبي عليه الصلاة والسلام لتوحيد الناس حتى يوحد الله عز وجل. فالصحابة رضي الله عنهم ما كان أحد يتعلق بالقبور أبدًا. وينزاروا القبور مثل النبي صلى الله عليه وسلم يزورون ويسلمون ويدعون لهم. هذه الزيارة الشرعية تأتي إلى القبور وليس إلى قبر معين. وإنما جاءت الأحاديث بزيارة القبور ويسلم عليهم على القبور ويدعو لهم؛ لأنهم محتاجون إلى الدعاء. وهكذا علي بن الحسين زين العابدين لما رأى رجلًا يأتي مكان عند القبر أنكر عليه. معنى ذلك أنهم ما كانوا يعرفون مثل هذه الأشياء وما تربوا على هذه الأشياء. وإنما أول من عظم مثل هذه الأشياء هم الروافض. وفي دولة العبيديين في مصر، وأيضًا لما جاء بن عبويه أيضًا عظموا أكثر. فصار الناس بعد ذلك من هؤلاء من أبناء نوح ومن كان معه في السفينة. ثم بعد ذلك أيضًا نسي العلم مرة أخرى، وانشغل الناس بالدنيا، وانشغلوا بغير عبادة الله جل وعلا. فلهذا جاءت بعد ذلك عبادة الكواكب والنجوم وغيرها. إخواني في الله، مما يذكره العلماء أن من لم يحقق التوحيد وقع ولا بد في الشرك. ولهذا سعى الشيطان سعيًا عظيمًا في إيقاع هذه الأمة بالكفر والشرك والردة. ولهذا جاء من حديث سبر بن أبي فاكهة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له في طريق الإسلام، فقال له: أتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه فأسلم». فالشيطان حرص على أن يوقع الناس في الكفر؛ لأن العاصي وإن دخل النار فسيخرج، لكن الكافر إن دخل النار سيبقى معه. ولهذا حرص كل الحرص على إيقاع الناس في الكفر والشرك. وإن من أعظم ما استطاع أن يتوصل إليه أن يفتن الناس بالقبور. يفتن الناس بالقبور. لا تستهينوا عباد الله بفتنة القبور. إن أول شرك وقع في هذه الأمة بل أعني في الأرض كان بسبب القبور. كما جاء في حديث ابن عباس في البخاري عندما جلس قوم نوح بعد موت ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فلما مات أولئك القوم عكفوا على قبورهم. هنا المناط، قبور التعلق بقبور الصالح. فعكفوا عليها، فلما نسي العلم عبدت. وهكذا المصيبة توالت إلى الأمم السابقة من اليهود والنصارى كان كذلك من القبور. كما جاء في الصحيحين من حديث أم سلمة: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا عليه تلك الصور». ثم ظهرت هذه الفتنة وأكثر ما ظهرت عند الروافض. إخواني في الله، وإنني في هذا المقام على ما يتيسر به الوقت لأشير إلى أصول المخالفات التي وقع فيها أمثال هؤلاء ممن عكفوا على قبور الصالحين والأولياء. فإن من أعظم الأصول من أصول المخالفات التي وقع فيها أصحاب الزيارات والمزارات ما كان من وقوعهم في النهي الصريح لكثير من المخالفات التي حذر منها نبينا صلى الله عليه وسلم. مثاله ما يتعلق بشد الرحال، فإنه لا يجوز بحال أن تشد الرحال إلى العتبات أو إلى الأضرحة أو إلى القبور والمشاهد. لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». بينما نرى هؤلاء ينتقلون من بلد إلى بلد لأجل زيارة فلان وقبر فلان. ومثال ذلك اتخاذ القبور مساجد، فإن النبي نهى عن ذلك عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وقد شرح العلماء هذا الحديث بأن من اتخاذ القبور مساجد ما يكون من السجود على القبر أو من الصلاة إليه أو من بناء المساجد عليه. وقد وقع القوم فيها، فمنهم من يتحرى أن يصلي إلى المسجد الذي فيه قبر يتحرى. بل ويحرص أن يكون القبر بينه وبين القبلة. هذا من اتخاذ القبور مساجد. ومنهم من يبني مسجدًا ويتحرى أن يكون قبر فلان في داخله. وهذا كذلك مما نهى عنه نبينا. وعدم التجصيص وعدم البناء بشكل عام كما جاء ذلك في حديث جابر بن عبد الله قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه». رواه مسلم. فنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التجصيص وهو جعل الجص وهو الجير على القبور. ويدخل في الجص كل طلاء أن تلون القبور. ودخل العلماء فيها أن توضع لها الستور. وكم نرى أن الناس يتباهون بوضع الستر تلو الستر على هذا القبر حتى أصبح مزخرفًا. وأما البناء فحنزف عنه ولا حرج. يتهافتون على كل ضريح أن يبنى عليه مشهد أو يبنى عليه قبة من القباب. ثم يأتي هؤلاء تنافسون فيما بينهم على البنيان وعلى التشييد. وكل يفتخر بقبته. وكل ذلك عين المحاد لله ورسوله. وهذه الأمور إخواني فلا مما اتفق عليها العلماء في تحريمها وتجريمها والنهي عنها. يقول إمام الشوكان رحمه الله تعالى كما في كتابه «شرح الصدور»: اعلم أنه اتفق الناس سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم، من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى هذا الوقت، أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها. ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين. فمن الذي خالف الإجماع؟ القوم أولئك هم الذين خرجوا عن الجادة حينما خالفوا أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولا يبحك علينا ضاحك. فعندما إذا ضاقت به الأمور قال: هذا على مذهب الشافعية. ونحن من الشافعية. نحن لسنا وهابية. وهكذا قل يا عبد الله فيما نهى عنه نبينا من جملة أحكام القبر. ولهذا إخواني في الله علينا أن نعلم أن هذا من الأصول العظيمة التي تنسف مثل هذه الزيارات والمزارات؛ أن جلها قامت على المخالفات والمحرمات التي صرح لأئمة الأعلام أنها من كبائر الآثام. ثانيًا إخواني في الله، الأصل الثاني من أصول المخالفات ما يعتقده أولئك القوم بهؤلاء المقبورين. فإن أعظمهم معظمهم يعتقدون أن هذا الولي أو أن هذا الصالح عنده من القوة الإلهية ومن القدرة الربانية ما به يتحكم في ملكوت السماء والأرض. بل والتأثير على الخلق حتى أن بعضهم يعتقد أن الولي بإمكانه يهدي القلوب، ويفرج الكروب، ويشفي من سائر العلل والعيوب. وأنه يعلم وله معرفة بعلم الغيوب. وأن من يغيث به أغاث، ومن احتمى بجنابه حما. هم يعتقدون هذا. هذا ليس من الكذب عليهم، بل هذا مما يسطر وسيأتي معنا من عباراتهم، من أقوالهم. وهذه المظاهر الشركية إخواني في الله أحيانًا تكون في الربوبية وأحيانًا في الألوهية. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن جعل الأنبياء والملائكة وصالحي الناس وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم هداية القلوب، وغفران الذنوب، ومعرفة الغيب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فإنه كافر بإجماع المسلمين. وهكذا إخواني في الله، مما يذكر من القبور قبر الحسين بن علي. وكذلك هذا من القبور الشهيرة عند المتصوفة والمتعبدة له أكثر من قبر. فمثلا له قبر في عسقلان، وآخر في دمشق، وآخر غرب حلب، وآخر في النجف، وآخر في كربلاء. كل هذه الأماكن منسوبة فيها قبر الحسين. فياترى كم جثة لهذا الصحابي الجليل؟ ما له إلا جثة واحدة إما هنا أو هنا. أما في هذه الأماكن يدفن سويا وله مشهد عظيم. وهذا المشهد إخواني موجود في أرض القاهرة. وله مسجد جامع. والناس يشدون إليه الرحال في مثل هذه الأزمان في أرض القاهرة. والناس يأتون إليه أفواجًا. وقد نقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إجماع العلماء على أن ذلك كذب. كما في «مجموع الفتاوى». بل قال: كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم. وقد سبقه إلى ذلك أبو الخطاب بن دحية في كتابه «المعلم المشهور»، فقال: إن المشهد المنسوب إلى الحسين في القاهرة أنه كذب بالإجماع. بل نقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن ابن دقيق العيد وعن الضمياطي وعن العسقلاني وعن القرطبي أنهم كانوا ينكرون هذا المشهد وأنه باطل. بل حكى عن جماعة من العلماء كابن القسطلاني قال: بل إن فيه نصرانيًا. وهذا الباب حقيقي إخواني في الله؛ إذ أن بعض المشاهد والأضرحة ليست فقط أنها فاضية وخالية على عرشها، بل إن فيها كفارًا. كما قال ابن القسطلاني هنا. بل حتى في العالم المعاصر في أرض الجزائر كان هناك مشهد تشد له الرحال. ثم اضطر الناس إلى نبشه. فلما نبش إذ به قبر لقسيس نصراني؛ وذلك لما رأوا الصليب دفن معه. ولو يفعل ذلك إلا مع النصارى. وهم أخذوا على ذلك سنوات يهتفون ويستنجدون باسمه. إخواني في الله، المقال طويل في تتبع هذه المقالات وهذه الأضرحة والمزارات والتي كلها كذب ودجل. تجد أن الرجل ينفق والناس ينفقون من أموالهم ومن أعمارهم. وربما هتفوا ويستنجدون بأسمائهم. وذبحوا القرابين وأسالوا الدماء في سبيل نيل رضاهم. وبعد ذلك تبقى هذه القبور خاوية على عروشها. ما هناك شيء تحتها. ما بقي إلا الدجل والكذب. فالحاصل إخواني في الله أن هذا الباب من الأبواب العظيمة وهي من الغفلة الشديدة التي ابتلي بها الكثير من أبناء هذه الأمة. عندما استغفلهم الشيطان بتعظيم مثل هذه القبور والعتبات. وعلينا أن نعلم يا عبد الله وعلينا أن نعلم جميعًا أن الميت مهما كان حاله مهما كان صلاحه هو بحاجة إلينا. لا نحن بحاجة إليه. هو بحاجة إلى دعائنا أن ندعو له وأن نستغفر له. فإن الميت لينتفع بالحي. ولهذا شرع عند زيارة القبور أن ندعو لهم. بل شرعت الزيارة بشكل عام أن ندعو لهم. فهم يفرحون بزيارة الأحياء إليهم. لا أننا نفرح بهم بحيث أنهم ينفعوننا أو يضرون. لا يا عبد الله. فإن ذلك من الجهل العظيم. فأنبغي إخواني في الله وهذه لفتة عظيمة لنا جميعًا يا أهل السنة إلى ضرورة العناية بأمر العقيدة والتوحيد. ولتسكت الأفواه من بعض الفرق الضالة التي تشغب على أهل السنة متى ما تكلموا في العقيدة والتوحيد والتحذير من الشركيات. وأنكم يا أهل السنة لازمتم تدندنون على أمور قد بليت وأمور قد ذهبت وولت. أين الشرك؟ الشرك موجود. الشرك موجود. ولا زال يضرب في أرجاء المعمورة في شرق الدنيا وفي غربها. وفي أرض الإسلام. ولهذا أمر ربنا جل وعلا بتعلم العقيدة والتوحيد. فاعلم أنه لا إله إلا الله. فوجب علينا يا أهل السنة جميعًا متعلمًا وعالمًا وصغيرًا وكبيرًا وذكرًا وأنثى أن نعلم أنفسنا بعقيدة صحيحة. ونعلم أنفسنا التوحيد الذي أراده الله لجميع العبيد. ثم ندعو غيرنا في مساجدنا، في مدارسنا، في مراكزنا، بالتأليف، بالتصنيف، بالخطط، بالمحاضرات، بالكلمات. لابد بين الفينة والأخرى؛ لأن التوحيد هو الأس والأساس. إذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم جلس في بداية دعوته ثلاثة عشرة عامًا يدرس التوحيد. هل اكتفى؟ بل حتى وفي الرمق الأخير، في الرمق الأخير كان إذا اغتم بكلمة: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فالناس يا عبد الله بحاجة إلى التذكير بين الفينة والأخرى بالتوحيد؛ لأنه الأس والأساس. بل إنه والله به صلاح البلاد والعباد والمعاد. لا يصلح حالنا وما يكون من خيراتنا وأرزاقنا بيد ربنا إلا إذا توجهنا إلى معبودنا بماذا؟ بإفراده بالوحدانية. فلا يعبد إلا سواه. لا إله إلا الله. لا معبود إلا الله جل في علاه. أسأل المولى جل في علاه أن ينفعنا بما قلنا. ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إنهم ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.