التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 1

الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في صفات الله تعالى ورحمته

يبدأ الدرس بالحمد والصلاة على النبي ثم ينتقل إلى شرح صفات الله سبحانه وتعالى مثل العلم والإحاطة والرحمة، ويظهر رحمة الله بعباده وتفوقها على رحمة الأم بولدها.

أهمية اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وفضل رحمته تعالى

يشرح الدرس أهمية اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والقيام بحقوقه، ويبين رحمة الله تعالى وفرحه بتوبة العبد، ويؤكد أن الله تعالى لا يهلك إلا الشقي الذي يصر على العصيان.

مكائد الشيطان ووسوسته لإبعاد الإنسان عن طاعة الله

يتناول الدرس حديث المؤلف عن مكائد الشيطان وكيده لإبعاد الإنسان عن طاعة الله وطاعة رسوله، ويبين أهمية اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام لتحقيق النجاح والفلاح.

تتمة الكلام عن وسوسة الشيطان لابن آدم

يذكر الدرس أن الشيطان يحاول إعاقة ابن آدم عن سلوك طرق الخير، وقد روى أحمد والنسائي حديث سبرة بن الفاكه الذي يبين ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، نقرأ بإذن الله في مثل هذا الوقت في هذا الكتاب، وهو مكايد الشيطان بالوسوسة وذنب المسوسين. شرح كتاب ذنب المسوسين والتحذير من الوسوسة للإمام الفقيه موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله، ومكائد الشياطين. تعريف الإمام ابن القيم رحمه الله، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله، وأنار قلوبهم بمشاهدة صفات كماله، وتعرف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله، فعلموا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به أحد من خلقه، في إكثاره وإقلاله، لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، على لسان من أكرمهم بإرساله، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، فلا يخفى عليه شيء من أمور عباده، ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ يعني بعلمه وإحاطته، ولا يحجب المخلوق عنه تستره بسرباله. الحي القيوم، الواحد الأحد، الفرد الصمد، المنفرد بالبقاء، وكل مخلوق منهى إلى زواله، أو منهى إلى زواله، بمعنى منتهي إلى الزوال والفناء، فكل مخلوق في هذا الكون في هذه الدنيا يفنى ويزول، إلا الخالق سبحانه وتعالى، ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. السميع الذي يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، وهذا لِكماله سبحانه وتعالى وعظيم قدرته، ولا يتبرم بإلحاح الملحين في سؤاله. البصير الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، حيث كانت من سهله أو جباله، وألطف من ذلك رؤيته لتقلب قلب عبده، ومشاهدته لاختلاف أحواله. فإن أقبل إليه تلقاه، وإنما إقبال العبد عليه من إقباله، إن أقبل إليه تلقاه، يعني بالتوبة والعفو والصفح، إذا أقبل العبد على الله سبحانه وتعالى تائبا منيبا، تاب الله جل وعلا عليه وغفر له. وإقبال العبد عليه من إقباله، يعني من إقبال الله جل وعلا، توفيق الله سبحانه وتعالى له بالتوبة والإقلاع عن الذنوب والمعاصي. وإن أعرض عنه لم يكله إلى عدوه، وفي نسخة: إلى غيره، ولم يدعه في إهماله، بل يكون أرحم به من الوالدة بولدها، الرفيقة به في حمله ورضاعه وفصاله. كما في حديث عمر، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تسعى في السبي حتى أخذت صبيا فألزقته ببطنها أو بصدرها فأرضعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟» قالوا: لا يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، الله أرحم بعباده من هذه بولدها». فالله عز وجل أرحم بعباده أن يدخلوا النار، وأن يعذبوا بالنار. قال: فإن تاب فهو أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه، كما جاء في الحديث في الصحيح، في الأرض الدوية المهلكة، إذا وجدها تهيأ لموته وانقطاع أوصاله. وإن أصر على الإعراض ولم يتعرض لأسباب الرحمة، بل أصر على العصيان في إدباره وإقباله، وصالح عدو الله، وقاطع سيده، فقد استحق الهلاك، ولا يهلك على الله إلا الشقي الهالك، لعظيم رحمته وسعة إفاضته. الذي يعرض عن الله جل وعلا وعن طاعته وعبادته، ويتبع الشيطان وسبله وأسباب غوايته وضلاله، وهو الذي أوقع نفسه في المهالك، وحرم نفسه من فضل الله ومن رحمته ومن مغفرته. وإن رحمة الله جل وعلا واسعة وعظيمة، لكن إذا لم يتخذ العبد أسباب الرحمة، وسلك أسباب سخط الله وغضبه، فهو الذي ماذا أردى بنفسه في المهالك؟ قال: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا فردا صمدا، جل عن الأشباه والأمثال، وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال، أي لا أحد يماثل الله في ذاته، ولا في أسمائه ولا في صفاته، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. وليس له جل وعلا ند أو شريك في ألوهيته وفي ربوبيته، بل هو الأحد الفرد الصمد، الذي تلجأ إليه الخلائق وتصمد إليه في حاجاتها، لا تلتجئ إلى غير الله، ولا تطلب شيئا من غير الله سبحانه وتعالى، إلا من ضل عن الهدى ووقع في الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى. قال: وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لحكمه، ولا معقب لأمره، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من أولياء. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، القائم له بحقه، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أرسله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحجة على الكافرين، وحجة على العباد أجمعين، بعثه على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، أي من طريق الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام واتباعه وتصديقه. فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذل والصغار على من خالف أمره، وأقسم بحياته في كتابه المبين، في قوله جل وعلا: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾. وقرن اسمه باسمه، فلا يذكر إلا ذكر معه، كما في شهادة التوحيد التي يدخل بها العبد في الإسلام، ما يكون مسلما إلا أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وهكذا أيضا في الأذان، وفي التشهد، وفي كثير من المواضع. قال: كما في التشهد والخطب والتأذين، فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائما بأمر الله، لا يرده عنه راد، مشمرا في مرضات الله، لا يصده عن ذلك صاد، إلى أن أشرقت الدنيا برسالته ضياء وابتهاجا، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار. ثم استأثر الله به لينجز له ما وعده به في كتابه المبين، بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد وأقام الدين، وترك أمته على البيضاء الواضحة البينة للسالكين. وقال: «هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين». وهذه المقدمة فيها إشارة وإلماح إلى ما سيذكر ويتكلم عنه المؤلف في هذا الكتاب، وهذه الرسالة من تلبيس الشيطان على الإنسان وإيقاعه في الوساوس، وصده وإبعاده عن طاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام. وأن الواجب على المسلم أن يكون متبعا للرسول عليه الصلاة والسلام في شرعه ودينه وفي أحكامه وفي شريعته وفي جميع ما جاء به عليه الصلاة والسلام، وأن ذلك هو سبيل النجاح وسبيل الفلاح، أن يكون على كمال الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم. ولأن من اتبع الشيطان في وسوسته فهو في الحقيقة يخرج عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فلذلك يكون يعني لقمة سائغة للشيطان ليصده عن طاعة الله جل وعلا. قال رحمه الله: فصل في مكائد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم. قال الله تعالى إخبارا عن عدوه إبليس لما سأله عن امتناعه عن السجود لآدم واحتجاجه بأنه خير منه وإخراجه من الجنة، أنه سأله أن ينظره فأنظره، ثم قال عدو الله: ﴿فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، نعم سقطوا عن أيمانهم وعن شمائلهم، ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾. قال جمهور المفسرين: حذف على فانقصب الفعل، والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك. قال: ﴿فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ قال: فحذف على فانقصب صراطك، والتقدير: أقعدن لهم على صراطك بالجر، لكن حذف حرف الجر فنصب الفعل. قال: والظاهر أن الفعل مضمر، فإن القاعد على الشيء ملازم له، فكأنه قال: لألزمنه ولأرصدنه ولأعويجنه ونحو ذلك من معاني الملازمة وعدم الفكاك. والمعنى: أني سأكون له بالمرصاد، لا أتركه ولا أتخلى عنه، فأنا له في طريقه أصده عن طاعة الله جل وعلا. قال ابن عباس: «دينك الواضح». يعني معنى صراطك المستقيم. قال ابن عباس: «دينك الواضح». وقال ابن مسعود: «هو كتاب الله». وقال جابر: «هو الإسلام». وقال مجاهد: «هو الحق». قال: والجميع عبارات عن معنى واحد، وهو الطريق الموصل إلى الله تعالى. وغالبا أن تفاسير السلف رحمهم الله، إن اختلفت العبارات، فهي تؤدي المعنى المقصود، فاختلافهم في التفسير الغالب أنه من اختلاف التنوع. وقد بين ذلك وشرحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته «مقدمة في أصول التفسير». ولهذا قال: والجميع عبارات عن معنى واحد، كله تؤدي معنى واحد. فمن فسر الصراط بأنه الدين الواضح، فسلوك هذا الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، أمر الله عز وجل بالإيمان به واعتناقه، فإنه يؤديك إلى الصراط المستقيم الذي به تنجو وتفلح. وهكذا إذا من قال: كتاب الله، فلا شك أن كتاب الله جل وعلا أعظم سبيل إلى سلوك الصراط المستقيم. وهكذا من قال: الإسلام، ومن قال: الحق، وكلها معاني متقاربة. قال: وقد تقدم حديث سبرة بن الفاكه أن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها، الحديث. فما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك. الحديث بينه المحقق، رواه أحمد والنسائي، وصححه شيخ الباني رحمه الله في تخريج الترغيب. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.