العشر من ذي الحجة فضائل وشعائر وأعمال

العشر من ذي الحجة فضائل وشعائر وأعمال

المحاضرة بعنوان العشر من ذي الحجة فضائل وشعائر وأعمال، والتي كانت بمسجد المنصور بالمنصورة الجديدة بمدينة الشحر يوم الجمعة 28 ذو القعدة 1447هـ الموافق 15 مايو 2026م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

فضائل العشر من ذي الحجة والحث على المسارعة إلى الخيرات

يبرز الخطيب أن العشر من ذي الحجة موسم عظيم تتضاعف فيه الأجور، داعياً المسلمين إلى المبادرة بالطاعات اقتداءً بأمر الله ورسوله. ويستعرض آيات وأحاديث تحث على التنافس في الخيرات والتزود للآخرة محذراً من الفتن التي تشغل عن العمل الصالح.

فضل العشر الأول من ذي الحجة وأهمية اغتنامها بالطاعات والتوبة

يبيّن المقطع أن العشر الأول من ذي الحجة هي أفضل أيام الدنيا، وأن العمل الصالح فيها أحب إلى الله من الجهاد إلا من خرج بنفسه وماله. ويحث على اغتنامها بأداء الفرائض والإكثار من النوافل والتوبة النصوح والبعد عن المعاصي.

التوبة النصوح والإكثار من الذكر في العشر الأوائل من ذي الحجة

يحذر من استدراج الله للظالمين بالنعم ويبين أن التوبة النصوح تمحو السيئات وتبدلها حسنات. ويؤكد على قرب الموت وندامة المقصرين، داعياً إلى الإكثار من التهليل والتحميد والتكبير والتسبيح في هذه الأيام المباركة.

أعمال يوم النحر وصلاة العيد في العشر الأوائل من ذي الحجة

يشرح أعمال الحجيج في اليوم العاشر كرمي جمرة العقبة والحلق والنحر وطواف الإفاضة والسعي. ويتناول صلاة العيد وحكمها مشيراً إلى أمر النبي بخروج النساء والعواتق والحيض إلى المصلى لشهود الخير والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعده: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر المسلمين، بادئ كل ذي بدء وقبل كل شيء نحمد الله تبارك وتعالى الذي أنعم علينا بنعم كثيرة وتفضل علينا بآلاء عظيمة لا نستطيع لها حصرًا، فنسأله جل وعلا أن يعيننا جميعًا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا جميعًا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه، وأن يجعل هذا الاجتماع مرحوما والتفرق من بعده معصومًا، وأن لا يجعل منا ولا بيننا شقيًا ولا محرومًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ثم جزى الله الجميع خير الجزاء، وأسأل المولى تبارك وتعالى الذي جمعنا في هذا المسجد المبارك أن يجمعنا في دار كرامته وعلياء جنته إخوانًا على سرر متقابلين. ثم جزى الله خيرًا أخي المبارك الأستاذ أبا سالم حفظه الله تعالى على مقدمته وعلى ترحيبه وعلى حسن ظنه، وأسأل المولى عز وجل أن يبارك فيه وفي جهوده الطيبة التي يقوم بها من التعليم، وهكذا الدعوة، وهكذا النصح والتوجيه، سواء في مسجده هذا أو في غيرها من المساجد الأخرى. أيها الأحبة في الله، كما سمعتم حول موضوع هذه المحاضرة وأنها العشر من ذي الحجة، وأنها فضائل وأعمال وشعائر. ولاحظوا بارك الله فيكم إلى عظيم النعمة التي من بها ربنا عز وجل على هذه الأمة. هذه الأمة هي آخر الأمم، وأعمارها هي تعتبر أقصر الأعمار. فقد قال الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله: «أعمار أمتي من الستين إلى السبعين». هذه أعمار هذه الأمة. قال: «وقليل من يجتاز ذلك». فمن بلغه الله عز وجل فوق الستين أو السبعين، ألا فليعلم أنه من أولئك القليل، من أولئك القليل. لكن أحبتي في الله، نحن الآخرون السابقون يوم القيامة. هذه الأمة آتاها الله عز وجل من الفضائل ومن الخصائص ما به تسبق غيرها من الأمم الأخرى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ومما آتاه الله هذه الأمة مواسم عظيمة وأيامًا فاضلة، هذه الأيام وهذه المواسم تضاعف فيها الأجور والحسنات. هي فرصة يا إخوان للتجارة الرابحة مع الله تبارك وتعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾. تجارة لن تبور. هؤلاء هم الموفقون الذين سبقهم على الأعمال الصالحات ومسارعتهم إلى الخيرات، وهمتهم في علو المنازل والدرجات. وهكذا جمعوا الأجور والحسنات. هؤلاء الذين جعلوا من هذه المواسم، بل وهذه الأعمار، ميدانًا ومضمارًا، فهو ميدان للمتنافسين، وهكذا مضمار للمتسابقين إلى هذا الخير. وألاحظ أحبتي في الله آيات القرآن، وهكذا أحاديث السنة التي تأمر بذلك في باب الآخرة، في باب الطاعات والأعمال الصالحات. ربنا عز وجل يأمرنا أن نسارع وأن نسابق، وهكذا أن نبادر. فقال ربنا عز وجل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. أي جنة هذا يا إخوان؟ هذا عرضها، فما ظنك بطولها؟ وما أعده الله لأهلها فيها؟ ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. هذه صفات هؤلاء المسارعين والمتسابقين إلى مغفرة من الله عز وجل، وإلى جنة عرضها السماوات والأرض. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. الله عز وجل يقول: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. الله عز وجل يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. فاستبقوا الخيرات. الله عز وجل يقول: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. ما الذي يمنعنا يا إخوان أن نكون من أولئك المتنافسين، ونحن نرى أهل الدنيا قد بذلوا الغالي والنفيس من أجلها؟ يصهرون الليالي، وهكذا يجتهدون الأيام، لربما لا تهنأ أعينهم بنوم، ولا يتلذذون بمطعم أو مشرب أو منكح، من أجل الدنيا. يا إخوان، من أجل الدنيا، أفلا تكون هممنا نحن في باب الآخرة أعظم وأعلى وأرفع؟ قال الله عز وجل: ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. يا إخوان، نحن جميعًا ينتظرنا مستقبل عظيم. هذا المستقبل ينتظر الكبير والصغير، والرجال والنساء، والغني والفقير، الكل ينتظره. مستقبل، وهذا المستقبل لا أعني الشهادات والوظائف والأعمال أو الرتب والمناصب، وإنما أعني مستقبلًا أهم وأعظم. أتدرون ما هو؟ هو موت وسكرته، موت وسكرته، وقبر وظلمته، وقيامة وأهوالها: سماء تتشقق، وأرض تتصدع، وجبال تنسف، وبحار تسجر. أهوال عظيمة يا إخوان تنتظرنا جميعًا. جنة عرضها السماوات والأرض، أو نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. هذا وغيره من المستقبل يتطلب منا يا إخوان مسارعة، يستدعي منا مسابقة، يتطلب منا مبادرة إلى الأعمال الصالحات. أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت من غير زاد؟ يا من بدنياه اشتغل، يا من بدنياه اشتغل، وغره طول الأمل، وغره طول الأمل. الموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل، والقبر صندوق العمل. أيها الأحبة في الله، كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «بادروا بالأعمال فتنًا، بادروا بالأعمال أي صالحة، فتنًا». أي قبل أن يكون فتن. ما لها هذه الفتن يا إخوان؟ تشغل عن العمل الصالح، تشغل عن المنافسة والمسارعة والمسابقة. قال: «فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا». انظر، فتن تجعل المرء سرعان ما يتغير، وسرعان ما يتبدل. قال: «يبيع دينه». أغلى شيء يا إخوان في أيام الفتن يباع، لربما بثمن بخس، دراهم معدودة، دراهم معدودة. قال: «يبيع دينه بعرض من الدنيا، بعرض من الدنيا». النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف». المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. قال: «وفي كل خير». في القوي، وهكذا في الضعيف يا إخوان، وفي كل خير، لكن القوي أفضل وأحب إلى الله عز وجل. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة يا إخوان ينبغي أن تكون نبراسًا لنا ونصب أعيننا. قال عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك، احرص على ما ينفعك». وماذا قال؟ «واستعن بالله ولا تعجز». واستعن بالله، أي اطلب المعونة من الله عز وجل. «وإياك والعجز»: «أنا ما أستطيع، أنا ما أقدر، أنا قد لا أتوفق في هذا الباب». إياك والعجز. قال: «ولا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل». فإن «لو» يا إخوان، قال: «فإن لو تفتح عمل الشيطان». في صحيح البخاري أيضًا من حديث أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى» -أي أن الحديث قدسي-: «من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب». من عاد لي وليًا، من هو الولي يا إخوان إلا المؤمن التقي؟ قال: «من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، مما افترضت عليه». أي أداء الفرائض. هذا يا إخوان يعتبر أحب الأعمال إلى الله عز وجل، ورتب ربنا عز وجل عليه الأجور العظيمة. «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل». النوافل يا إخوان بعد أداء الفرائض أمرها عظيم جدًا. قال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته» -لاحظ- «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». قال العلماء: معنى ذلك أن الله عز وجل يوفقه ويسدده في هذه الجوارح، فلا يستعملها إلا في عمل الخير. قال: «ولئن سألني لأعطين، ولئن استعاذني لأعيذن». إذن هذه فرص يا إخوان، هذه المواسم وهذه الأيام الفاضلة هي فرص. والموفق يا إخوان من يوفقه الله لاغتنام الفرص واستغلالها، والمحروم الذي يهدر هذه الفرص ويضيعها. فكم من فرصة ضاعت وما عادت، ما عادت، ذهبت على صاحبها. نسأل الله العافية والسلامة. أحبتي في الله، نحن بالأمس القريب عشنا موسم رمضان، موسم يا إخوان، وأي موسم؟ منه موسم عظيم، وفق الله فيه من وفق، وغفل عنه من غفل، وتشاغل من أرباب الدنيا. وها هي اليوم تطل علينا هذه الأيام العظيمة، هذه الأيام المباركة، هذه الأيام الفاضلة، ألا وهي العشر الأول من شهر ذي الحجة، من شهر ذي الحجة. هي يا يا إخوان تعتبر أفضل أيام السنة، بل هي أفضل أيام الدنيا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر بن عبد الله عند الإمام البزار وأبي يعلى وابن حبان، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل أيام الدنيا العشر من ذي الحجة، العشر من ذي الحجة». أذه العشر أقسم الله عز وجل بها، وربنا تبارك وتعالى لا يقسم إلا بعظيم. فقال ربنا عز وجل: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. في قول عامة المفسرين من السلف والمتأخرين أن هذه العشر هي العشر الأول من شهر ذي الحجة، من شهر ذي الحجة. عظمها ربنا عز وجل يا إخوان، أفلا نعظمها نحن؟ أفلا نعظمها نحن؟ هذه الأيام العشر للعمل الصالح فيها مزية على غيرها من الأيام الأخرى في سائر العام وجميع السنة. فالعمل الصالح فيها أفضل، والعمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من غيرها، كما جاء في حديث ابن عباس في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام، ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله، أحب إلى الله من هذه العشر». قال: يعني العشر من ذي الحجة. قالوا: استغربوا الصحابة من هذا الفضل وعظيم الأجر. قالوا: «ولا الجهاد في سبيل الله؟» قال: «ولا الجهاد في سبيل الله». أي أن أجر العمل الصالح في هذه العشر أعظم وأفضل من أجر المجاهد في سبيل الله. قال: «إلا رجل...» ما له هذا الرجل شأنه عظيم يا إخوان. قال: «إلا رجل خرج بنفسه وماله» أي في سبيل الله، «فلم يرجع من ذلك بشيء». فقد ماله في سبيل الله، وهكذا فقد نفسه في سبيل الله. قال: «إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». إذن يا إخوان، الحسن في هذه الأيام شأنها عظيم. العمل الذي نعمله في هذه الأيام عمل عظيم. صلاة تحافظ عليها في العشر، أجرها أعظم من الصلاة التي في غير العشر. آية قرآنية تقرأها في العشر، أجرها عظيم، أعظم من أجر الآية التي تقرأها في غير العشر. وهكذا قس الأعمال الصالحات والأجور والحسنات التي يوفق الله عز وجل لها هذا المسلم، هذا المسلم. إذن هي تجارة، إذن هو موسم عظيم للتجارة مع الله تبارك وتعالى. أيها الأحبة في الله، وللأسف الشديد، أنا قدمت بمقدمة، وسبب هذه المقدمة أن الكثير، لا أقول القليل، الكثير إلا من رحم الله، يغفلون عن هذه العشر. قد يجتهد في رمضان ويجتهد أكثر في العشر الأخير من رمضان، لكن تأتي هذه العشر من ذي الحجة ولا يشعر أحدهم إلا وقد أقبل العيد. وقال: «بكرة يوم عرفة، إيش تقول يوم عرفة؟ بكرة، نعم بكرة، أين أنت؟ ما عندك خبر، ما عندك علم بهذه الأيام الفاضلة التي مرت؟» نسأل الله العافية والسلامة. لهذا أحبتي في الله، الناس اليوم أحوج ما يكون إلى التذكير بها وبفضلها وبوقتها وبأعمال والشعائر التي تكون في هذه الأيام العشر. وهذا كما سمعتم هو موضوع هذه المحاضرة في هذه الليلة. أسأل المولى عز وجل أن يرزقني وإياكم علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يقربنا إليه، وأن يجعلنا جميعًا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه. أيها الأحبة في الله، هذه العشر وما أدراك ما العشر، كما سمعت هي مضمار، هي ميدان للمنافسة، للمسابقة، للمسارعة، للجد والاجتهاد. ومن أعظم ما يجتهد فيه المسلم في هذه العشر هو أداء الفرائض والواجبات، أداء الفرائض والواجبات، من المحافظة على الصلوات في وقتها ومع جماعة المسلمين، وهكذا غيرها من الفرائض، فيؤدي الحقوق إلى أهلها، إلى أهلها. من أعظم ما تستغل به هذه العشر أحبة في الله: البعد عن الخطايا والمعاصي والمحرمات. لربما يكون الواحد منا مقصرًا، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وخير الخطائين التوابون». لكن إذا جاءت مثل هذه الأيام يا إخوان، ينبغي أن نتذكر وأن نتنبه وأن نتعظ، وأن نتعظ. فأول ما نستقبل به هذه الأيام هي التوبة النصوح. توبة يا إخوان فيها إخلاص لله عز وجل، وتوبة فيها ندم على فعل الخطايا والمحرمات، توبة لدى صاحبها إقلاع عن هذه الخطايا والمحرمات. إلى متى يا إخوان استمر العبد في الذنب ويغفل عن مراقبة الرب تبارك وتعالى؟ ربنا عز وجل كم يملي، ربنا عز وجل كم يمهل، ربنا عز وجل كم يعطي وينعم ويستدرج العبد. لكن لنتذكر أن الله تبارك وتعالى إذا أخذ الظالم فإنه لا يفلته، كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم. قد يحدث العبد ذنبًا فيعطيه الله نعمة. لاحظ: العبد يحدث ذنبًا فيعطيه الله نعمة. بعضهم يظن الرب والدين، يظن الرب والدين، فيعطيه الله عافية في بدنه، وقوة في جسده، وكثرة في ماله. أتظن أن الله راضٍ عنه أو أن الله محب له؟ إنه الاستدراج: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. توبة يا إخوان النصوح التي لدى صاحبها عزم ألا يعود إلى هذه المعصية ولا يكرر الوقوع في هذا الذنب. هذه توبة يا إخوان نتيجتها تكفير للسيئات والخطايا، نتيجتها أن الله عز وجل يبدل سيئات التائب إلى حسنات: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. أي فضل هذا؟ أي كرم هذا؟ أي حلم من الله تبارك وتعالى؟ ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾، لعجل لهم العذاب. لكن يا إخوان، ربنا لطيف، وربنا حليم، وربنا يصبر على أذية المؤذين من عباده. إذن التوبة النصوح يا إخوان، بالبعد عن الخطايا والمحرمات، هي من أعظم ما نستقبل به هذه العشر، هذه العشر. وإلا فإن الفرصة قد تذهب على صاحبها. تدرون متى تذهب الفرصة على صاحبها؟ إذا نزل الموت، إذا حلت المنايا ونزلت الآجال. هنا كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. الموت يا إخوان، أين المفر من الموت؟ تظن أن الموت بعيد، تظن أن الموت لا ينزل. الموت يا إخوان أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. أرأيت شراك النعل حين أن تلبسه؟ الموت قريب منا. كم من إنسان لبس ثوبًا فلم يخلعه، خلع في المغسلة. كم من إنسان رفع لقمة فما وصلت إلى فيه. كم من إنسان نام فلم يستيقظ، واستيقظ فلم ينم، ولم ينم. ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ﴾، أي عند الموت، ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. يقول: يا رب، خمس دقائق، يا رب، ربع ساعة، يا رب، نصف ساعة. ماذا يريد أن يعمل؟ قال: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾. أول شيء المال الذي لربما أضاع لأجله فرائض وواجبات، وارتكب بسببه جرائم وعظائم ومحرمات، هو الذي سيبدأ به. ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾. ما ستخزن؟ قال: والله يا رب، ما أخزن. والدخان ستدخن؟ والله ما سأدخن. طيب، تسمع أغاني؟ إذا رجعت في هذه الدقائق تسمع أغاني؟ والله ما أسمع أغنية. طيب، تتابع أفلام مسلسلات إلى غيرها؟ قال: والله ما سأتابع شيء. طيب، ستتكلم في أعراض الناس وتقع في غيبتهم وتحتال عليهم؟ يا رب ما سأفعل شيء. وحقوق الناس التي عندك ولا تريد أداءها؟ يا رب سأعيدها لهم. انظر، مستعد، بس يريد الفرصة، لكنها ضاعت، لكنها فاتت. وربنا عز وجل قد قضى عنده أمرًا أنهم إليها لا يرجعون، لا يرجعون. أيها الأحبة في الله، توبة النصوح هي مفتاح عظيم يفتح لنا أبوابًا، ويفتح لنا أعمالًا، ويفتح لنا درجات ومنازل عالية عند الله تبارك وتعالى. أيها الأحبة في الله، ومن هذه الأعمال وهكذا الشعائر في هذه العشر المباركة، ألا وهي العشر من ذي الحجة: ذكر الله. يا إخوان، ذكر الله، هذه عبادة خفيفة على اللسان، لا تتطلب منا جهدًا ولا عملًا كثيرًا. كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن أبي هريرة: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». هذه الأيام يا إخوان هي الأيام المعلومات التي أمر ربنا عز وجل بالإكثار فيها من الذكر، كما قال ربنا عز وجل: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. هذه أيام ذكر يا إخوان، هذه أيام يشتغل الإنسان فيها في هذه العبادة. صحابي يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فمرني بشيء أتشبث به. فقال له: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله، بذكر الله». الله عز وجل حينما أمرنا بالذكر يا إخوان، أمرنا أن نكثر منه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. لو جلست أنا يا إخوان وجلست أنت خمس دقائق، وكم هي الساعات التي تذهب علينا، لربما سدى في غير ما فائدة؟ خمس دقائق. طيب، زدها عشرًا. وجعل أحدنا يكرر ذكرًا من هذه الأذكار: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب إلي مما طلعت عليه الشمس». كم سيأتي على هذا الذكر خلال خمس أو عشر من الدقائق؟ طيب، «لا حول ولا قوة إلا بالله»، كنز من كنوز الجنة، كنز من كنوز الجنة. كم يستطيع يا إخوان أن يأتي به الواحد منا؟ بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيعجز أحدكم، أيعجز أحدكم أن يأتي بثلث القرآن في ليلة؟» ثلث القرآن في ليلة. قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن». قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: يستحب تكرارها. يعني خمس دقائق. طيب، من بيتك إلى المسجد تأتي بـ «قل هو الله أحد» كم مرة ستأتي عليها؟ عشرون، ثلاثون، أربعون، خمسون مرة. انظروا يا إخوان، هذه الأيام العشر هي فرصة عظيمة جدًا لكي تلهج ألسنتنا بذكر الله عز وجل، ونجعلها رطبة من ذكره تبارك وتعالى وتقدس. طيب، نكمل إن شاء الله عقب الأذان. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا وحبيبنا وشفيعنا رسول الله، وعلى آله ومن ولاه. أما بعد: كما سمعتم أيها الأحبة في الله، أن من أعظم الأعمال التي تستغل فيها هذه العشر المباركة هي الإكثار من ذكر الله عز وجل. وهذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر، أخبر عليه الصلاة والسلام أنه: «ما من أعمال، أو ما من عمل أحب إلى الله عز وجل من هذه العشر». قال: «فأكثروا فيها من التهليل والتحميد والتكبير». هذه أيام ذكر يا إخوان. ولهذا يشرع فيها التكبير من أولها إلى آخر أيام التشريق، إلى آخر أيام التشريق. هذا التكبير وهذا الذكر يكون في بيتك، ويكون في طريقك، وفي سوقك، وفي عملك، وفي غيرها، وأنت قائم أو جالس أو ماشٍ أو متجعًا، إلى غير ذلك من الأحوال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وهذا يسميه العلماء تكبير المطلق. وقد ذكر البخاري في صحيحه معلقًا، ذكر أن ابن عمر وأن أبا هريرة كان يخرجان إلى السوق فيكبران، فيسمع الناس تكبيرهما فيكبر الناس، فيكبر الناس. وهكذا التكبير الذي يسميه العلماء بالتكبير المقيد، الذي يكون أدبار الصلوات عقب أداء الصلوات. وهذا يبدأ من فجر يوم عرفة، وهكذا يستمر إلى آخر أيام التشريق. ثلاث: يكبر المسلم ربه عز وجل: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». كبر، «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا». كبر الله عز وجل. فكم لهذه الأعمال من أجور عظيمة وفضائل جمة. وهكذا أيها الأحبة في الله، من هذه الأعمال وهذه الشعائر التي تستغل في هذه العشر: الصيام. يا إخوان، الصيام في حد ذاته عبادة عظيمة. قال ربنا عز وجل في الحديث القدسي، قال: «إلا الصوم». يعني كما قال عليه الصلاة والسلام: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة». قال الله عز وجل: «إلا الصيام». كيف يا إخوان؟ «إلا الصيام» يعني أجره أقل أو أكثر؟ أجره أكثر وأعظم. قال: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، هذه في الدنيا حين أن يفطر عند المغرب، وحين أن يفطر في آخر رمضان يأتي عيد الفطر. انظر إلى فرحة أهل الصيام. قال: «وفرحة» أي أخرى، قبرى، عند لقاء ربه. يوم ينادي المنادي: «أين الصائمون؟ أين الصائمون؟» فيقومون، يقومون، ثم يدخلون من باب من أبواب الجنة الثمانية، هذا باب خاص بهم يسمى هذا الباب ماذا يسمى يا إخوان؟ الريان. انظر: تعتش، لكن هناك الريان، أي كثرة الشبع من الماء، ريان. فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد غيرهم. فرحة كبرى يا إخوان حين أن يعطى الصائم أجرى، أجرى صومه، أجرى صومه. إلا أن الصيام في العشر يا إخوان أعظم وأحب إلى الله تبارك وتعالى من الصيام في غيرها، من الصيام في غيرها. وجاء في حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم تسع أيام، تسع أيام الأولى من شهر ذي الحجة، كان يصومها، كان يصومها، يعني يحرص على صيامها، فهي من الأعمال الصالحة التي هي أحب إلى الله عز وجل في العشر أكثر من غيرها. وكان عليه الصلاة والسلام، وكان عليه الصلاة والسلام يجتهد في الصيام فيها. وأما حديث أمنا عائشة حين أن نفت صومه عليه الصلاة والسلام لهذه العشر، فهي تخبر على حسب علمها، ومن علم حفظ، حج على من لم يحفظ. ويحتمل أن تكون أمنا عائشة تخبر عن سنة من السنوات التي ماذا قد يكون عليه الصلاة والسلام لم يصم تلكم الأيام كاملة لسفر أو عذر من الأعذار الأخرى. وإلا فالصيام في مقدمة الأعمال التي يجتهد فيها في هذه العشر، ولا سيما يوم عرفة وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة. لما سئل عليه الصلاة والسلام عن صومه قال: «أحتسب على الله أن يكفر ذنوب سنتين، ماضية وباقية، وباقية». كما في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه. إذن اجتهاد يا إخوان في الصيام، اجتهاد في الصيام في هذه الأيام. وهكذا أيضًا من هذه الشعائر وهذه الأعمال التي تكون في هذه العشر، في هذه العشر لاحظوا يا إخوان أن في هذه العشر أداء فريضة الحج. الحج يا إخوان هو الركن الخامس من أركان الإسلام، والمباني العظام التي يقوم عليها هذا الدين. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. إنسان مختدر على أن يؤدي شعيرة الحج. ممكن يبيع قطعة أرض ويذهب ويحج، ما المانع؟ ممكن عنده سيارتان يبيع إحداهما ويذهب ويحج، ما المانع؟ ليس عليه ضرورة. امرأة عندها من الذهب ما عندها، فيكفيها أن تذهب به وتحج، ما المانع؟ فتؤدي ركنا عظيما من أركان الإسلام. ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. ليشهدوا منافع لهم. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته في حجة الوداع: «أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحج، فحجوا، فحجوا، فحجوا». وكان عليها الصلاة والسلام يحث على التعجيل بالحج، فكان عليها الصلاة والسلام يقول: «من أراد منكم الحج فليتعجل، فليتعجل». قال: «فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له، ما يعرض له». ويقول عليه الصلاة والسلام في الرواية الأخرى: قال: «فإنه قد يمرض المريض». السنة هذا أنت بخير، ما يدريك العام القادم أو الذي بعده قد يبتل الواحد منا بأمراض تحول بينه وبين الذهاب إلى الحج. قال: «فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة». تذكرون قبل سنوات كان الحج ميسرا، وكان الحج الذهاب إليه سهلا، واليوم كلما تأخر كلما ازدادت الصعوبات، وهكذا قامت العقبات أمام الشخص وأدائه لهذه الفريضة. قال: «وتعرض الحاجة». تأتي الأمراض مثل ما جاء في أيام كورونا، تأتي الحروب والفتن، وهكذا غيرها من الأحوال، فيحال بين الشخص وبين الحج، وبين الحج. لهذا التعجيل يا إخوان بالحج من الأمور العظيمة جدًا. بعض الناس عنده يستطيع يدبر حاله، لكن يبغى حج مجاني، يبغي أحدا يتصدق عليه، يقول: لعلها تتيسر. طيب يا أخي، أنت حين أنت حج من مالك، أتظن أنك خاسرًا؟ أنت رابح، أنت تتاجر مع الله عز وجل: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾، لن تبور. لهذا الحجاج اليوم يا إخوان يعيشون أيامًا فاضلة، أيامًا عظيمة في مكة، وهكذا في المدينة. منهم من يزور المدينة في هذه الأيام. أيامهم من أجمل أيام الدنيا، فيها من المشاعر، فيها من الروحانيات، فيها من الطمأنينة. كم يا إخوان تسكب العبرات هناك، وكم يا إخوان تبذل الجهود هناك، وتدفع الأموال هناك. فلا إله إلا الله، ما أعظمه من حال! أفق إليهم، أولئك الحجاج. من الله علي وعليكم جميعًا بحج بيته سنين عديدة وأزمنة مديدة. أيها الأحبة في الله، في اليوم الثامن من ذي الحجة هو يوم التروية، يهل فيه الحجاج بيئة الحج، ويتجه إلى منى. وهناك في منى يصل الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت ليلة عرفة، ويصل صلاة الفجر يوم عرفة، ثم يدفع من منى في اليوم التاسع، يوم عرفة، متجهين إلى صعيد عرفات، إلى عرفة. وهناك يصل الظهر والعصر جمع تقديم، ويجلس في عرفة إلى غروب الشمس. إذا غربت دفعوا في ليلة العيد إلى مزدلفة. وهناك يصل المغرب والعشاء جمع تأخير، ويبيت ليلة العيد بمزدلفة. وفي صبيحة يوم العيد يدفع من مزدلفة إلى منى. واليوم العاشر هو يوم الحج الأكبر، هو يوم النحر، يوم الأضحى. يرمي فيه الحجيج جمرة العقبة، وهكذا يحلق رؤوسهم أو يقصرون، وهكذا ينحر هديهم أو يذبحون، وهكذا يكون طواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة. أعمال جليلة تكون في اليوم العاشر، والآخر من هذه الأيام العشر المباركة. أحبة في الله، من هذه الشعائر وهذه الأعمال العظيمة المباركة التي تكون في هذه العشر: صلاة العيد. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. صلاة العيد هذه تكون في اليوم العاشر من ذي الحجة. وصلاة العيد ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوبها، وذهب كثير من أهل العلم إلى عدم وجوبها، والأحاديث وهكذا الآيات تدل على الوجوب، على الوجوب. كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بأن يخرج إلى العيدين العواتق وذوات الخدور والحيض. العواتق هي البنات الشابات، يخرجنا إلى إلى مصلى العيد، وهكذا ذوات الخدور: المرأة التي تختبئ في خدرها في بيتها تخرج إلى صلاة العيد. المرأة الحائض تخرج إلى مصلى العيد، فإذا قام الناس إلى الصلاة اعتزل الحيض المصلى، أن يرجعن إلى الوراء ولا يصلين، لكن يشهدن الخير، يشهدن دعوة المسلمين. فضيل عظيم يا إخوان.