الدرس في شرح كتاب التوحيد 106، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشيطان في إضلال الناس عبر الغلو في الصالحين، حيث يبدأ بنصب التماثيل تذكارًا لهم، ثم يتطور الأمر إلى عبادتهم فيما بعد. يُظهر كيف يستغل الشيطان مداخل الخير لإضلال الناس.
يستغل الشيطان الصور والتماثيل لإيقاع الناس في الشرك والعبادة، حيث يبدأ التعظيم للصالحين ثم يتطور إلى العبادة. يُحذر من اتخاذ الصور والتماثيل في الأماكن العامة والمساجد.
يُبين أهمية العلم في حماية المجتمع من الفتن والشرك، ويحذر من خطورة الشيطان الذي يسعى لإضلال الناس. يشير إلى أن رفع العلم وغياب العلماء يؤدي إلى انتشار الجهل والضلال.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في حديث ابن عباس، والذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. وحديث ابن عباس الذي مضى معنا، وهو يفسر قول الله جل في علاه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبيدت". ثم أورد المؤلف رحمه الله تعالى عبارة ابن القيم، ثم قال: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم". وقد أشرنا إخواني في الله في درس أمس إلى ما يتعلق بأهم ما يتعلق بالآية، وبداية الحديث. وفي قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضًا من الفوائد: أنه قال "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم"، فيها بيان إخواني في الله إلى تدرج الشيطان، فإن من صور إضلال الشيطان للعباد أنه يتدرج معهم، فلا يطلب منهم للمرة الأولى ولأول وهلة بأن اعبدوا هذه القبور، لا، إنما يتدرج معهم مرحلة تلو المرحلة. وهذا مصداق قول ربنا عز وجل: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾. فالشيطان يسير مع الإنسان خطوة خطوة حتى يوصله إلى المقصود وإلى المضمون الذي يريده منا إبليس اللعين. كذلك مما يستفاد من هذا الأثر: أن الشيطان قد يفتح لك ولنا باب خير، لكن القصد منه السوء. فهنا لما رأى الشيطان أن أهل القرى ممن كانوا يجلون ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، دخل عليهم من باب محبة الصالحين، وذلك بتخليد ذكراهم بجعل تماثيل، بجعل أنصبة نصب تذكار هنا وهنا يذكرون، وهذا النصب بأسمائهم، هذا نصب تذكار لود، وذاك نصب تذكار لسواع. وهل مجرد هذا الأمر مدخل يدغدغ به الشيطان عواطف العامة، وهو السبيل إلى تعظيم الصالحين؟ لكن ما المراد منه؟ المراد منه ما سيأتي، وهو الإفراط بالتعظيم. ولهذا إخواني في الله، لربما أن الشيطان من حيث لا يشعر أنه يلبس على الناس، فيدخل إلى المحظور ويلبسه علينا بأنه أمر مسموح ورغب به. وهذه نفس العلة الموجودة في هذه الأزمان، إذ أننا نجد من يعتقد في الأولياء حتى أوصلوهم إلى درجة الأوتاد والأقطاب والغوث والقطب الأكبر والقطب الأوحد والكبريت الأحمر، هذه الألقاب عند القوم، وهم يجعلون هذه الألقاب لأناس قد وصلوا مبلغًا عظيمًا، حتى أنهم يتصرفون في الكون، فبهم يستغاث ويغيثون من شاء. كل ذلك إذا سألتم: لماذا فعلتم ذلك؟ قالوا: هذه محبة للصالحين. من أين جاء هذا الباب؟ هذا من مداخل الشيطان كما فعل مع قوم ود وسواع، أنه جر هؤلاء تحت شعار محبة الصالحين بأن يجعلوا النصب التذكارية ويجعل التماثيل وتسمى بأسمائهم من باب الذكرى ومن باب إظهار المحبة. وهكذا فعل الشيطان في هذه الأزمان مع من اعتقد في غير الله. كذلك مما يستفاد إخواني في الله من هذه القصة: خطورة الصور والتماثيل والنصب، هذه خطيرة جدًا، وخاصة التي تصور وتنقش من باب التعظيم، فإن هذا مدخل عظيم على القلوب يؤثر ثلبًا في العقائد. فانظر إلى الشيطان كيف استطاع أن يوقع هؤلاء فيما حرم الله بباب الصور والتماثيل. مات القوم، مات أهل الصلاح، قال: أنصب لهم نصبًا تذكاريًا، مجسمات تماثيل لا تعبد، إنما أشياء كما يفعل الآن في بعض الدول ما يسمى بتمثال الجندي المجهول، مثلًا هذه النصب إخواني في الله، أو هكذا الصور الذي تعلق أمرها خطير. بل ما يكاد عابد يعبد أحدًا إلا واتخذ رمزًا له، ما من عابد يعبد أحدًا إلا واتخذ رمزًا له يصله بهذا المعبود إما من صورة وإما من تمثال، كما كان العرب يفعلون. ولازالت هذه الدسيسة إلى الآن، حتى وجدنا والله من الناس ممن يعتقد في بعض الأولياء، وخاصة من الأحياء، من لربما لا يسير ولا يمشي إلا بصورة لهذا الحبيب ولهذا الشيخ ولهذا القريب، يعظمه يجله، ليس فقط هذا التعظيم يصل إلى المحبة، لا، الأمر أعظم من ذلكم، يصل إلى أنه محمي بصورة هذا الرجل في كيسه، محمي من السوء والضراء. حتى أن بعضهم إذا أراد أن ينام، قبل أن ينام يأتي بهذه الصورة لمن يظن فيهم الولاية ويجعلها تحت وسادته، لماذا؟ حفظًا يحفظه. حتى أن منهم من يعلق صورة الكبراء والأكابر حتى في الصالات، لماذا؟ زرع البركة. وهذا كذلك يقع حتى في من يعظم بعض الكبراء من الرؤساء، من يعلق صورهم هنا وهنا، حتى وجدنا من صور الزعماء من يتعلق في المساجد، هذا ما يجوز. هذا التعظيم يصل الإخوان في الله إلى حد كما سيأتي ذكره إلى أن تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم ما أخبر عن حال النصارى في الكنائس، ماذا قال؟ قال: «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه صورًا». هذا شيء موجود في النفوس، النفوس تعظم الأجسام المصورة. ومن هنا كانت من بعثته عليه الصلاة والسلام أنه أرسل عليًا أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها، تطمس حتى لا تعلق بها القلوب، لا تعلق بها القلوب. وكم دخل الشيطان إلى الأمم والملل والشعوب والنحل، أدخلهم بباب الشركيات عن طريق التماثيل والصور، أول ما تتخذ ليست العبادة، لكن سرعان ما تجد أن العبادة تأتي بعد ذلك. حتى أصبح هذا الجندي المجهول الذي يوضع أحيانًا في بعض الساحات العامة، منهم من يجعلها في بعض المطارات الدولية، ويجعلها سنة أي زائر يزور أو ضيف كبير أو وفد عريض إن قدم لا بد أن يأتي عند هذا التمثال، وثواني أو دقيقة حداد، ومنهم من يرفع الطاقية أو القبعة ويطأطئ له الرؤوس، إيش هذا أمام التمثال؟ هذا ما يجوز، هذا إخواني، كل ذلك والكلام في هذا يطول جدًا في مسألة خطورة الصور والتماثيل التي تتخذ من باب التعظيم والإجلال والاحترام. وكلمة العلماء في هذا الباب واضحة على المنع من اتخاذ شيء من ذلك. كذلك في هذا الحديث أو في قصة ابن عباس رضي الله تعالى عنه، عندما ذكر هؤلاء قال رضي الله تعالى عنه: "قال وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت". ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك، كما قال ابن القيم في كلامه نقلًا عن بعض السلف قالوا: "قال رحمه الله: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد". قال: دل على أن الشيطان له نفس طويل، الشيطان لا يكل ولا يمل، هذا الجيل جيل كامل إن فاته، لا زال يرقب في الجيل الذي بعده، وإن فاته الجيل الذي بعده ينتظر الجيل الثالث، ما هناك ما يعجله، ما هناك ما يعجله، فهو لنا بالمرصاد. فانظر لهذا الجيل الأول اتخذ معهم المرحلة الأولى، وهو أقنعهم بشدة التعلق بالصالحين، الذي بعده بضرورة اتخاذ النصب والتذاكير، الذي بعده أنهم يعكفون عندهم، الذي بعده العبادة، جيل بعد جيل، يصبر، يطول عليه الأمد، ولا يضره شيء. وبهذا تعلم يا عبد الله أن الشيطان لنا بالمرصاد، فمن وجد مثلًا أن الله نجاه يومًا من الدهر من فتنة إبليس اللعين، لا تظن أنك نجوت منه للأبد، فإنك إن نجوت منه الآن فهو لا يزال يحيق لك الدوائر، دائرة بعد دائرة، ومكيدة بعد مكيدة، حتى تفارق الدنيا، فهو لك بالمرصاد، فله نفس طويل جدًا. كذلك في قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: "حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم"، فيه بيان لفضيلة العلم، وأن ترك المجتمعات كانت محمية بالعلم، فلما وجد العلم انتفي الشرك، ما هناك شرك، ما هناك كفر، ما هناك عبادة لغير الله، لكن متى ظهر الشرك؟ قال ابن عباس: "فلما هلك أولئك ونسي العلم". فبذهاب العلم يذهب الخير ويأتي الشر، فوجود العلم يا عبد الله يعد صمام أمان من الفتن ومن مظاهر وجود العلم وجود أهله، وجود العلماء. فإذا رأيت أن مجتمعًا ما ليس فيه أحد من أهل العلم، أو أن أهل العلم قد عطلوا، أصبح لا يرجع إليهم، وأصبح وجودهم كعدمهم، ما أحد يلتفت إليهم، ما أحد يرجع إليهم، ما أحد يأخذ بنصائحهم، إذا وجدت أن مجتمعًا وصل إلى هذا الحد، فاقرع على هذا المجتمع السلام، وأعلم أنه هالك لا محالة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يرفع العلم بقبض العلماء، وإن الله لا يرفع العلم إلا بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». إذا رفع العلم برفع أهله، واتخذ الناس الرؤوس الجهال، حين يأتي الضلال والإضلال على المجتمعات. فإذا أردت يا عبد الله أن يعم الخير في بلد ما وفي مجتمع ما، وهذه نصيحة للراعي والرعية والصغير والكبير، عليه أن يبقي العلم مبثوثًا منشورًا في المساجد، في المدارس، في المراكز، في الجوامع، في الدورات العلمية، يكثر من العلم الشرعي، فبوجود العلم يوجد الاستقرار، ويوجد الإطمئنان، ويوجد التوحيد. فحين يأتي الله بخيره على هذه الأمة أخيرًا إخواني في الله، في قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: "قال ونسي العلم عبدت به"، نعلم أن الذي يريده الشيطان وكل أمله ينصب على هذه المهمة، وهو إيقاع الناس في الشرك والكفر، هذا مراده الأهم ومراده الأول. كما قال ربنا: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ﴾. أول ما يريده الشيطان منك الكفر، لماذا الكفر؟ لأن الشيطان إخواني في الله في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها، ويرى أن الذي ورطه في نار جهنم ما كان من عصيانه لسجوده لآدم، عصيانه لربه في سجوده لآدم، فيرى أن الذي ورطه في نار جهنم هو آدم عليه السلام، ولهذا أخذ عهدًا على نفسه أنه سيقطع من ذرية آدم من يدخلهم النار. لكن هو أراد من يدخل معه النار إلى أبد الآبدين، ويعلم أن العصاة إن دخلوا سيخرجوا، ما أحد سيبقى معه، هو يبحث عن من سيبقى معه في جهنم أبد الآبدين. ومن هؤلاء الكفار، أهل الشرك، أهل الزندقة، أهل الردة، أهل الإلحاد، هذا الذي يبتغيهم. ولهذا الشيطان يركض بكل قوته في أنه يقطع من ذرية آدم من يكون معه في النار يؤانسه فيها دائمًا أبدًا لا يخرج منها مطلقًا. ولهذا انظر في هذه القصة ما كان مآل هذا الحوار كله، قال: "ولما نسي العلم عبدت ووقعوا في الشرك الأكبر". فهذا الهم الأعظم الذي يريده الشيطان من عباد الله. هذا شيء مما يذكر في قصة أو في أثر ابن عباس رضي الله عنه في مسألة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكيف كانوا أنهم على صلاح وعلى هدى، فلما ماتوا فتن أصحابهم بهم، وذلك بإيحاء الشيطان إليهم، فنصب لهم الأنصبة والتماثيل، ثم عبدوهم بعد أمد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.