الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل تفسير قول الله تعالى عن الشيطان "لآتينهم من بين أيديهم" وتفسيرات متعددة لإتيان الشيطان للإنسان من خلفه وعن يمينه وشماله. يوضح أن الشيطان يصرف الإنسان عن طاعة الله بتعلقه بالدنيا أو تشكيكه في الآخرة.
يستعرض هذا الفصل آراء المفسرين حول إتيان الشيطان للإنسان من جميع الجهات لإغوائه، ويشرح كيف يحاول الشيطان إغواء الإنسان بوسائل مختلفة. يُظهر أن الشيطان يزين للإنسان أفعاله السيئة ويشجعه على الاستمرار فيها.
يشرح هذا الفصل كيف أن الله قد يقيض للإنسان قرناء من الشياطين بسبب إعراضه، فيزينون له الباطل ويغرونه بالدنيا ويغفلونه عن الآخرة. يُظهر أن هذا نتيجة لإغواء الإنسان وإعراضه عن الله جل وعلا.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال ابن القيم رحمه الله بكتاب مكايد الشيطان: قال وقوله «ثم لآتينهم من بين أيديهم»، قال ابن عباس في رواية عطية عنه -يعني عطية العوفي- قال: من قبل الدنيا، من بين أيديهم، أي من قبل الدنيا، حتى يصرفهم عن طاعة الله جل وعلا، فيعلقهم بالدنيا. قالوا: في رواية علي عنه -أي علي بن أبي طلحة- وعلي من أبي طلحة يروي عن ابن عباس، وروايته عنه مرسلة، لكن الواسطة معلومة، وهو مجاهد، الواسطة بين علي بن أبي طلحة وبين ابن عباس هو مجاهد، من جبر، فعلى هذا فالرواية عنه صحيحة. قال: وفي رواية علي عنه «أشككهم في آخرتهم»، يعني فسر ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة «لآتينهم من بين أيديهم» قال: أشككهم في آخرتهم. قال: وكذلك قال الحسن: من قبل الآخرة، تكذيبا بالبعث والجنة والنار. وقال مجاهد: من بين أيديهم، من حيث يبصرون. والمعنى أنه على هذه التفاسير أن الشيطان توعد بإتيان الإنسان من بين يديه لصده عن طاعة الله جل وعلا، وعن الصراط المستقيم، بتعلقه بالدنيا، وانشغاله بها، وغفلته عن الآخرة والعمل لها. قالوا: من خلفهم، قال ابن عباس: أرغبهم في دنياهم. وقال الحسن: من قبل دنياهم، أزينها لهم، وأشبهها لهم. وعن ابن عباس رواية أخرى: من قبل الآخرة. وقال أبو صالح: أشككهم في الآخرة، وأباعدها عليهم، يعني يغررهم بأن الآخرة بعيدة، وأنت في الدنيا تتمتع بها وتتحصل على ما تريد من شهواته ولذاته. قال: وقال مجاهد أيضا: من حيث لا يبصرون. قال: وعن أيمانهم، قال ابن عباس: أشبه عليهم أمر دينهم. وقال أبو صالح: الحق أشككهم فيه. وعن ابن عباس: من قبل حسناتهم، قال الحسن: من قبل الحسنات، أثبتهم عنها، يعني عن فعلها وعن الاكثار منها. وذلك أن أهل اليمين هم أهل الجنة الذين يأخذون صحائف أعمالهم بأيمانهم لكثرة حسناتهم وقلة سيئاتهم، ففسر قولهم «بأيمانهم» أي من جهات الحسنات وفعل الصالحات. وقال أبو صالح أيضا: من بين أيديهم، ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، قال: أنفقه عليهم، وأرغبهم فيه. وقال الحسن: عن شمائلهم السيئات، يأمرهم بها، ويحثهم عليها، ويزينها في أعينهم، يعني اتيان الشيطان للإنسان من جهة شمائله، أي من جهة السيئات، يأمرهم بها، أي بفعلها. إن الشيطان يأمر «يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان»، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر. والله وهكذا يقول الله جل وعلا: «والشيطان يعدكم الفقر»، «الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء»، فيأتي الإنسان يحث على فعل الذنوب والمعاصي والمحرمات، ويزينها له، فهذا من تغرير الشيطان ببني آدم. قال: وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ولم يقل «من فوقهم»، لأنه علم أن الله من فوقهم. قال الشعبي -وهو عامر الشراحيل-: فالله عز وجل أنزل الرحمة عليهم من فوقهم. وقال قتادة: ومن دعامه أبو الخطاب السدوسي: «أتاك الشيطان يا بن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك»، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله، فلهذا قال: «من بين أيديهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم»، ولم يقل «من فوقهم»، لأن الله عز وجل فوق العباد. قال الواحد: وقول من قال: الأيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن السيئات، حسن، يعني قول حسن، لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك، تريد اجعلني من المقدمين عندك، ولا تجعلني من المؤخرين. وأنشد لمن الدم لمن الدمنية لمن الدمنية ألبنا أفي يمنا يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالك. وروى أبو عبيد عن الأصمعي: هو عندنا باليمين، أي بمنزلة حسنة. هذه شواهد من لغة العرب على أن اليمين تطلق ويراد بها الأمر الحسن، وكذلك أيضا الحسن والمنزلة والمنزلة الحسنة. قال: وبضد ذلك: هو عندنا بالشمال. وأنشد: رأيت بني العلات لما تظافروا يحوزون سهمي بينهم في الشمائل. بن العلات، أي الإخوة لأب، الإخوة لأب الذين يشتركون في الأخوة من جهة الأب وأمهات مختلفة، فإذا كانت الأم واحدة والآباء مختلفون فهم إخوة أخياف، يقال لهم أخياف، وإن اشتركوا في الأب والأم فهم الإخوة الأشقاء. قال: أي ينزلون بالمنزلة السيئة، يحوزون سهمي بينهم في الشمائل، سهمي، أي حظي ونصيبي في الشمائل، أي بالمنزلة السيئة. قال: وحكى الأزهري عن بعضهم في هذه الآية: «لأغوينهم»، حتى يكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة، ومن خلفهم بأمر البعث، وعن أيمانهم وشمائلهم، أي لأظلنهم فيما يعملون، لأن الكتب يقال فيه ذلك: «بما كسبت يداك»، وإن كانت اليدان لم تجني شيئا، لأنهم الأصل في التصرف، فجعلتا مثلا لجميع ما يعمل بغيرهما. وقال آخرون منهم أبو إسحاق الزمخشري -والزمخشري جار الله، من أئمة المعتزلة، هو إمام في اللغة، قوي في اللغة، لكنه معتزلي، وقد ملأ كتابه الكشاف بضلالات المعتزلة- قال: واللغة لأبي إسحاق ذكر هذه الوجوه للمبالغة في التوكيد، أي لآتينهم من جميع الجهات. والحقيقة والله أعلم أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم. وقال الزمخشري: «ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو الغالب»، وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله: «واستفزز من استطعت منهم بصوتك»، «وأجلب عليهم بخيلك ورجلك». وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: «أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك». وهذا القول أعم فائدة، ولا يناقض ما قال السلف، فإن ذلك على جهة التمثيل للتعيين. يعني معنى هذه الآية أن الشيطان قد أتى الإنسان من جميع الجهات، من جميع الجهات، من أمامه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، فهو حريص على إغوائه وإغفاله وإبعاده عن الطاعة وإيقاعه في المعصية، فلذلك كان الشيطان من أعداء الإنسان وأخطر الأعداء، لماذا؟ لأنه قريب منه، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويجري في دمه، وقريب منه، فلذلك كان الشيطان من أخطر الأعداء. «يا أيها الناس»، قال الله عز وجل: «إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً»، الله عز وجل أخبر بعداوة الشيطان وأمرنا أن نتخذه عدواً. قال شقيق: ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصب، من بين يدي، ومن خلف، وعن يميني، وعن شمالي. فيقول: لا تخف، فإن الله غفور رحيم، فأقرأ «فمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى»، وأما من خلفي فيخوفني الضيعة على من أخلفه -يعني من الأهل والأولاد والمال- قال: فقرأ «وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها». ومن قبل يميني يأتيني من قبل النساء، فقرأ «والعاقبة للمتقين». ومن قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات، فقرأ «وحيل بينهم وبين ما يشتهون». قلت: السبل التي يسلكها الإنسان أربعة لا غير، فإنه تارة يأخذ على جهة يمينه، وتارة على شماله، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه، يعني الطرق التي يسير منها الإنسان أربعة، إما يمشي إلى جهة اليمين، وإما يمشي إلى جهة اليسار، وإما يرجع إلى الخلف. قال: فأي سبيل سلكها من هذه وجد الشيطان عليها رصدا له، يعني الشيطان لك بالمرصاد في أي سبيل تسير فيه من هذه السبل، فالشيطان لك بالمرصاد. قال: فإن سلكها في طاعة وجده عليها يثبطه عنها ويقطعه أو يعوقه ويبطئه، إن ذهب في أحد هذه السبل لطاعة فالشيطان موجود يثبطه وعنها يكسله، وربما قطعه وجعله يترك هذه الطاعة، جعله يترك هذه الطاعة، ربما يخرج يريد أن يذهب إلى المسجد لأداء الصلاة، فيأتيه الشيطان ويسوِّل له حتى يصرفه عن المسجد، وربما عوقه وبطّأه -يعني أخره- أخره حتى ربما فاته شيء من الركعات، فيفوته شيء من الخير والفضل. قال: وإن سلكها لمعصية وجده عليها حاملا له وخادما ومعينا وممنيا، إذا سلك أحد هذه السبل لأجل معصية وجد الشيطان يحثه ويرغبه ويدفعه. قال: ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك، يعني أن الشيطان حريص على إغواء الإنسان. قال: مما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى: ﴿وقضينا إليهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾، قال الكلب: ألزمناهم قرناء من الشياطين، قرن يعني صاحب، صديق، قيضنا لهم قرناء، أي ألزمنا لهم قرناء من الشياطين. وقال مقاتل: هيئنا لهم قرناء من الشياطين. وقال ابن عباس: ما بين أيديهم من أمر الدنيا، وما خلفهم من أمر الآخرة. والمعنى: زينوا لهم الدنيا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة والإعراض عنها. وقال الكلب: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا جنة ولا نار ولا بعث، وما خلفهم من أمر الدنيا ما هم عليه من الضلالة. وهذا اختيار الفراء. وقال ابن زيد: زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم وما يستقبلون منها. والمعنى على هذا: زينوا لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه، وما يعزمون عليه فلا ينوون تركه. وهذه المعاني كلها متقاربة، أن الله جل وعلا ربما يقيض الإنسان بسبب إعراضه وإغوائه قرناء من الشياطين يزينون لهم الباطل، وكذلك أيضا يورونهم بالركون إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة والاستعداد لها. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.