شرح كتاب التوحيد 109

شرح كتاب التوحيد 109

الدرس في شرح كتاب التوحيد 109، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من تعظيم القبور والصلاة عندها

يناقش المؤلف مسألة تعبد الشخص عند قبر رجل صالح ويبين النهي الشديد عن هذا الفعل واعتباره من الشرك الأصغر. يوضح أن هذا الفعل قد يكون ذريعة إلى الكفر والشرك بالله.

خطورة الصلاة في المقابر واتخاذها مكانًا للعبادة

القبور ليست مكانًا مناسبًا للعبادة بسبب تواجد الشياطين فيها، ولا تجوز الصلاة في المقابر إلا صلاة الجنازة ولها أحكام خاصة. يتناول المقطع تحريم الصلاة عند القبور وتغليظ العقوبة لمن يفعل ذلك.

فهم الصحابة للنصوص وحرصهم على تجنب الشبهات حول القبور

يروي أنس كيف فهم كلام عمر 'القبر القبر' كتحذير من اتخاذ القبر مكانًا للصلاة، ويشير إلى أن المؤلف سيورد أحاديث من صحيح السنة حول هذا التحذير. يُظهر المقطع فهم الصحابة للنصوص وحرصهم على تجنب الشبهات والمخالفات الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى- "باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟". مواصلة إخواني في الله، في كتابنا، وفي رسالة المؤلف -رحمه الله تعالى- الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- والموسوم بكتاب التوحيد، بواب لنا بهذا الباب، فقال "باب ما جاء من التغليظ"، التغليظ، أي: من الأمور الواردة في الشرع من النهي والنفي واللعن والتحذير والنهي الشديد، كل ذلك من أنواع التغليظ على حكم شرعي. قال "باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح"، صورة المسألة: أن أحدا ما أراد أن يتعبد لله، لكنه اختار المكان لهذه العبادة المقبرة عموما، أو عند قبر بالخصوص، فأراد أن يصلي مثلا، أراد أن يقرأ القرآن مثلا، أراد أن يأتي بذكره بورده، فلجأ إلى قبر صالح، فجلس بجنبه وقرأ. فقال المؤلف -رحمه الله- "باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح"، هذا الفعل -إخواني في الله- جاء النهي عنه، وأن هذا لا يجوز، وأن هذا من المحرمات، بل عده العلماء من الشرك الأصغر، هذا الفعل من الشرك الأصغر؛ لأنه ذريعة إلى الكفر والشرك بالله سبحانه وتعالى. قال "فكيف إذا عبده؟"، إذا كان هذا الوعيد إنما ينصب على من عبد الله لكن عند قبر، فما ظنك إذا كان هذا الإنسان عبد القبر؟ والعبودية إنما قد تقع على صاحب القبر، كمن يأتي إلى قبر ويعبد صاحبه، كان يعتقد فيه النفع والضر، ويلتجئ ويهتف باسمه، ويستغيث بكنيته، فلا يزال يرتمي تحت أحضان هذا الميت، هذا الشرك عبادة لهذا الميت، وأحيانا قد تقع العبودية على القبر، على شبابيك، على الستور المرخاة عليه، على ما يكون من التمسح به والتبرك به. فأحيانا العبودية تكمن في صاحب القبر، أو على القبر، فقال -رحمه الله تعالى- "قال فكيف إذا عبده؟"، وسيذكر لنا المؤلف -رحمه الله تعالى- الأدلة الدالة على ذلك. وقبل الدخول في الأدلة -إخواني في الله- فإن في هذا الباب، وفي هذا التأليف بالذات، إشارة إلى مسألة يسميها العلماء بفتنة القبور، فتنة عظيمة، من خلالها وقعت أمم في الشرك والكفر والردة، قد مر ذلك معنا في قصة قوم نوح، من أين دخل عليهم الداخل؟ من أين دخل عليهم الشرك؟ عندما عكفوا على القبور. القبور -إخواني في الله- هي من الأماكن التي تتكاثر وتتوارد عليها الشياطين، العلماء عندما يذكرون أماكن الازدحام للأبالسة والعفاريت والجن والشياطين، تكمن في الحمامات، وأمكنة قضاء الحاجات -أعزكم الله- وكذلك تكمن في الأماكن المهجورة، وفي الأماكن المهجورة، ومما يذكر من هذه الأمور المقابر، فيكثر فيها الجن. فلا يمكن لأحد -إخواني في الله- أنه يجعل لهذا المكان مكان تعبد وعبادة؛ فالشياطين محتضرة، وما نسمع من تلكم الروايات ممن يكتب في باب الكرامات ويذكر أنه حصل عند الضريح الفلاني، وعند القبر الفلاني، صوت من الأصوات، بل حرك من الحركات، منهم من يسطر بأنه دخل على ضريحي ولي، فإذا بعدما سلم عليه، إذ بي خرجت من الضريح تسلم على الحاضرين، معنى هذا للقرافة أقرب. لكن إذا أقسم الأيمان على حصول هذا، فيقال: هذا من فعل من؟ من فعل الجن، أما الإنسان هو مرهوم بعمله، ليس متفرغا لزواره، يلقي السلام والتحايا على من حضر، وعلى من زار، كل مرهوم بعمله، إن كان صالحا لينعمه الله بالجنة، قد مهد قبره ووسع عليه، وإن كان معذبا -نسأل الله السلامة والعافية- فهم مرهوم بعقابه وعذابه الذي سلطه الله عليه في قبره. أما من يخرج يده إلى الحاضرين، هذا من فعل الجن، يسمع الأصوات كما يذكرون، جماعة سمعوا أصواتا، هذا من فعل الجن ممن تتلاعب بأنصاف هؤلاء ممن عظموا صاحب القبر، فهذا فتنة القبور. ولهذا -إخواني في الله- لما كانت القبور بهذه المنزلة لم تشرع فيها العبادة، ويذكر الفقهاء من الأماكن، عندما يذكرون في باب الفقهيات من الأماكن التي لا تشرع فيها الصلاة، بل صحت في ذلكم الآثار أن الصلاة لا تصح في المقابر، الصلاة لا تصح في المقابر، ما تصح، ولن يجوز أن تصلى صلاة في مقبرة، لا فريضة ولا نافلة. واختلف العلماء في حكم الصلاة في المقبرة بين البطلان وبين التحريم والكراهة، إلا ما كان من صلاة الجنازة، ومع ذلك جعلها مصلى، وكذلك على من يصلي على قبر ما، وصلاة الجنازة كذلك، هل لهذه الصلاة سجود؟ هل لها ركوع؟ لا، ما هناك سجود ولا ركوع في صلاة الجنازة، الركوع والسجود لله سبحانه وتعالى، حتى لا يلتبس الأمر، حتى لا يلتبس الأمر. وهذا يجرنا إلى مسألة أخرى في مسألة الجنائز كذلك، ما ينوه عليه جماعة من أهل العلم، كما أشار لذلك العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في كتابه "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد"، ما ذكر إلى أن الجنائز ينبغي أن تكون عند الصلاة المكتوبة، تكون خلف الجنائز، تكون خلف الناس، كبعض المساجد، مثل في صلاة العصر أو نحو ذلك، تكون بعد الصلاة، تقام صلاة جنازة. فهنا الأصل أن الجنازة تبقى في الخلف، لا تبقى أمام المصلين وهم يصلون الفريضة؛ لأن صلاة الفريضة فيها سجود، وفيها ركوع، فتخيل السجود والركوع إن كان لله جل في علاه، لكن الجثث بالأمام، بالمقدمة، حتى ذكر -رحمه الله- صورة عن حادثة في أحد السنوات القديمة حول أناس ماتوا في الباخرة، ثم طرحت الجنائز أمام المصلين، فصلي أولا بالفريضة، فكان من التقاط الصور أنه في أثناء سجودهم لله في فريضتهم، فصورة هذه الصورة سجود أمام جثث. فكان الشيخ الألباني يستشنع هذه الصورة استشناعا عظيما، وقال: انظر لمؤدى هذا الذي لا يفهم الإسلام، يقول: هؤلاء سجدوا للأموات، ولهذا كان الذي يستحسن الفقهاء أن صلاة الجنازة ترجع إلى الخلف، في المؤخرة، ثم يصلي الناس المكتوبة، فبعد انتهاء المكتوبة يؤتى بالجنازة إلى الأمام، ويصلى، وصلاة الجنازة قيام، لا ركوع ولا سجود، حتى لا يلتبس الأمر على الخلق. فالشاهد -إخواني في الله- أن هذا الباب سيذكر لنا المؤلف -رحمه الله تعالى- في بيان التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، الأصل النهي عن كافة القبور عموما، وعند قبور الصالحين خصوصا؛ لأن الفتنة بهم أعظم. ومن تأمل إلى الزيارات الشركية، حتى يتأكد من هذه المعلومات، يذهب إلى هذه الزيارة ويسمع ما الذي يفعل عند أهلها من الاستغاثة والاستنجاد والاستمداد، وطلب المدد والولد، وكشف الكربات، وإغاثة المهمات والمدلهمات، وكل ذلك من الشرك العظيم لعظيم ما يكون من تعظيم القبور. حتى ذكر الصنعاني -رحمه الله تعالى- في أحد رسائله عن رجل عامي دخل إلى مقبرة أو إلى ضريح، فوجد في حول هذا الضريح من الهالة، أي: من الستور، ومن الأموال، ومن الذهب المعلق، ومن الإضاءات في أزمانهم، حتى ما ظن أن هذا الرجل أن هذا هو مكان رب العالمين من شدة مهالة هذا المكان. وكان الصنعاني -رحمه الله- يتحدث عن فتنة القبور عند عامة الناس وخاصتهم، فشاهد -إخواني في الله- في هذا الباب سيتكلم المؤلف -رحمه الله تعالى- عن هذه المسألة التي جاءت الأدلة على تحريمها، وعلى عدم جوازها، وعلى هذا درج السلف. مر عمر -رضي الله تعالى عنه- على أحد الصحابة، وكأنه أنس -رضي الله تعالى عنه- وكأنه يصلي، إلا أن أنس لم ينتبه إلى قبر بجواره، وكان الوقت ظلمة في الليل، لم ينتبه إلى وجود قبر بإزائه وجواره أثناء صلاته، فلما رآه عمر ناداه "القبر القبر"، أي: احذر من هذا المكان. قال أنس: "فرفعت رأسي إلى السماء، ظننته يقول: القمر القمر"، ظننته يقول: القمر القمر، وإنما أراد عمر "القبر القبر"، أي: انتبه، هذا ليس محل الصلاة، فهذا الذي سيورده لنا المؤلف -رحمه الله تعالى- من صحيح السنة الدال على التغليظ والتهديد والتحذير من عدم اتخاذ القبر محلا للطاعات والعبادات. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.