الدرس في شرح كتاب التوحيد 110، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من اتخاذ القبور مساجد وتصوير الصالحين فيها، حيث وصف فاعلي ذلك بأنهم شرار الخلق عند الله. هذا التحذير جاء بعد أن ذكرت أم سلمة وأم حبيبة كنيسة في الحبشة ورسوماتها لعيسى ومريم.
الحديث النبوي يشرح مخاطر بناء المساجد على القبور وتصوير الصور فيها، ويتناول معنى "العبد الصالح" و"الرجل الصالح" في سياق الحديث، مشيراً إلى أن الأول يشير إلى الأنبياء والرسل والثاني إلى أتباعهم من الصالحين.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر المسلمين من التشبه بالنصارى في بناء المساجد على القبور، ووصف هذا الفعل بأنه مخالفة لشريعة الإسلام التي لا تجيز الجمع بين المسجد والقبر في مكان واحد.
الدرس يختتم بالإشارة إلى اكتفاء الشيخ بما ذكر من أدلة حول عدم جواز بناء المساجد على القبور، مع الوعد بمتابعة بقية الأدلة في الدرس التالي، ويختم بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما الكثير. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ مر معنى هذا التأديب وما فيه من مسائل وأحكام. ثم قال رحمه الله: قال: وفي الصحيح عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في بيان صحة التأديب الذي بوابه هذا الباب: باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح. وذكر حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، والذي فيه أخبرت أن أم سلمة -وفي رواية كذلك في الصحيح- وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله كنيسة رأتها في أرض الحبشة. إذ أنهن من المهاجرات ممن هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، فكان مما رأين في تلك الأنحاء وفي تلك البلاد الكنائس. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله كنيسة -والكنيسة هي معبد النصارى، الكنيسة يطلق على معبد النصارى الذي يتخذ عندهم للترانيم والصلوات والاجتماعات التعبدية- ذكرت لرسول الله كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. وهذا إلى الآن من ذهب أو ذهب من يذهب إلى الكنائس ويتحقق ما فيها، يجد فيها المبالغة في التصاوير، المبالغة في التصاوير إما تصاوير مرسومة وإما تصاوير منحوتة على الجدران، وأكثرها إما تعود -والعياذ بالله- إلى صورة الصليب عيسى، وهو قد صلب فرية، ومريم، وهذا كذب، وهذا مما لبس على النصارى ومما لبس على اليهود قضية الصلب وأن عيسى صلب. فمع أن الله عز وجل نفى عنه ذلك، وما قتلوه وما صلبوه بل رفعه الله إليه سبحانه، لكن هم يعتقدون هذا، فيكثرون من هذه الصور والتراسيم، صورة عيسى وهو منصوب ومصلوب على هذا الصليب، أو صور مريم العذراء، صور مريم العذراء. وقص على ذلك بعض من يعتبرونه من الأفاضل من القسيسين والرهبان، فتجد أن الكنيسة قد مليئت بتلكم التصاوير. فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». هنا الرجل الصالح أو العبد الصالح، هل هذا من فعل الرواة أن الراوي الذي روى الحديث تشكك في أي العبارتين نطق عليه الصلاة والسلام أم نطق بالرجل أم نطق بالعبد؟ فقال الراوي شاكا العبد الصالح أو الرجل الصالح؟ الجواب: لا، الصحيح أن هذا من لفظه عليه الصلاة والسلام، النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا وهذا، قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح»، فالنبي جمع بين وصفين، جمع بين وصف الرجولة وبين وصف العبودية، هذا من قوله عليه الصلاة والسلام، فما خرج ذلك مخرج الشك، وإنما خرج مخرج الجمع. فعلى هذا القول إذا قلنا بأن النبي وصف الميت عند النصارى إما أن يكون عبدا صالحا أو رجلا صالحا، فما الفرق بينهما؟ الفرق كما قال العلماء: أن العبد الصالح يطلق على الأنبياء والرسل، والرجل الصالح يطلق على أتباع الرسل، هذا الفرق بينهما. فقوله عليه الصلاة والسلام: «العبد الصالح» -اجعل بين قوسين نبي أو رسول- إذ أن العبودية من أشرف المقامات، قد مر هذا معنى في دروس خلت، فالعبودية من أشرف المقامات، وصف الله جل وعلا به رسوله وأنبياءه، فهم عبيده لأنهم أذعنوا لله بكمال العبودية له. فقوله عليه الصلاة والسلام: «العبد الصالح» أي أنبياء ورسل، أو «الرجل الصالح» أي من أتباع الرسل من العلماء والعباد ومن غير ذلكم. إذن أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن من فعل النصارى أنه إذا مات عندهم نبي أو رسول أو مات عندهم رجل صالح عابد أو عالم، إذا مات ماذا فعلوا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور». بنوا على قبره مسجدا، مسجدا هنا بمعنى مكان العبادة، مكان العبادة هذا المقصود بالمسجد، لأنه قد مر معنا لأن النصارى إنما يتعبدون الله في الكنائس، فالكنائس تعد بالنسبة إليهم مساجد، وكل موضع أعد للصلاة فهو مسجد، كل موضع أعد للصلاة فهو مسجد، لقوله عليه الصلاة والسلام: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». فالنبي أخبر على أن الأرض كلها مسجد، ما معنى مسجد؟ هل بمعنى أن الأرض من طرفها إلى طرفها بنيت على أعمدة وسقفت وجعلت مسجدا؟ الجواب: لا، وإنما «وجعلت لي الأرض مسجدا» أي محل للعبادة، فأينما رجل أدركته الصلاة فليصلي، فهو في مسجد أي بالعموم. وهكذا الكنائس فلما كانت عند أهلها محلا للعبادة فهي بالنسبة إليهم مسجد، فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا» أي بنوا على قبره كنيسة. وبهذا تعلم أن الكنائس إنما تبنى على القبور عند النصارى، الكنائس لهذا الحديث تبنى على القبور إذا مات رجل أو نبي كما تزعم النصارى، فإن في هذا المحل تبنى كنيسة تبنى كنيسة. وللأسف إخواني في الله أن نجد من أهل الإسلام من يتشبه بالنصارى في هذه الحيثية، فتجد أن من الناس من لا يحل له بناء المساجد إلا على القبور، فهذا تجد ما من بلدة من بلادنا إلا وتجد أن مسجدا -لأقول صغيرا بل ربما كان جامعا- بني على قبور، هذه جسيسة كتابية ليست من شريعة الإسلامية. فإن في شريعتنا كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: قال: «وفي دين الله لا يجتمع مسجد وقبر، ما يجتمعان مسجد وقبر في آن واحد في مكان واحد ما يجتمع في دين الله»، قال: «ولا يجتمع في دين الله مسجد وقبر»، هذا عند النصارى نعم، بل ما تحلو الكنائس بل ولا تشاد الكنائس إلا على القبور. «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور»، ثم ماذا قال نبينا؟ قال: «أولئك شرار الخلق عند الله». وهذا المورد الحكم الوصف على من يفعل هذا الفعل، هل هذا الفعل مما يمدح عليه صاحبه؟ هل هذا مما يشكر عليه بانيه؟ لا، بل هذا مما يذم، بل مما يقال عنه أنك من شر خلق الله. لهذا الحديث: «أولئك شرار الخلق عند الله»، من أين جاء هذا الوصف؟ لما كان من جمعهم بين الصور والتماثيل وبناء المساجد على القبور. ولهذا من فعل هذه الفعل فليعلم أن له حظا من هذا الوصف، فإذا رأينا أن أحدا ما يتعمد في بناء المساجد على القبور أو من يتعمد أن يصلي في مسجد فيه قبر، اعلم أنك من شر خلق الله، اعلم أنك من شر خلق الله. فهذا الحاصل إخواني في وسائط معنا في عدة أبواب أو في عدة أدلة، ويتدل على ما أراده المؤلف رحمه الله: باب ما جاء من التغليظ فيما إذا عبد الله، فهؤلاء إنما بنوا الكنائس لله لكن بنوها على رفاة قبور، فاستحقوا بذلك الذنب والتغليظ في العقوبة، وهذا الحكم عام في كل ملة وفي كل دين. وحتى في دين وكاسئة معنى اتفاق العلماء على عدم جواز بناء المساجد على القبور، فإلى هنا نكتفي بهذا الحد، ونكمل ما بقي من الأدلة في درس غد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.