كتاب الأيمان والنذور 2

كتاب الأيمان والنذور 2

الدرس في كتاب الأيمان والنذور 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

النهي عن سؤال الإمارة وكفارة اليمين

يشرح المقطع حديث عبد الرحمن بن سمرة في النهي عن طلب الولايات، ويبين أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً فليكفر عنها ويأتِ بالخير مستشهداً بقصة أبي بكر مع مسطح. كما يوضح حكم الاستثناء في اليمين بقول "إن شاء الله" وأنه يسقط الكفارة إذا كان متصلاً.

شروط الاستثناء في اليمين والنهي عن الحلف بغير الله

يبيّن المقطع شروط صحة الاستثناء بقول "إن شاء الله" في اليمين مشترطاً أن يكون متصلاً ولفظياً وقصدياً، ويستعرض قصة سليمان عليه السلام دليلاً على جواز الاستثناء المتأخر قليلاً. كما يوضح تحريم الحلف بغير الله واعتباره شركاً مستدلاً بأحاديث النهي عن الحلف بالآباء وباللات.

ذم التعصب المذهبي وقصة سليمان مع الاستثناء

يحذر المقطع من التعصب الأعمى للمذهب الشافعي وخلطه بالبدع الصوفية مبيناً أن الشافعي براء من ذلك. ثم يستعرض خلاف العلماء في كفارة من حلف باللات والعزى مرجحاً قول الجمهور بعدم الكفارة ووجوب الاستغفار فقط، ويختتم بقصة سليمان بن داود عليهما السلام دليلاً على أهمية الاستثناء.

تحريم اليمين الغموس وقصص الصحابة في النهي عن الحلف الكاذب

يشرح المقطع أحاديث نبوية تحذر من اليمين الغموس الكاذبة التي يقتطع بها المال مبيناً أنها توجب غضب الله. ويسوق قصة الأشعث بن قيس في خصومة البئر وحديث ثابت بن الضحاك عن بيعة الرضوان والنهي عن الحلف بملة غير الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي الكلام حول ما يتعلق بكتاب الأيمان والنذور من عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. وسبق معنا الكلام حول مقدمة تتعلق بالأيمان، وهكذا أشرنا إلى بعض ما يتعلق بالنذور. وبدأ رحمه الله تعالى الكلام حول الأيمان، وقلنا: العلماء كثيراً ما يجمع بين الأيمان والنذور لأوجه التشابه التي تقع بين الأمرين، وإن كان بينهما أيضاً فوارق في جوانب أخرى. وذكر رحمه الله تعالى في أوائل ما ذكر من الأحاديث حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة». وهذا الحديث يا إخوان جعله العلماء أصلاً عظيماً في اجتناب الولايات، وأن الإنسان لا يتطلع إلى تلكم الولايات والمسؤوليات، وهكذا أن من سألها لا يعطاها كما هو هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها». وقلنا: معنى «وكلت إليها» أي لم تعن على القيام بها. قال: «وإن أعطيتها عن غير مسألة» يعني من غير طلب منك لنيلها «أعنت عليها». وهذه الإعانة هي من الله عز وجل، ونحن يا إخوان لا نستغني عن إعانة الله عز وجل لنا، لا نستغني عن إعانة الله عز وجل لنا، فلا حول لنا أي لا تحول من حال إلى آخر، ولا قوة لنا أن نقوم بأي عمل ولو صغر ولو ضعف إلا بالله، أي إلا إذا أعاننا الله عز وجل على ذلك. ولهذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم عند الأذان ومتابعة المؤذن إذا قال: «حي على الصلاة»، وهكذا إذا قال: «حي على الفلاح» أن نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وذكر من ذكر من أهل العلم أن في ذلك إعانة لمن تابع المؤذن أن يعان على الصلاة، أن يعان على الصلاة. وهكذا أيضاً في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، ولا نستعين إلا بك. كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرتجزون فيقولون: «لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا». إذا لا يستغني الواحد منا عن إعانة الله عز وجل له. قال: «وإذا حلفت» وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث في ما يتعلق بالأيمان. قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن بن سمرة وهو خطاب للجميع: «وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك وأتِ الذي هو خير». فلا يجعل الإنسان اليمين سبباً لعدم إتيان الخير، لعدم إتيان الخير. أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما وقعت حادثة الإفك التي ماذا قام بها المنافقون وتكلم فيها بعض الأفاضل من الصحابة، ومنهم حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة. ومسطر كان قريباً لأبي بكر الصديق، كان ابن خالته، وكان من المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه. فلما بلغه أن مسطحاً يتكلم في ابنته عائشة في زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال أبو بكر: «بلى، نحب يا رب». وأعاد النفقة التي كان يجريها على مسطح، على مسطح. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾. لا تجعل اليمين سبباً للامتناع عن فعل الخير. لو حلفت على أمر وكان الخير في خلاف الوفاء بهذه اليمين، فكفر عن يمينك وأتِ الذي هو خير، كما حث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقلنا: يجوز أن يكفر ثم يحنث، أي يرجع عن اليمين، ويجوز أن يرجع عن اليمين ثم يكفر. حلف أنه لا يكلم فلاناً، زميله في الحلقة، زميله في السكن، زميله في المركز. قال: والله لا أكلمه، لقد فعل وفعل. طيب، بعد أن هدأ غضبه وهدأت نفسه، رأى أن هذه القطيعة تضره، والأعمال تعرض على الله عز وجل يومي الاثنين والخميس، وهكذا أبواب الجنة تفتح يومي الاثنين والخميس. قال: «فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً بينه وبين أخيه شحناء، فيقول الله عز وجل: انظروا هذين حتى يصطلحا». انظر، سيحرم مغفرة الله عز وجل. إذن ما هو الحل؟ قال: أرجع عن يميني. طيب، سيرجع عن يمينه. يجوز أن يكفر أولاً ثم يذهب ويكلمه ويصلح ما بينه وبينه، يجوز. ويجوز أن يكلمه أولاً ويصلح ما بينهما ثم بعد ذلك يكفر عن يمينه. كلا الأمرين جائز. وذكر رحمه الله تعالى كذلكم حديث أبي موسى الأشعري، وسبق معنا الكلام حول أبي موسى الأشعري، يا أبا هذين، اسمه عبد الله بن قيس الأشعري اليماني، أحد خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها». وما هو الشاهد يا إخوان من هذا الحديث؟ يا أبا فواز... نعم، قوله: «إني والله إن شاء الله». هذا ماذا يسمى يا أبا عبد الله؟ استثناء في اليمين. فإذا حلف الشخص واستثنى في يمينه، استثناء في يمينه، أي قال: إن شاء الله، فهنا إذا فعل اليمين فبها ونعمة، وإذا لم يفعل الذي حلف عليه فليس عليه كفارة، ليس عليه كفارة. فهذا يسمى الاستثناء في اليمين، هذا يسمى الاستثناء في اليمين. وهذا من تسهيل الله عز وجل لعباده، من تسهيل الله عز وجل لعباده أنه إذا قال: إن شاء الله، كان في سعة. وقد ذكر العلماء أن تعليقه بمشيئة الله يدل على أنه لو لم يفعله فإن الله عز وجل لم يشأ ذلك له، لم يشأ ذلك له. وقد نقل الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى نقل عدم الخلاف في ذلك، أو نقل عدم الخلاف في ذلك. والاستثناء في اليمين ذكر العلماء له شروطاً. منها: قالوا أن يكون الاستثناء متصلاً، قالوا أن يكون الاستثناء متصلاً حقيقة أو حكماً، حقيقة أو حكماً. وبهذا قال الجمهور من أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة، أصحاب المذاهب الأربعة. وماذا الاستثناء إذا كان منفصلاً؟ فإنه ماذا؟ فإنه يجعل الكفارة لازمة على الحالف. كيف يكون متصلاً؟ كأن يحلف الشخص، يقول: والله لأسافرن غداً إلى... إلى مثلا نقول: إلى عدن، إلى الفيوش، إن شاء الله. فهذا متصل، هذا استثناء متصل. طيب، آخر: قال: والله لأسافرن غداً إلى الفيوش. فقال له شخص بجانبه: قل إن شاء الله. فقال: إن شاء الله. هذا يعتبر متصلاً. أما إذا لم يقل إن شاء الله مباشرة، ومضت فترة من الزمن... ك... ماذا مثلاً؟ تكلم بعد صلاة الظهر، ومع الغذاء كلمه بعضهم، وذكره بما فعله، بما فعله، فقال: إن شاء الله. هذا يا إخوان هذا لا يكفي. هذا ماذا؟ الاستثناء لا يقع. لماذا؟ لأنه ليس استثناء متصلاً، ليس استثناء متصلاً. أيضاً من هذه الشروط: قالوا أن يكون الاستثناء لفظياً، يعني تلفظ بالاستثناء. وعلى هذا عامة أهل العلم أنه يشترط، أنه يشترط. قالوا: وأما إذا كان الاستثناء في قلبه فإنه لا ينفع، الاستثناء إذا كان في القلب فإنه لا ينفع صاحبه، فإنه لا ينفع صاحبه. وهكذا من هذه الشروط: قالوا أن يقصد الاستثناء، أن يقصد بقوله «إن شاء الله» يقصد الاستثناء. أما لو جرى على لسانه بغير قصد، قالوا: فلا يعتبر به، فلا يعتبر به. كما أن اليمين، اليمين إذا أجرى على اللسان بغير قصد، اليمين كذلكم أيضاً يعتبر لغواً ولا تنعقد، ولا تنعقد. وهكذا أيضاً اشترط بعضهم، اشترط بعضهم أن يقصد الاستثناء من أول اليمين، يعني أول ما يحلف هنا عنده نية الاستثناء، عنده نية الاستثناء. وهذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء، وللشافعية فيها وجهان، للشافعية فيها وجهان. فماذا؟ فاشترط بعضهم أن يقصد الاستثناء مع أول اليمين، وأجاز بعضهم ماذا؟ الاستثناء، الاستثناء ولو بعد أن شرع في اليمين. وسيأتي معنا ماذا؟ ما يتعلق بقصة نبي الله سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، كما جاء في أحاديث هذا الباب في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، لما أقسم نبي الله سليمان أنه يطوف على سبعين امرأة، تلد كل منهن فارساً يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل إن شاء الله. فلم يقل، فلم يقل. فما ولدت واحدة منهن إلا واحدة، ولدت شِق غلام، أي نصف غلام. وهذا فيه إشارة إلى أن الأقرب هو عدم اشتراط ذلك مع بداية اليمين، وأنه لو تذكر أثناء اليمين أو بعده مباشرة، أو ذكره غيره، أن هذا الاستثناء يصح، أن هذا الاستثناء يصح. وهذا مما يتعلق بمسألة الاستثناء، وسيأتي معنا في حديث أبي هريرة كما سبق في قصة نبي الله سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام ما يتعلق ببعض هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: قال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم». قال: «فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». قال: وفي رواية قال عمر: «فوالله ما حلفت لها، أي بها، منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنها ذاكراً ولا آثراً». يعني حاكياً عن غير أنه حلف بها. ولاحظوا سرعة استجابة الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم يسمع عمر بن الخطاب في بعض أسفاره يحلف بأبيه، وهذا كان من الأمور التي اعتاد عليها بعضهم في الجاهلية، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، أن تحلفوا بآبائكم». ثم قال: «فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». فليحلف بالله أو ليصمت، ويصمت أي يسكت، أي يسكت. ويدخل هذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». فليقل خيراً أو ليصمت. عمر رضي الله تعالى عنه من استجابته وطاعته يذكر أنه ما فعل ذلك، لا ذاكراً أي عامداً، ولا آثراً يعني حاكياً عن غيره. فلان ذكر أنه قال: وأبي، يعني حاكياً عن غيره. حتى حاكياً عن غيره فإنه رضي الله تعالى عنه لم يؤثر عنه ذلك. وسبق معنا الإشارة أن اليمين لا تنعقد إلا بالله عز وجل، باسم من أسمائه الحسنى، أو بصفة من صفاته العلا سبحانه وتعالى. وأما الحلف بغيره فهذا لا يجوز، فهذا لا يجوز، بل يعتبر شركاً بالله سبحانه وتعالى. وهكذا اليمين لا تنعقد، وهكذا اليمين لا تنعقد. وجاء عن بعض العلماء، بل ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح قال معلقاً: قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله، السر في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه. لماذا يا إخوان يلجأ الإنسان أحياناً أن يحلف بغير الله عز وجل؟ السبب في ذلك التعظيم الموجود لهذا المحلوف به، لهذا المحلوف به. قال: والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده. قال: وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصة. قال: لكن اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية. اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية. قال ابن عبد البر: ولا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع، ولا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع. وذكر كذلكم أيضاً نقل الحافظ عن ابن عبد البر أنه قال في موضع آخر: أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، ولا يجوز لأحد الحلف بها. كيف لا يا إخوان، والنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك، فقد كفر أو أشرك». وهذا أخرجه الترمذي وصححه العلامة الألباني رحمه الله كما في صحيح الجامع وغيره. وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف منكم، من حلف منكم، فقال في حلفه باللات، يعني حلف بغير الله، وهذا المحلوف به صنم من الأصنام التي كانت تعظم وتعبد، فقال: باللات، قال: فليقل لا إله إلا الله، فليقل لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، قال: فليتصدق، فليتصدق». قال النووي رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: قال: إنما أمر بقول لا إله إلا الله لأنه تعاطى تعظيم صورة الأصنام حين حلف بها، حين حلف بها. وهكذا قال رحمه الله تعالى. قال: قال أصحابنا، من أصحابه، من أصحابه... يا أبا خالد، النووي يقول: قال أصحابنا. أنت لو قلت: قال أصحابي، أكيد سيتجه النظر إلى من حولك، إلى من حولك. طيب، النووي يقول دائماً: قال أصحابنا، أي الشافعية. والنووي يا إخوان رحمه الله يعتبر من المحققين في مذهب الشافعي، ليس مقلداً، وإنما إذا خالف قول الشافعي أو قول الشافعية الدليل، يأخذ بالدليل ويترك ما قاله إمام المذهب أو ما قاله أئمة المذهب. وهذا هو وصية الإمام الشافعي. الشافعي كان يقول: إذا خالف قولي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارموا بقولي عرض الحائط. كان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. لكن تعجب ممن جاء فتعصب بعد نصائح وبعد هذه الدرر والآثار من الشافعي، وهكذا من غيره من أئمة المذهب، يأتي أحدهم متعصباً فيقول: ومن شعب الإيمان أي حب ابن شافع حباً أكيداً، حباً أكيداً. ثم ذكر: آه ماذا؟ أنا شافعي حباً أكيداً، لا أطوع، أنا شافعي ما حييت، وإن مت أي أيضاً شافعي. قال: فوصيتي للناس أن يتشفعوا، فوصيتي للناس أن يتشفعوا. فالشافعي كان يلقب بناصر السنة، وليس هناك شيء أبغض إلى الشافعي من ماذا؟ من البدعة وأهلها. كان يقول: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والأسواق، ويقال: هذا جزاء من خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ بعلم الكلام. كيف لو رأى الشافعي من يطبلون في المساجد ويرقصون في المساجد ويستغيثون بغير الله ويدعون غير الله، وكل ذلك بحجة ماذا؟ المذهب الشافعي. فخلطوا بين الفكر الصوفي وبين المذهب الشافعي، وبين المذهب الشافعي، وشتان ما بينهما. سرت مغرباً وسرت مشرقاً، شتان ما بين مشرق ومغربي، شتان ما بين مشرق ومغربي. قال النووي: قال أصحابنا، قلنا، أي الشافعية: قال: «وَإِذَا حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَغَيْرِهِمَا» ما من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو بريء من النبي صلى الله عليه وسلم، أو نحو ذلك. وهذه الأخيرة سيأتي معنا في آخر حديث في باب الأيمان إن شاء الله عز وجل. قال: أو نحو ذلك، لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله تعالى ويقول: لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه، فعله أم لا. قال: هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء، وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: تجب عليه الكفارة في كل ذلك، إلا في قوله: أنا مبتدع، أو بريء من النبي صلى الله عليه وسلم، أو اليهودية، إلى آخره، إلى آخره. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فائدة تتعلق بالحديث السابق. قال: يعني لماذا إذا حلف بالله أو بغيره أمر أن يقول لا إله إلا الله، بينما لو قال لصاحبه: تعال أقامرك، أمر بأن يتصدق؟ قال شيخ الإسلام: لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدقة، أعظم من حسنة الصدقة. وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. وذكر قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام: «لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله». فقيل له: قل إن شاء الله. فلم يقل. فطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة، نصف إنسان، نصف إنسان. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، لم يحنث، وكان دركاً لحاجته، وكان دركاً لحاجته». وقوله عليه الصلاة والسلام: «وكان دركاً» أي كان لحاقاً، يعني أنه كان يحصل له ما طلبه. هذا أدعى إلى حصول المطلوب، إلى حصول المطلوب. قال: قوله: «قيل له: قل إن شاء الله»، يعني قال له الملك، قال له الملك. وهذا الحديث يتعلق بمسألة سبقت معنا، ألا وهي الاستثناء في الأيمان. وقول سليمان بن داود، وسليمان بن داود جمع الله له كأبيه بين النبوة والملك، بين النبوة والملك. وأعطى ربنا عز وجل سليمان من الملك الشيء العظيم. قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما عرض له ذلك الشيطان وهو يصلي، ماذا فعل به النبي صلى الله عليه وسلم؟ الصحابة رأوا النبي صلى الله عليه وسلم كأنه أمسك شيئاً وهو يصلي. فلما سألوه عن ذلك أخبرهم أن الشيطان عرض له في صلاته، وأنه خنقه، خنق النبي صلى الله عليه وسلم الشيطان. قال: «حتى وجدت برد لعابه على يدي». برد اللعاب، ما هو اللعاب يا أبا حذيف؟ ما هو اللعاب؟ نعم، هو ماذا؟ الذي يخرج من الفم، اللعاب. طيب، فوجد برد لعابه على يده. قال: «فلولا دعوة أخي سليمان لربطته في سارية المسجد يلعب به صبيان المدينة، صبيان المدينة». ولهذا ذكر مجاهد بن جبر، وهكذا ذكر غيره، أن ملوك الدنيا أربعة، ملوك الدنيا أربعة: اثنان مؤمنان، واثنان كافران. قال: أما المؤمنان، فمن هما يا أبا الفاروق؟ ذو القرنين، والثاني سليمان بن داود. والكافران يا أبا محمد؟ ها، عند من؟ آه، نعم تفضل. ها، من النمرود؟ أحسنت. والثاني، أحدهما النمرود، والثاني؟ ها، أحسنت، بختنصر. فهؤلاء يعني ممن ماذا؟ ملكوا بقاعاً شاسعة من هذه الدنيا، من هذه الدنيا. وماذا؟ سليمان بن داود حلف فقال: لأطوفن. وفي بعضها: لأطيفن. وهذه اللام لام القسم، لام القسم. وما هو المقصود بالطواف؟ ما هو المقصود بالطواف يا أبا محمد؟ الجماع، أي أنه سيجامع هذا العدد من هؤلاء النسوة، من هؤلاء النسوة. قال: على سبعين امرأة. هذه إحدى الروايات التي وردت في ماذا؟ في الحديث. وجاء في رواية: كان له ستون امرأة، وهذه في صحيح الإمام مسلم. وجاء في بعض الروايات: تسعين امرأة، تسعين امرأة. وجاء كذلكم أيضاً في الصحيح، صحيح البخاري، أنه ماذا؟ ذكر مئة امرأة، ذكر مئة امرأة. وفي رواية أخرى عند البخاري أيضاً جاء ذكر تسع وتسعين امرأة. قال العلماء: ولا منافاة بين هذه الروايات، لأنه ليس في ذكر القليل نفي لأ الكثير، ليس في ذكر القليل كالستين والسبعين نفي لأ الكثير كالمئة والتسعين ونحوها، ونحوها. وذكروا أيضاً أنه من مفهوم العدد، ومفهوم العدد، قالوا: لا يعمل به، كما هو قول الجمهور من علماء الأصول، من علماء الأصول. وماذا كانت همّة سليمان في الجهاد؟ قال: تلد كل منهن فارساً أو غلاماً، يعني يقاتل في سبيل الله. والغلام المقصود به ها هنا الشاب الذي يطيق القتال، الشاب الذي يطيق القتال. فقيل له، وسبق معنا أن الذي قال له هو الملك من الملائكة. فقيل له: قل إن شاء الله. فلم يقل. لماذا لم يقل؟ قالوا: نسياناً، قالوا: نسياناً أن يقول بلسانه، لأنه غفل عن تفويض الأمر إلى الله عز وجل بقلبه. يعلم سليمان أنه لن يقع شيء من ذلك إلا إذا شاءه الله عز وجل، لكن نسياناً. وكان النسيان فيه حكمة لله تبارك، لله تبارك وتعالى. فطاف بهن وجامعهن، لكن لم يحصل الذي أراده سليمان. ولم تلد واحدة منهن، سواء قلنا مئة أو تسع وتسعين أو تسعين أو سبعين أو ستين أو غيرها من الروايات، لم تلد واحدة منهن إلا واحدة، ولدت شِق غلام، أي نصف إنسان. وذكر بعض العلماء أنه هو المقصود بالجسد الذي ذكر الله عز وجل أنه ألقي على كرسي سليمان، الذي ألقي على كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: قال عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين صبر». من حلف على يمين صبر، ومعنى صبر: أي ألزم بها، أي ألزم بها، وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها، كذلك أيضاً من جهة الحكم. ولاحظوا كيف وصفت هذه اليمين بالصبر، فالصبر حقيقته الحبس. قالوا: لأن الحبس وقع على الحالف، المصدور عليها، الملزم بها. والمراد بها هنا اليمين الكاذبة، اليمين التي تسمى بالغموس. قال: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر»، أي كاذب. قال: «يلقى الله وهو عليه غضبان، يلقى الله وهو عليه غضبان». قال: «ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية»، أي من سورة آل عمران، من سورة آل عمران. وهذا الحديث يتعلق بالزجر عن الأيمان الفاجرة الباطلة، وهكذا الحلف الكاذب. ونبه بعض أهل العلم بتنبيه، ألا وهو أنه ليس عند مسلم سبب النزول عن ابن مسعود، سبب نزول الآية في مسلم ليس عن ابن مسعود، وإنما عنده عن الأشعث بن قيس، كما سيأتي في الحديث الذي يليه. وعنده أي عند مسلم: «ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله»، يعني بدلاً من قوله: ونزلت، أي الآية السابقة. قال رحمه الله تعالى: قال عن الأشعث بن قيس رضي الله عنه، قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، خصومة أي نزاع على بئر. طيب، قال: فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي للخصم، قال له: «شاهداك أو يمينه». شاهداك أو ماذا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم للأشعث: شاهداك، يعني بينه، أو يمينه. قال: قال: قلت: إذن يحلف ولا يبالي، أهم شيئاً يملك البئر والأرض. قال الأشعث: إذن يحلف، أي الخصم، ولا يبالي، أي بخطورة اليمين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين صبر يغتضب بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر»، أي كاذب، وهكذا مبطل. قال: «يلقى الله عز وجل وهو عليه غضبان، يلقى الله وهو عليه غضبان». وهذا الحديث حديث الصحابي الجليل الأشعث بن قيس، والأشعث بن قيس هذا أول حديث يمر بنا له، وهو الصحابي الجليل الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية... أماذا؟ الكندي، أبو معاوية. صحابي جليل، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعين رجل من قومه، أي من كندة، وكان الأشعث بن قيس هو سيدهم، كان هو سيدهم. فأسلم الأشعث وأسلموا جميعاً. وقد شهد الأشعث بن قيس معركة اليرموك، وهكذا القادسية، وفتح المدائن، مدائن كسرى، وهكذا شهد معركة نهاوند وغيرها من فتوحات المسلمين العظيمة، من فتوحات المسلمين العظيمة. وقد توفي في عام أربعين من الهجرة، توفي في عام أربعين من الهجرة. ماذا يسمى عام أربعين من الهجرة؟ ماذا يسمى عام أربعين من الهجرة يا أبا طاهر؟ الطاعون، طاعون الشام. أبو عبيدة، مر معنا قريباً ما يتعلق بعام أربعين، يا أبا أسامة، لمعاوية بيعة الخلافة، فاجتمعت كلمة المسلمين، فسمي ذلكم العام بعام الجماعة، بعام الجماعة. طيب. وهذا الحديث فيه تحريم اليمين الغموس، تحريم اليمين الغموس، وسيأتي معنا إن شاء الله عز وجل الكلام عنها. قال رحمه الله تعالى: قال عن ثابت بن الضحاك الأنصاري رضي الله عنه أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، تحت الشجرة. وما هو المقصود بالمبايعة تحت الشجرة؟ بيعة الرضوان. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. متى كانت بيعة الرضوان هذه؟ ورطة يا عبد الرحيم. أحسنت. وكان ذلك في أي غزوة وفي أي سفرة؟ تمام، إجابتك صحيحة. لما جاءت الأخبار عن مقتل عثمان، أرسل عليه الصلاة والسلام عثمان بن عفان يفاوض قريشاً، فتأخر عثمان، وأشيع بين المسلمين أن قريشاً قتلت عثمان. فقال عليه الصلاة والسلام: «يأبى القوم إلا أن نناجزهم»، يعني ما يريدون إلا القتال. ثم بايع الصحابة تحت الشجرة، بايعهم على القتال، بايعهم على عدم الفرار، بايعهم على الموت، على الموت. ولهذا مر معنا في غزوة، في غزوة حنين، لما انكشف المسلمون كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾. لم يثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا القليل. وكان عليه الصلاة والسلام يضرب ويركض بغلته إلى أين؟ الناس تفر وهو يركضها إلى جهة العدو، وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». جماعة ما يعرفون الرسول وهو يقول لهم: «أنا ابن عبد المطلب». شجاع في القول وشجاع في الفعل. طيب، هنا أمر العباس عمه أن ينادي، وكان النداء منه ماذا نادى؟ «يا أصحاب السمرة»، يعني يا أصحاب الشجرة، يعني الذين بايعتم النبي صلى الله عليه وسلم على عدم الفرار، لماذا فررتم الآن؟ على الموت، لماذا يخاف الواحد من الموت الآن؟ هذه كانت يا أبا الفضل في... في السنة السادسة، في صلح الحديبية، في صلح الحديبية. قال: وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملك». قال: وفي رواية: «ولعن المؤمن كقتله». قال: وفي رواية: «من ادعى دعوة كاذبة يتكثر بها لم يزده الله عز وجل إلا قلة». وهذا الحديث كما هو ظاهر فيه النهي عن الحلف بملة غير الإسلام، غير الإسلام. وصحابيه ثابت بن الضحاك، وهو أبو زيد الأنصاري الأوسي، من بني عبد الأشهل، من بني عبد الأشهل، وهو ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق، بيعة الرضوان تحت الشجرة. وكان في يوم الخندق رديف النبي صلى الله عليه وسلم، رديف النبي صلى الله عليه وسلم، وكان دليله أيضاً في غزوة حمراء الأسد بعد غزوة الخندق. وماذا؟ سيأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل الكلام حول بعض المسائل المتعلقة بباب الأيمان، مع الكلام كذلكم أيضاً حول باب النذر. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.