الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر المؤلف ثلاث حالات لا يؤثر فيها الشك في العبادات والمعاملات، وهي الشك بعد الفعل وتكرار الشكوك والشك الوسواسي. لا يلزم إعادة العبادة أو المعاملة إذا حدث الشك بعد إتمامها، ويجب عدم الالتفات إلى الشكوك المتكررة أو الوسواسية.
يشرح المقطع حكم الشك والوهم وحديث النفس في العبادة، حيث يبين أن الشكوك والوساوس لا تؤثر على صحة العبادة إذا لم يكن هناك يقين. يجب على المسلم أن يبني على اليقين ويترك الشكوك والوساوس، وحديث النفس لا يحاسب عليه ما لم يؤثر عملا.
إذا نوى الإنسان طاعة ولم يستطع فعلها كتبت له حسنة، وإذا هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة إذا تركها خوفا من الله. يؤجر الشخص إذا تهيأ بالأسباب للعمل الصالح، سواء كانت أسباب فعلية أو قولية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والشك بعد الفعل لا يؤثر، وهكذا إذا الشكوك تكثر أو تكن وهمًا مثل وسواس، فدع كل وسواس يجيء به لكع. هذه قاعدة من القواعد الفقهية التي ينبغي أن تراعى، لكن هنا القاعدة الأصلية هي قولهم: اليقين لا يزول بالشك. اليقين لا يزول بالشك، وهذه الأشياء التي ذكرها المؤلف هنا هي فروع من هذه القاعدة. فالشك هو التردد بين شيئين، وهنا ذكر الشيخ رحمه الله عليه ثلاث حالات على أن الشك فيها لا يؤثر. الحالة الأولى: بعد الفعل، فإنه لا يؤثر الشك. إنسان مثلا انتهى من صلاته، فإنه ذكر بعد ذلك أنه هل قرأ الفاتحة أو لم يقرأ في الركعة الأولى أو في الركعة الثانية أو غيره، فهل يعيد؟ لا، هذا الشك لا يؤثر. هذا الشك لا يؤثر، لا يدري صلى انتهى من الصلاة ثم لا يدري هل صلى أربعًا أو صلى ثلاثًا، هذا أيضًا الشك لا يؤثر. خلاص انتهى من الصلاة، إلا إذا كان ذكر مثلا ترجح عنده أنه لم يصل ثلاث ركعات، وهنا لابد أن يأتي بركعة. أما إذا كان لا زال شكًا وهو قد انتهى من الصلاة، فإن هذا الشك لا يؤثر. كذلك الوضوء، فأيضًا إذا توضأ ثم شك هل تمضمض أو لم يتمضمض، شك هل غسل يديه أو لم يغسل يديه، أيضًا هذا لا يعتبر. وغالبًا هذا الشك من الشيطان، والعاقل هو وقوع العبادة صحيحة، ما دام أن العبادة قد انتهت، فوقوعها صحيحة. وهذا في جميع العبادات، حتى مثلا في الذبح، إنسان ذبح ذبيحة ثم شك بعد ذلك هل سمى أو لم يسم، فهذا لا يؤثر. أيضًا في المعاملات، مثلا في البيع، انتهى من بيع لكن شك هل توفرت الشروط وانتفت الموانع أم لم تتوفر الشروط ولم تنتفي الموانع، فأيضًا لا يؤثر. ما دام أنه قد انتهى البيع، فهو لا يؤثر، وهذا الشك لا يؤثر فيه. الحالة الثانية التي ذكرها المؤلف: إذا كثرت الشكوك مع الإنسان، يشك في الوضوء والصلاة والصيام، أحيانًا يشك فيه أكثر من شيء، في الوضوء يشك في النية ويشك في غسل يديه، إذا كان هذا حاله فلا ينظر إلى هذا الشك. حتى لو قال له الشيطان: أنت لم تغسل يديك، لا، لا يلتفت إلى هذا. في الصلاة مثلا يقول له: أنت ما كبرت تكبيرة الإحرام، لا يلتفت إلى هذا، يقول له: ما قرأت الفاتحة، لا يلتفت إلى مثل هذه الأمور أبدًا، لا يعود أبدًا. فهذا من أشد العلاج للوسواس، أشد علاج للوسواس أنه لا يعود، حتى لو جاءه الشيطان يقول له مثلا: أنت صلاتك باطلة، يقول: خليها تبطل، أنا راضي أنها باطلة، لا يرجع أبدًا. هذا الرجوع هو الذي يسبب الوسواس، إذا كثرت الشكوك عند الشخص يحاول أنه لا يرجع، فصلاته صحيحة بإذن الله، وهذا من وسواس الشيطان. ولهذا قال العلماء: إنه إذا كثرت الشكوك فإن الإنسان لا يرجع بعد ذلك. وإن شك في شيء، وهذا من الشيطان، فإن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم. وفي حديث عبد الله بن الزبير -لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا- يستدل به العلماء على أنه لا يخرج من الصلاة إلا بيقين، وأما الوساوس والشكوك فهي ليست مؤثرة. هذا الحال الثاني. الحالة الثالثة التي ذكرها المؤلف: إذا كان الشك مجرد وهم، فإن الإنسان لا ينظر إليه. وهذا الذي عناه بقوله رحمه الله عليه: أو تكن وهمًا مثل وسواس، فدع كل وسواس يجيء به لكع. لكع معناه: الأحمق أو اللئيم أو الذي يتبع هواه، يتبع ما يوحي إليه الشيطان من هذه الوساوس وغيرها. فالحالة الثالثة قال: أو تكن وهمًا مثل وسواس، فدع. في الحالة الثانية إذا كان الشك مجرد وهم، فإن الإنسان لا ينظر إليه. أن الوهم هذا هو الظن المرجوح، الظن المرجوح. وهذا كثيرًا ما يحصل لكثير من الناس بجهل، مثلا يقول: لعلي حصل لي كذا. الآن مثلا عنده وضوء معه وضوء للصلاة، فيقول: لعلي أحدث، ظنه أنه ما أحدث، لكن عنده احتمال أنه قد أحدث، فيقول: لعلي أحدث، لعلي فعلت، لعلي كذا، فهذا لعلي هو وهم ومن وساوس الشيطان. فلهذا لا يؤثر في العبادة، ولا يؤثر أيضًا، بل يكون مثلا إنسان وضوءه توضأ مثلا من صلاة العصر، ثم حضرت المغرب وهو على وضوء، فغالب ظنه أنه لم يحدث، فيأتيه بعد ذلك الشكوك أو الوهم، يقول: لعلي فعلت، لعلي مثلا أحدث، لكن أنا ما نسيت، يقول: لعلي أحدث وأنا نسيت الآن، هذا كلام باطل، هذا أوهام خطأ، بل يبقى على يقين أنه لم يحدث، ما فيه شيء، لكن لا يجعل الوضوء هذا التجديد لأجل الوهم، لا يجعل التجديد لأجل الوهم، هذا أنه لعلي فعلت، هذا يعتبر باطل. فلهذا الشك وهو مجرد الوهم لا يؤثر في العبادة، والواجب على المسلم أنه يترك مثل هذه الشكوك ويبني على اليقين. الشرع جعل مثل هذه الأمور حتى لا يتشكك الإنسان في عبادته، في قربته لله عز وجل، فتخرج هذه الشكوك عن المقصود. كم من إنسان الآن هذه الوساوس أخرجته، حتى بعضهم لا يصلي من كثرة الوساوس، وهذا يستدرج به الشيطان بعض الناس الذين غالبًا قلوبهم طيبة، لكن استسلم، معنى غلبها الشيطان، أنه ما يريد مثل هذه الأمور، لكن تجد أنه غلب مثل هؤلاء الذين يقولون: عندهم وسواس قهري، تجد أنه أيضًا يصلي عدة مرات، معنى يدخل مكان الوضوء لا يخرج إلا بعد ساعة أو ساعتين، هذا الشيء جعله بعد ذلك يكره الغسل أو الاغتسال أو دخول الحمام. فلهذا بعضهم يترك الصلاة، أو بعضهم يصلي بدون وضوء، وهكذا يحصل مثل هذا، وهذا كله من وساوس الشيطان. ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الشكوك، لما ذكر في حديث جاء من حديث أبي هريرة وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم الشيطان في الصلاة فقال له: أنت فعلت كذا وفعلت كذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لينتهي وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، يعرض عن هذه الوساوس ويترك مثل هذه الوساوس لأنها ستضره، ويبني على اليقين أنه لم يحدث، لم يفعل شيء ينقص الصلاة أو يضر الصلاة. قال رحمه الله: ثم حديث النفس معفو فلا حكم له ما لم يؤثر عملا. حديث النفس معفو فلا حكم له ما لم يؤثر عملا، يعني من الأشياء التي لا تؤثر في العبادة ولا تؤثر في العمل حديث النفس، حديث النفس وهو ما يحدث به الإنسان نفسه في قرارة نفسه، فهذا لا يحاسب عليه العبد، فالنفس أمارة بالسوء، وإن أمرته بالسوء في نفسه، لكنه فهذا أيضًا لا يؤثر ولا يأثم عليه. لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم﴾. ما لم تعمل أو تتكلم، حتى لو كان هذا الوساوس فيها معصية، مثلا يعني إنسان وهو في الصلاة يحدث نفسه أن يذهب إلى مكان كذا يفعل معصية، فهل يأثم على ذلك؟ لا، ما يأثم، ما يأثم لأن هذا معفو عنه. لكن قد يكون هذا إذا كان مثلا في الصلاة يبعده عن الصلاة ويبعده عن الخشوع، وهذا أمر غير مطلوب، لكن أيضًا حتى إذا لم يكن في الصلاة، إذا لم يكن في الصلاة، مثلا يهم أنه يذهب إلى معصية، هذا الهم أو هذا الأذى الذي في قلبه ولم يخرجها ولم يعزم عليها، هذه لا تؤثر، لا تؤثر، ولا يأثم الإنسان على ذلك. وهذا إذا كان لم يفعل ولم يقل، لم يفعل ولم يقل، فهذا لا تؤثر. لكن إذا كان فعل فعل شيء من الأسباب التي تذهب به إلى طاعة أو إلى معصية، في الحديث: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة»، أنا يريد أن يفعل طاعة لكنه لم يستطع أن يفعلها لعجزه أو لأن الأسباب لم يتمكن في فعل هذه الحسنة. مثلا إنسان أراد أن يتصدق على آخر، ثم معه هذا المال يريد أن يتصدق على فلان، لكن مر بالسوق فوجد شيء عجبه، قال فقام واشتراه، فانتهت الفلوس، المال الذي معه ما يستطيع بعد ذلك أن يتصدق، فهنا يؤجر على هذه النية. «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة»، فإن عملها كتبت له عشر حسنات. «ومن هم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة»، أن الإنسان هم بسيئة لكن لم يعملها، سواء كان لعجز أو لتعدر الأسباب أو كذلك لخوف من الله أو لغيره. وإن كان بعض العلماء يقول: إذا كان لتعدر الأسباب وعدم القدرة، فهذا تكتب له سيئة، ولا تكتب له حسنة، إنما تكتب لمن تركها خوفا من الله. لهذا جاء في بعض الحديث في صحيح البخاري قال: «إنما تركها من جرائي»، إنما تركها من جرائي، معنى لأجل تركها، فدل على أن السيئة هذه التي تكتب له حسنة هي التي يتركها لله. وأما إذا تركها لأجل تعدر الأسباب وعجز عن معنى اجتهد اجتهادًا عظيمًا لأجل أن يفعل هذه المعصية، لكن تعذرت عليه الأسباب، فهنا هل تكتب له حسنة؟ قالوا: لا، لا تكتب له حسنة، لأن نيته لا زالت في المعصية، وإنما منعه من المعصية هو عدم القدرة. فإذا كان هناك فعل للأسباب، فهذا يعتبر هم ليس حديث نفس، خرج أن يكون حديث نفس إذا لم يكن هناك فعل الأسباب، فهذا حديث نفس. فمثل هذا إذا نوى طاعة وهو لم يفعل شيء من الأسباب، بعض العلماء قال: يؤجر على نيته، يؤجر على نيته. وبعض العلماء قال: إنما يؤجر من قال أو فعل أو تهيأ بالأسباب، إذا كان تهيأ بالأسباب، سواء كان أسباب فعلية أو قولية، فهذا يؤجر. مثل ما جاء في حديث أبي كبشة الأنماري: «إنما الدنيا لأربعة نفر»، ثم ذكر رجلاً قال: «لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان»، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأجرهما سواء».