شرح كتاب التوحيد 107

شرح كتاب التوحيد 107

الدرس في شرح كتاب التوحيد 107، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير النبي من الإطراء والغلو

يشرح هذا الفصل تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الإطراء والغلو في حقه كما فعلت النصارى مع عيسى عليه السلام، ويبين معنى الإطراء ومخاطره. النبي نهى عن المبالغة في وصفه وأكد أنه عبد لله ورسوله.

النهي عن المبالغة في مدح النبي

هذا الفصل يوضح نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإطراء في مدحه، محذرًا من الأقوال الفجة التي تُقال في حقه دون دليل، مثل ادعاء أنه يعلم الغيب أو أنه أصل الوجود. يشدد على أهمية عدم تجاوز الحد في مدحه.

أهمية التوسط في تقدير الصالحين

يشير هذا الفصل إلى أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو يشمل أيضًا غيره من الصالحين، حيث يجب عدم المبالغة في تقديرهم. يؤكد أن العبودية لله من أشرف المقامات ويجب التمسك بالتوسط في التقدير.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله تعالى. يُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». أخرجاه، وهذا الحديث أخرجه البخاري بهذا اللفظ. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في بيانه أن من أسباب ضلال الأمم وكفرهم وتركهم للدين، وما كان من غلوهم بالصالحين، مرت معنى الأدلة التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب من آيات وأحاديث، وها هنا يذكر رحمه الله تعالى حديث عمر، والذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم». وما هو الإطراء؟ ذكر العلماء أن الإطراء هو مجاوزة الحد في المدح، وهو مجاوزة الحد في المدح، وأبعضهم يذكره، كابن الأثير رحمه الله تعالى، مع الكذب فيه. فالإطراء هو مجاوزة الحد في المدح، وقد أشرنا، إخواني في الله، في أوائل مباحث هذا الباب، أن الغلو هو مجاوزة الحد، فكل ما تجاوز به العبد حده بعقائد وأعمال وأقوال وأحوال، فهو غلو. وإما مما قيده العلماء أن مجاوزة الحد في المدح، وهو نوع من أنواع الغلو، يقال عنه إطراء. فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني»، أي لا تفعلوا هذا معي، لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، أي لا تفعلوا هذا معي كما فعلت النصارى مع ابن مريم. وما الذي فعلت النصارى مع عيسى عليه السلام؟ رفعوا من قدره، لم يرتضوا بمنزلته التي أنزله الله إياها، فهو عبد رسول نبي من أنبياء الله. لكن النصارى، ما الذي قالوا في عيسى؟ تدرجوا على مراتب، وكلها من مراتب الغلو، منهم من قال بأن عيسى هو الله، ومنهم من قال أنه ابن الله، ومنهم من قال أنه ثالث ثلاثة. هذه الأقوال ذكرها ربنا في القرآن، وهي من أقوال النصارى عليهم من الله ما يستحقون، في إثبات البنوة للرب تعالى الله عن هذا القول علوًا كبيرًا. فالنصارى أولغ وأولج في الغلو من اليهود، حتى أن جماعة من العلماء في قول ربنا عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، أكثر المفسرين قالوا: الخطاب للنصارى، أكثر المفسرين على أن الخطاب للنصارى، لأنهم هم -قبحهم الله- أشد من تعمق في الغلو، عندما رفعوا عيسى عن منزلته، فلم يرتضوا بنبوته ولا برسالته، وإنما جعلوه -كما سمعتم- هو الله، ابن الله، ثالث ثلاثة، وكله افتراء على الله سبحانه وتعالى. فنبينا صلى الله عليه وسلم أراد أن يلقن أمته، وأن يربيهم، بأن هذا الباب لا يُعمل فيه، فقال: «لا تطروني»، فلاتبالغوا في مدحي، هنا أنه يقضي التحريم، فلا يجوز. ولا تظنن -عبد الله- أن الأمر سهل تحت ما يُسمى بهذا البند عند أهل البدع من باب العشق برسول الله، من باب المحبة والتعظيم لرسول الله، بأن نُطلق لأنفسنا العنان بأن نذكر ما نشاء ونشتهي من الأوصاف لرسول الله. حتى قال قائلهم: «دع ما قالته النصارى في نبيهم، وقل فيه ما شئت، واحتكمي»، يعني نحن ما نقول في محمد بن عبد الله أنه ابن الله، ولا نقول هو الله، ولا نقول هو الثالث ثلاثة، لا، ما نقول بهذا، دع ترك ما قالته النصارى في نبيهم، وقل فيه ما شئت. أما ما عدا هذا، فنحن نتكلم بما نحب من الأوصاف في حق رسول الله. هل هذا صحيح؟ لا، يا عبد الله، هذا باطل. ما الذي خوّلك بأن تترك لنفسك وللسانك العنان بأن تأتي بكل وصف لرسول الله، ولو كان فيه مجاوزة للحد؟ هذا حرام، وهذا غلو ومجاوزة، وهذا هو الإطراء الذي منعه نبينا عليه الصلاة والسلام. حتى سمعنا مثلًا من أوصاف رسول الله بأنه هو أصل الوجود، وهو سر الوجود، بل يقول بعضهم: أن الله ما خلق الأكوان إلا لأجل محمد، يشفع هذا الكلام؟ ماذا؟ نعم، وسطر يريدون تعظيم الرسول. مثل هذه العبارات الفجة، أن الله ما خلق الكون إلا لأجل محمد، بل منهم من يقول بأن الله خلق الكون من نور محمد. من أين تأتي، أو ما الذي يملأ للناس هذه الأقوال الفضيعة النتنة؟ والله ليست محبة لرسوله، بل هذا طعن في حق الله جل وعلا. ومنهم من يقول بأن الرسول يعلم الغيب، وأن الرسول ينفع ويضر، وأنه يغيث الملهوف، وأنه -يا عبد الله- ما يجوز. ومع هذا، إخواني في الله، من باب النصح لأمثال هؤلاء، ويا من أطلقتم لأنفسكم العنان بذكر الأوصاف والدخول في هذا الإطراء، شعرًا، نثرًا، ومنهم من جلس في مسجده يتغنى بهذه القصائد وبهذه المدائح وبمثل هذه الأناشيد، ويترنم بها ويحرك بها الرأس. يا عبد الله، دعك من الأقوال، أين الفعل؟ أين فعلك؟ أين امتثالك؟ أين تعظيمك لجناب النبوة في باب اتباعك للسنة؟ صفر، صفر على الشمال، تجدها أو لا؟ من أكسل الناس عن الطاعات والعبادات؟ من أبعد الناس عن السنة؟ بل ربما سنة النبي في وادٍ وهم في وادٍ آخر، بل ربما حارب السنة، ثم بعد ذلك يدغدغ عواطف الناس بمثل هذه الأشعار وهذه الأوصاف. لا، يا عبد الله، العبرة ليس بالأقوال، برهن، «فاتبعوني يحببكم الله»، فالحاصل، إخواني في الله، هذا الحديث أخبر فيه نبينا صلى الله عليه وسلم عن أمر منهي عنه، وهو الإطراء، «لا تطروني»، ما أحد يتجاوز في مدحي كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، إنما أنا عبد. من الذي قال هذا؟ هو نبيك، نبيك صلى الله عليه وسلم، هو الذي أعرف بنفسه بنفسه، فأخبر أنه عبد لله، والعبودية من أشرف المقامات، العبودية لله من أشرف المقامات. ومما زادني شرفًا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي، وأن صيرت أحمد نبيًا. شرف أن تكون -يا عبد الله- عبدًا لله شرف، ومن تأمل في نصوص القرآن، يجد أن الله عز وجل وصف نبيه بصفة العبودية في أعلى المقامات، في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، وصفه بالعبودية في باب الدعوة، وأنه لما قام عبد الله، وصفه بالعبودية في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، فأتوا بسورة، وهكذا في باب إنزال الوحي: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. هذه -يا إخواني في الله- مقامات عظيمة في الدين، ما وجد، أو ما ذكر نبينا بوصف أعظم من هذا الوصف، العبودية، العبودية. وهذا نبينا يقولها بفمه: «إنما أنا عبد»، فقولوا: «عبد الله ورسوله»، قولوا هذا يكفينا، هو محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، هذا الشرف الذي يريده نبينا صلى الله عليه وسلم. وتأمل -عبد الله- في الجمع بين الوصفين: «عبد الله ورسوله»، من أعظم الأوصاف التي يوصف بها نبينا عليه الصلاة والسلام، وفي الجمع بينهما من تلكم الأسرار، قال العلماء: فيه إشارة إلى مقامي التوحيد والمتابعة، «عبد الله» بأن الإنسان يكون عبدًا لله لا عبدًا لسواه، «ورسوله» إشارة إلى مقام الرسالة التي بعث بها نبينا، فيتبع عليه الصلاة والسلام. فجمع نبينا في هذا الوصف أعظم المقامات، مقام التوحيد ومقام المتابعة. وأيضًا في جمعه لنفسه بين هذين الوصفين: «عبد الله ورسوله»، إشارة إلى منزلته التي ينبغي أن ينزل بها، فهو عبد لله فلا يعبد، ورسول فلا يعصى، هذه منزلته عليه الصلاة والسلام. هو عبد، عبد لله، خلق من خلق الله، ليس له من صفات ربوبية، ولا يستحق شيء من صفات الألوهية، فلا يعبد، ولا يتوجه إليه بالعبادات من دعاء وتضرع والتجاء، فضلًا أن تتوجه إليه بعبادات القلوب من الخضوع والتوكل والرغبة والرهبة. ليس هذا منزلته، بل هو خلق من خلق الله، «إنما أنا عبد»، فقولوا: «عبد الله»، فقط لا «ورسوله»، ليس أنه عبد بأنك تصل إلى محل الانتقاص، لا، بل إن الله سبحانه وتعالى شرفه بالنبوة والرسالة، قل: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾، يوحى إلي، ميزه الله جل وعلا بالوحي، فهو يعظم التعظيم الشرعي اللائق بالأنبياء والرسل، فلا يعصى، ولا كذلك يعارض، ولا يعاند. ومن خرج عن طوعه وخرج عن أمره ونهيه، فقد أهلك نفسه وأوبق دنياه وآخرته. فالشاهد، إخواني في الله، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في بيان المنع من الغلو بأهل الصلاح، فإذا كان هذا في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، بأنه نهى أن نتجاوز الحد في مدحه، فما ظنك -يا عبد الله- بغيره؟ أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.