شرح مختصر سيرة الرسول 66

شرح مختصر سيرة الرسول 66

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 66، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

موقف كعب بن مالك وقتل أبي بن خلف

بعد مخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وإشاعة مقتله، تعرف كعب بن مالك على النبي تحت المغفر ونادى بأعلى صوته، فأشار إليه النبي بالصمت خوفاً من عودة الكفار. ثم اجتمع المسلمون حول النبي وتحركوا نحو الشعب، حيث أدركهم أبي بن خلف فهاجمه النبي طعنة في ترقوته فهرب ومات من أثرها.

أحداث ما بعد أحد: صلاة النبي جالساً وغسل الملائكة لحنظلة

يصف المقطع حال النبي صلى الله عليه وسلم بعد إصابته في أحد، حيث صلى بالمسلمين جالساً تأكيداً لوجوب الصلاة وتعظيمها في كل الأحوال. ويسرد قصة حنظلة بن أبي عامر الذي استشهد وهو جنب فغسلته الملائكة، وقصة عمرو بن ثابت (الأصيرم) الذي أسلم في ساحة المعركة وقاتل حتى مات، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة رغم أنه لم يصلّ ركعة واحدة.

حوار أبي سفيان مع المسلمين ورد النبي وعمر

بعد انتهاء غزوة أحد، نادى أبو سفيان مستفهماً عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فرد النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم الصحابة قول: "الله أعلى وأجل" و"الله مولانا ولا مولى لكم". وأجاب عمر رضي الله عنه بالتأكيد على حياة المذكورين وبأن قتلى المسلمين في الجنة وقتلى المشركين في النار، مما يبرز فضل الشهادة ومكانة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

ختم الدرس والإشارة إلى آيات أحد في آل عمران

أشار المحاضر إلى أن غزوة أحد ذُكرت في إحدى وستين آية من سورة آل عمران، ثم أعلن انتهاء الدرس الحالي على أن يُكمل الباقي في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإِن شاء الله تعالى سنواصل في قراءة مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في مثل هذين اليومين، يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وفي مثل هذا الوقت بعد صلاة العصر مباشرة. نسأل الله عز وجل أن يعيننا وإياكم على طاعته. وقفنا في السيرة عند ذكر أحداث غزوة أحد، وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شيئاً من أحداث هذه الغزوة. وآخر ما ذكرنا ما وقع في أثنائها من القتال، وأن النصر في أول الأمر كان للمسلمين، ثم لما خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلوا من موقعهم لأخذ الغنيمة، التفّ من ورائهم العدو فهجم على المسلمين، فابتلي المسلمون بلاءً عظيماً، وقتل من قتل من خيار الصحابة، كمصعب بن عمير وغيره من الصحابة الكرام. بل وأشيع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قُتل، وقتل كذلك عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال المؤلف رحمه الله: "وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين"؛ أي بعدما أشيع أنه عليه الصلاة والسلام قد قُتل. فكان أول من عرفه تحت المغفر، والمغفر: ما يلبس على الرأس يستر به الرأس، فالمادة الغين والفاء والراء تدل على الاختفاء والاستتار. قال: "فكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك". فصاح بأعلى صوته: "يا معشر المسلمين، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم". فأشار إليه أن اسكت. أي أن كعب بن مالك رضي الله عنه فرحاً برؤيته للنبي عليه الصلاة والسلام حياً بعدما أشيع أنه قد قُتل، فمن فرحه -ولا تزال المعركة قائمة- صاح بأعلى صوته، وهذا ليس من سياسة الحرب؛ لأن الكفار إذا سمعوا هذا الصوت سيلتفون حول الصوت وسيعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت، فسيعودون الكرة. فلذلك أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن اسكت، لا ترفع صوتك. قال: "فاجتمع إليه المسلمون"؛ أي إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعدما قُتل منهم من قُتل، وجُرح منهم من جرح، وابتلوا بلاء عظيماً، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه. يعني في أول الأمر. قال: "فلما أسندوا إلى الجبل"؛ يعني انحازوا إلى الجبل، أدركه أُبيّ بن خلف على فرس له. يعني أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، كان يزعم بمكة أنه يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما اغترب منه، طعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترقوته، فكرّ منهزماً؛ أي هرب أُبيّ بن خلف منهزماً بطعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له المشركون؛ أي قالوا لصاحبهم أُبيّ بن خلف: "ما بك من بأس"؛ يعني ليس بك بأس ولا شر. فقال: "والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز"؛ أي من يجتمعون في هذه السوق، سوق ذي المجاز، لماتوا أجمعين. أي أنها طعنة شديدة وقاتلة، ويتألم منها ألماً شديداً. فلذلك قال: "لو كان ما بي بأهل ذي المجاز"؛ يعني لو الذي بي بجميع هؤلاء الذين يحضرون في هذه السوق لماتوا أجمعين. فمات بسارف، وسرف: موضع قرب التنعيم، يعني عند رجوع كفار إلى مكة مات من أثر هذه الطعنة في هذا الموضع. قال: "وحانت الصلاة، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً"؛ أي لما به عليه الصلاة والسلام من التعب والشدة التي لقاها في هذه الغزوة، وقد كسرت رباعيته وشُجّ رأسه عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه أن إمام المسلمين هو الذي يؤم المسلمين في جهادهم، وكذلك في صلاتهم، أو من ينوبه الإمام. وفيه أيضاً تعظيم أمر الصلاة، وأن الصلاة لا تسقط في أي حال من الأحوال. وكذلك فيه فضل صلاة الجماعة، فما خرجوا منه من شدة في هذه الحرب ما منعهم أن يصلوا جماعة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "وشدّ حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان، فلما تمكن منه"؛ يعني قبض عليه، "حمل عليه شداد بن الأسود فقتله"؛ يعني أحد المشركين وهو شداد بن الأسود حمل على حنظلة فقتل حنظلة. قال: "وكان حنظلة جنُباً"؛ فإنه حين سمع الصيحة وهو على بطن امرأته قام من فوره إلى الجهاد. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تغسله؛ يعني خرج مسرعاً ولم يغتسل حتى لا يتأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء مع أهله، فقتل في هذه المعركة وهو جُنب. قال: "وكان الأصيرم عمرو بن ثابت بن وقش يأبى الإسلام، وهو من بني عبد الأشهل. فلما كان يوم أحد قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت له، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم". كان يأبى الإسلام، يدعى إلى الإسلام وقد أسلم من قومه من أسلم، ولكنه يأبى أن يدخل في الإسلام. فلما كانت هذه الغزوة وسمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قذف الله الإسلام في قلبه، والله سبحانه وتعالى يقذف هديه ونوره في قلوب من شاء من عباده. فأسلم وأخذ سيفه فقاتل، يعني قاتل مع المسلمين حتى أثبتته الجراح؛ يعني حتى من شدة الجراح التي أصيبها أوقعته ولم يستطع الحركة. قال: "ولم يعلم أحد بأمره"؛ لا أحد يعلم أنه أسلم وأنه خرج يقاتل. قال: "فلما طاف بنو عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم، وجدوا الأصيرم وبه رمق يسير"؛ يعني به شيء من الحياة ولم يمت بعد. فقالوا: "والله إن هذا للأصيرم"؛ ثم سألوه: "ما الذي جاء بك؟ أحد على قومك أم رغبة في الإسلام؟"؛ يعني من أجل العصبية لقومك لأنهم يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم، أم أنك أسلمت؟ فقال: "بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت". قال: "ومات من وقته"؛ يعني مات من حينه. فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هو من أهل الجنة، ولم يصلّ سجدة قط"؛ يعني ركعة. فهنا يعبر عن الصلاة بالسجدة؛ لأن السجدة جزء من الصلاة، فمن باب التعبير بالجزء عن الكل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لربيعة: "أعنِّي على نفسك بكثرة السجود"؛ أي بكثرة الصلاة. وانظروا إلى قرب الجنة من العبد، ما هي إلا لحظات يسيرة: أسلم، فقاتل، فقتل، فدخل الجنة، ولم يسجد لله سجدة، ولم يصلّ لله ركعة. وهذا تصديق قول النبي عليه الصلاة والسلام: "وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". قال: "ولما انقضت الحرب"؛ خلاص انتهت، وكل انحاز إلى معسكره. أشرف أبو سفيان على الجبل ونادى: "أفيكم محمد؟"؛ لأنهم يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم قُتل، يظنون ذلك، وأن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر قد قُتلوا. فنادى أبو سفيان: "أفيكم محمد؟" فلم يجيبوه. فقال: "أفيكم ابن أبي قحافة؟" يعني أبا بكر، فلم يجيبوه. فقال: "أفيكم ابن الخطاب؟" فلم يجيبوه. واستدل العلماء بهذا أيضاً على تقديم أبي بكر على عمر، وعلى تقديم كذلك أبي بكر وعمر على غيرهم من الصحابة. وهذا أمر متقرر حتى عند المشركين، أن من أقرب وأفضل الصحابة هو أبو بكر، ولذلك ذكره أبو سفيان، وهكذا بعده عمر، ولهذا أيضاً ذكره. قال: "فأما هؤلاء فقد كفيتموهم"؛ يعني أنهم خلاص قد ماتوا وقتلوا. فلم يملك عمر نفسه، ما احتمل الصمت فأجابه. فلم يملك عمر نفسه أن قال: "يا عدو الله، إن الذين ذكرتهم أحياء"؛ أي لم يموتوا، "وقد أبقى الله لك منهم ما يسوءك"؛ أي ستجد منهم ما يسوءك. ثم قال أي أبو سفيان: "اعلُ هبل"، وهبل كان من أشهر أصنامهم في مكة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تجيبوه؟" قالوا: "ما نقول؟" قال: "قولوا: الله أعلى وأجل". الله أعلى وأجل من هذا الصنم الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وكيف يملك لغيره، وكيف يكون سبباً في علوكم؟ فالله عز وجل هو الذي يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. فلذلك كان الجواب على قدر السؤال، أو على قدر ما قاله أبو سفيان، وكذلك على قدر المقام. فالنصر... قال: "الله أعلى"؛ فهو الذي يعلي أولياءه وينصرهم سبحانه وتعالى، وأجل. ثم قال أي أبو سفيان: "لنا العزى ولا عزى لكم"، والعزى كذلك من أشهر معبوداتهم في مكة، أيضاً قد ذكرت في القرآن: "أفرأيتم اللات والعزى". قال أي النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تجيبوه؟" قالوا: "ما نقول؟" قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم". فالله هو الذي يتولانا، وهو الذي يعزنا، وهو الذي ينصرنا. ثم قال: "يوم بيوم بدر"؛ أي أننا غلبنا في هذه الغزوة كما غلبتم في غزوة بدر، فهو يوم بيوم، والحرب سجال؛ أي الحرب يوم لك ويوم عليك. فقال عمر: "لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". فهذا الذي كان يواسي المسلمين، أن المسلم يقاتل إما النصر وإما الشهادة، فالشهيد له الفضل العظيم، ومن أعظمه الدخول إلى الجنة. لذلك قال: "قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". وغالب هذه الأحداث التي ذكرها وقرأناها هي في الصحيح، وكما تم التنبيه على ذلك أن أكثر أحداث هذه الغزوة في القرآن وكذلك في السنة. سيأتي معنا أن هذه الغزوة ذُكر في شأنها إحدى وستون آية من سورة آل عمران، من سورة آل عمران. طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله، نكمل ما بقي في درس قادم إلى هنا، والحمد لله. شكراً.