المحاضرة بعنوان التبيان في أحكام الحلف والأيمان، والتي كانت بمسجد العلامة ابن باز بدفيقه بالشحر يوم الجمعة 8 ربيع الأول 1448هـ الموافق 21 أغسطس 2026م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل المحاضر بالحديث عن أهمية دراسة أحكام الأيمان لارتباطها بعبادة المسلم اليومية، ثم يعرّف اليمين لغةً وشرعاً مبيناً أن انعقادها يشترط فيه التلفظ باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته. ويحذر من الحلف بغير الله كالآباء والكعبة والنبي صلى الله عليه وسلم مستدلاً بالقرآن والسنة على تحريم ذلك.
يبيّن المقطع أن الحلف بغير الله يعد شركاً أكبر أو أصغر بحسب نية الحالف، وأن الصيغة الصحيحة تقتصر على اسم الله أو صفاته. كما يستعرض شروط الحالف من تكليف وبلوغ وعقل، وخلاف العلماء في اشتراط الإسلام، مع جواز يمين الكافر في القضاء عند الجمهور.
يشترط لصحة اليمين أن يكون الحالف مختاراً غير مكره، وأن تتعلق بفعل مستقبل لا ماضٍ، مع بيان أحكام اليمين في حال الغضب الشديد واليمين الغموس. ويتناول أحكام الإكراه على اليمين أو الطلاق، وحق الزوج في مراجعة مطلقته، ونهي الأولياء عن عضل النساء.
يشرح المحاضر أحكام اليمين المنعقدة التي يحنث فيها صاحبها بترك مأمور أو فعل محظور، ووجوب الكفارة فيها حتى لو كانت على طاعة أو مباح، مع النهي عن جعل اليمين مانعة من الواجبات. ويناقش حكم يمين الإكرام وخلاف العلماء في كفارتها مستدلين بحديث أبي بكر رضي الله عنه.
يبيّن أن الحلف على فعل مستحيل أو مال غير مملوك يعد يميناً منعقدة لكن لا كفارة فيها، ثم يستعرض آيات الكفارات في سورة المائدة موضحاً مراتبها: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ومن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. ويؤكد وجوب الكفارة في الحلف على المعصية أو قطع الرحم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، أحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا على طاعته سبحانه وتعالى، وعلى ذكره وشكره سبحانه جل وعلا. أيها الإخوة الكرام، كما قد سمعتم من الشيخ -عليه رحمة الله- في هذه المحاضرة، وقد أعلن عنها اسم «التبيان في أحكام الحلف والإيمان». وقد يقول قائل: إن هذا يكون في الدروس وفي الكتب التي تدرس، وليس في المحاضرات. وهذا ليس صحيحًا، فهذه مواضيع مهمة. فالسبب الذي جعلني أختار هذا الموضوع: أولاً من باب التفقه، وهذه المجالس هي مجالس الفقه والعلم، والحلال والحرام، وأيضًا مجالس الوعد. يكون فيها وعد، ويكون فيها أيضًا مجالس حلال وحرام، ليس فقط مقتصرًا على الوعد، ولا أيضًا مقتصرًا على الفقه أو على العقيدة، بل هذه المحاضرات تكون في شتى العلم. ولا شك ولا ريب أن المسلم يحتاج إلى أمور العبادة، وكذلك أمور المعاملة التي يعبد الله عز وجل بها. وباب الأيمان هو من باب العبادات التي تعبد بها العبد ربه جل وعلا، فلذلك يحتاج في يومه وليله أن يعرف حكم هذه الأيمان. وكذلك من أهمية هذا الموضوع: أن كثيرًا من الناس يسألون عن أحكام الأيمان، وعن أحكام الكفارات. وغالبًا الناس يحلفون ويقسمون بالله في أشياء كثيرة، فيحتاج المسلم إلى أن يعرف حكم هذا الأمر. وهناك أسباب أخرى تدل على أهمية هذا الموضوع، تكفي هذه التي ذكرنا. أيها الإخوة، الأيمان جمع يمين. قيل: إنها سميت يمينًا لأن العرب إذا أراد الشخص أن يعقد عقدًا أو يعاهد عهدًا، يأخذ أحدهم بيمينه بيمين صاحبه، فقيل لها: يمين. وقيل: إن اليمين هي القوة، والشيء الذي يتقوى به، أو إذا أراد القوة عمل هذا لليمينه. لهذا قال الله عز وجل: ﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴾ [الحاقة: 45]، أي بالقوة. وسميت اليمين يمينًا لقوتها، لأنها أقوى من اليسار. وأما شرعًا، فاليمين هو الإقسام بالله، أو الحلف بالله على ترك فعل، أو على فعل، ترك على أن يفعل، أو على أن يترك فعلًا، أو أن يفعل فعلًا، فيقسم ويؤكد ذلك، يقسم ويؤكد ذلك. لهذا تجد في القرآن أيمانًا كثيرة، ربنا جل وعلا أقسم بنفسه، وأقسم بأشياء كثيرة من مخلوقاته، وهذا كله يدل على أهمية اليمين. أيضًا أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقسم، ويقسم الله عز وجل نبيه، ويقول: «وربك»، أو قال الله عز وجل في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم، أن يقسم: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [النساء: 65]، إلى آخر الأيمان التي يقسم بها ربنا جل وعلا. وكذلك في السنة عن نبينا عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة فيها يقسم نبينا عليه الصلاة والسلام بصيغ شتى. ولهذا قال العلماء: إن هذه اليمين ما تسمى يمينًا إلا إذا اجتمعت على أمور. ما تسمى يمينًا منعقدة، ويمينًا صحيحة، إلا إذا اجتمعت على أمور. أولاً: أن تكون في النية، وسيأتي إن شاء الله معنى هذا في الشرع. وأيضًا كذلك أن يكون بالألفاظ. ما تكفي مثلاً النية، النية في اليمين ما تكفي، لا بد من التلفظ. لكن المقصود بالنية: هو أنه يقصد هذه اليمين ويريدها. ثم إذا أراد يعقد هذه اليمين لا بد من التلفظ، لا بد من التلفظ. فلو جعلها في نيته فلا تصبح يمينًا. فلو قال مثلاً إنسان في نفسه: يقول في نفسه لا يتلفظ، لكن في نفسه يقسم بالله أنه سيفعل كذا وكذا، في نفسه فقط، ما تلفظ بذلك، فهذا لا تعتد يمينًا منعقدًا. فاليمين المنعقد لا بد أن يكون لها صيغة يتلفظ بها. وهذه الصيغة التي تعقد بها الأيمان: أولاً أن تكون باسم من أسماء الله جل وعلا، أو بصفة من صفاته. أن تكون باسم من أسماء الله جل وعلا، أو بصفة من صفاته. وهذا الذي جاء في السنة، النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين في حديث عبدالله بن عمر: سمع عمر يحلف بأبيه، فقال: «لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد. فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. فإذا كان يريد يمينًا، اليمين تكون بالله، تكون بالله جل وعلا، سواء كان باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته. ولهذا كما قلنا: القرآن مليء بالأيمان، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يقسم إما بالله، وإما بصفة من صفات الله. مثلاً يقول: «والذي نفسي بيده»، هذه صفة من صفات الله عز وجل، أن الأنفس بيده سبحانه وتعالى. وأيضًا يقول: «لا ومقلب القلوب»، مقلب القلوب هو الله سبحانه وتعالى. كذلك الملائكة تقول: «وعزتك»، كما جاء في حديث جبريل. وهكذا اليمين تكون كما قلنا: إما بأسماء الله، أو بصفة من صفات الله. فإذا حلف بغير ذلك فإنها لا تكون يمينًا منعقدة. لو قال: بأبيه، أو بأمه، أو بشرف الثورة، أو بشرف الحزب، أو بغيرها من هذه الألفاظ، هذه لا تنعقد يمينًا. وكذلك لو حلف بدين الله، لو حلف بالكعبة، أن الكعبة معظمة، والدين معظم، والنبي عليه الصلاة والسلام معظم، لكن لا يجوز أن يحلف، لا بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولا بالكعبة، ولا أيضًا كذلك بالدين. لا يجوز أن يحلف بغير الله جل وعلا. ولهذا جاء في حديث الطفيل رضي الله تعالى عنه: أنه رأى رؤيا، رأى رؤيا أنه يأتي أقوام من اليهود، أو قوم من اليهود، فقال لهم: «إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله». فقالوا: «وأنتم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وتقولون: والكعبة». ثم جاء على قوم من النصارى، وقال لهم: «إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله». فقالوا له: «وأنتم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وتقولون: والكعبة». ثم أن الطفيل أصبح، فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبره بهذه الرؤية. فقام النبي عليه الصلاة والسلام في الناس، وأخبرهم أن الطفيل أخبره بهذه الرؤية، وأنه كان يمنعه أن يحدثكم بهذا كذا وكذا، أي أن يحذركم من هذه الأمور. «قولوا: ما شاء الله وحده، ولا تقولوا: والكعبة، وقولوا: ورب الكعبة، ولا تقولوا: والكعبة». فدل هذا الحديث، وجاء أيضًا هذا الحديث من حديث قتادة، ومن تصفين، وجاء نحوه أيضًا من حديث حذيفة بن اليمان. هذا الحديث يدلنا على أن الإنسان لا يقول: والكعبة، ولا يحلف كذلك بالنبي. بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يشركوا في اللفظ، أن يشركوا في اللفظ مع الرب جل وعلا. فقال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده». وفي حديث ابن عباس: لما قال له ذاك الرجل: «ما شاء الله وشئت يا رسول الله»، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «أجعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده، وشاء محمد»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام بين أنه لا يجوز أن يشرك باللفظ مع الله، فكيف بأن يحلف به عليه الصلاة والسلام؟ وهذا قول أكثر العلماء. وأما من قال: إنه يجوز بالنبي، فهم مخطئون، ولم يكن لهم سلف من الصحابة، بل قولهم باطل، وتدل عليه الأدلة التي ذكرنا. أيضًا كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. ومن عظمة ذلك الأمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء عنهم في حديث عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك». من حلف بغير الله فقد أشرك. وهذا الحديث حديث حسن، جاء له شاهد من طريق سالم بن عبدالله، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف بغير الله»، قال فيه قولًا شديدًا، وهذا القول الشديد هو أنه أشرك. فقال العلماء: اليمين والحلف والقسم بغير الله جل وعلا، إن كان من باب التعظيم لهذا المحلوف به كتعظيم الله، فهو شرك أكبر. وإن كان ليس من باب التعظيم كتعظيم الله، وإنما فقط يرى أن هذا له فضيلة أو كذا فيحلف به، فهذا يعتبر من الشرك الأصغر. فلذلك لا بد من هذه الصيغ كما قلنا. فاليمين لا تنعقد إلا بهذا. طيب، هناك أيمان جعلها العلماء أيمانًا، وليست فيها لفظ الجلالة، أو لا فيها اسم الرب جل وعلا، ولا صفة من صفاته. مثلاً: أن يحلف الإنسان مثلاً يقول: «لعمرك»، كما كان يحلف العرب: «لعمرك». أو مثلاً: الحلف بالطلاق. يعني الحلف بالطلاق، هذا كثير في الناس. والحلف بالطلاق على نوعين: نوع صريح، يحلف بالطلاق، يقول: «بالطلاق علي»، أو «طلاق علي»، هذا لفظ صريح بالطلاق. وهناك أيضًا عند الفقهاء حلف بالطلاق على سبيل الاشتراط، يسمونه حلفًا، كما في كتب الحنابلة والشافعية. فيقول مثلاً: إذا قال لزوجته: «إن خرجت من البيت فأنت طالق». هذا يعتبرونه أيضًا يمينًا، يمينًا لاشتراطه بالطلاق، لاشتراطه بالطلاق. فهذا كيف يكون يمينًا وهو ليس باسم الله ولا بصفة من الصفات؟ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أن هذا من باب تحقيق الفعل، وأن تحقيق الفعل لا يكون إلا من الله، فهو داخل في صفات الله جل وعلا. فالطلاق: من الذي يوقع الطلاق هو الله. قد يريد الرجل أن يطلق لكن ما يطلق، لأن الله عز وجل ما أراد له الطلاق. ولهذا تقول العامة: «هذه العقود ما تعقد في الأرض حتى تعقد في السماء»، حتى تعقد في السماء. يريدون أنها: أن الله عز وجل هو الذي يقدرها ويقضيها سبحانه وتعالى في هذه الأرض. فإذا قضى الله عز وجل أمرًا، حصل في الأرض. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ولهذا فهو داخل في مشيئة الله جل وعلا، والمشيئة صفة من صفات الله سبحانه جل وعلا، فهو من هذا الباب يعتبر يمينًا. وأما مثلاً: أحياناً بعض الأيمان، مثل: «العمر الله»، و«حياة الله»، وكذا، فهذا أيضًا يدخل في الصفات، يدخل في الصفات. فهذا كما قلنا: لا بد أن تكون هناك صيغة لليمين، وهذه الصيغة تكون صيغة منعقدة. فإذا لم تكن صيغة منعقدة، فإنه لا أثر لهذه اليمين، لا أثر بهذه اليمين. لأن الله عز وجل قال: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ﴾ [المائدة: 89]. فتعقيد الأيمان إنما يكون كما قلنا: باسم من أسماء الله وصفاته. وأيضًا قبل ذلك تكون في القلب، ثم يحلف ويتلفظ بها الإنسان. طيب، هذه الأيمان، ذكر العلماء أن الأيمان هذه المنعقدة، التي يترتب عليها الحنث، وكذلك يترتب عليها الكفارات، هذه الأيمان لها شروط، حتى تكون هذه اليمين منعقدة. أولاً: شرط في الحالف، في نفسه، من هذا الذي يحلف، ومن هو الذي تكون يمينه منعقدة؟ الحالف يشترط فيه عند أكثر العلماء: أن يكون مكلفًا، أن يكون مكلفًا، معنى: بالغًا عاقلًا، بالغًا عاقلًا. أما الصغير، فيمينه لا تنعقد، ولو حلف، لأنه ليس مكلفًا، حتى يكلف بالحنث، وكذلك بالكفارة. وأما المجنون، كذلك المجنون أيضًا لا ينعقد يمينه، لأنه لا عقل له، وليس هو مكلفًا. قد رفع عنه القلم، فلذلك: مادام أن الواجبات في الصلاة والصيام وغيرها ترفع عنه، فمن باب أولى ترفع عنه هذه الأيمان وغيرها. أيضًا ذكر بعض العلماء: أنه أيضًا يشترط أن يكون الحالف مسلمًا، أن يكون الحالف مسلمًا. هذا عند الحنفية. والجمهور لا يشترطون ذلك. لماذا قالوا: لأن الكافر تنعقد يمينه، الكافر تنعقد يمينه إذا حلف، وأيضًا تعتبر يمينه، تعتبر يمينه. لأن الكفارحيانًا يعيشون مع المسلمين، وحيانًا يكونون من أهل الذمة، الذين يدفعون الجزية ويعيشون في بلاد الإسلام، أو من المعاهدين الذين يعيشون في بلاد الإسلام، أو المستأمنين. فهؤلاء قد يكون بينهم وبين بعض أهل الإسلام أشياء من العقود، أو من القضايا التي يحتاج فيها إلى اليمين. فلذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله: أن الكافر إذا حلف في القضاء، فإنه تعتبر يمينه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام في حديث الأشعث بن قيس: لما قال له: «إن لي ابن عم يهودي، حصل بيني وبينه خصام في أرض، فادعيت عليه أن هذه الأرض لي، وهو يدعي أنها له». يقول: «هذه الأرض له». فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إذن يحلف». إذن يحلف. قال هذا الأشعث: «وما أفعل بيمين رجل كافر؟» ما أفعل بيمين رجل كافر. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لك إلا ذلك». يعني: ليس لك منه إلا ذلك، أنه يحلف على أن هذه اليمين، أو هذه الأرض له، أو تكون عندك البينة أن هذه الأرض له. أيضًا كذلك ما حصل في حديث عبد الرحمن الأنصاري: لما خرجوا إلى خيبر، محيصة وحويصة وعبد الرحمن، أو عبدالله، خرجوا إلى خيبر، فقتل عبدالله. فالمهم أنهم جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: «يا رسول الله، قتل عبدالله في خيبر». فقال لهم نبي صلى الله عليه وسلم: «هل تعرفون الذي قتله؟» قالوا: لا. قال: «هل تحلفون خمسين يمينًا أن يهود قتلته؟» قالوا: «يا رسول الله، كيف نحلف على شيء لم نراه ولم نشهده؟» قالوا: «يا رسول الله، كيف نحلف على شيء لم نراه ولم نشهده؟ ما شهدناه لما قتل». قال: «إذن تبرئكم يهود بخمسين يمينًا». يعني: إذا كنتم أنتم ما ستحلفون، تحلف اليهود خمسين يمينًا أنهم ما قتلوا صاحبكم. فقالوا: «يا رسول الله، وما نفعل بأيمان قوم كفار؟ وما نفعل بأيمان قوم كفار؟» فأدى النبي عليه الصلاة والسلام. شاهدنا أن النبي عليه الصلاة والسلام اعتبر أيمان الكفار. فلذلك قال الشافعي وأحمد وغيرهم من العلماء: أن اليمين لا تكون، أو أن اليمين لا يشترط فيها أن يكون الرجل الحالف مسلمًا، أن يكون الحالف مسلمًا. أيضًا كذلك: الحالف لا بد أن يكون أيضًا في حلفه على وعي، عنده وعي لما يحلف. وهذا يدخل في الجنون، لكن أفرده العلماء، لأنه غالبًا ليس عن جنون، وإنما عن غضب شديد، عن غضب شديد يخرجه عن الوعي. فإذا قيل له: «أنك أقسمت»، يقول: «لا»، يقول: «ما أقسمت». فلذلك أدخله العلماء، أدخل الغضب الشديد. واستدلوا بما جاء في الصحيحين، حديث مسعود بن عمر، وجماعة من الصحابة: أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر رجلًا كان في سفر، وكان معه راحلة فيها زاد وماء، فانفلتت عليه هذه الراحلة، فحاول أن يبحث عنها فلم يجدها، فأيس، يأس، فاستظل تحت شجرة، وهو ينتظر الموت، ما عنده ما، ما عنده زاد، ما عنده راحلة، فهو استظل تحت شجرة، ونام تحتها منتظر الموت. قال: «فإذا راحلته قائمة عند رأسه». ففرح، فقال من شدة... قال: فقال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح، أخطأ في اللفظ من شدة الفرح. فلذلك: فقد الإنسان يغضب، ويقول كلامًا لا يعي. وقد الإنسان أيضًا يفرح فرحًا شديدًا، حتى يخرجه ذلك الفرح أن يتكلم بكلام لا يعي. ولهذا ذاك الرجل، كما في حديث سليمان بن صرد في الصحيحين: قال: أن رجلين اختصما، فقال: فغضب أحدهما غضبًا شديدًا، حتى انتفخت أوداجه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إني لأعلم كلمة لو قالها هذا لذهب عنه ما يجد». أعلم كلمة لو قالها هذا الرجل الغضبان لذهب عنه ما يجد: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». فهذا من علاج الغضب: أن الإنسان إذا غضب، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن الغضب إنما يثيره الشيطان. فقام الرجل وأخبره بذلك، فقال: «إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: أنك لو قلت كلمة ذهب عنك ما تجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». فمن شدة غضبي، قال: «أمجنون أنا؟ أمجنون أنا؟» معناه: حتى أقول هذه الكلمة. فلذلك كما قلنا: أحياناً شدة الغضب يخرج الإنسان عن وعيه. ويحصل ذلك أيضًا في الطلاق، وفي الأيمان. في الطلاق، بل حتى في الردة، حتى في الارتداد: الإنسان يقول كلام كفر وهو لا يعيه، من شدة الغضب، من شدة الغضب. ولهذا أيضًا جعل ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: أن الرجل قد يقول: «أنا يهودي إن فعلت كذا»، «أنا نصراني إن فعلت كذا»، «أنا في النار إن فعلت كذا». هذا كلها تعتبر من الأيمان المشروطة، الأيمان المشروطة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قال في حلفه: أنا يهودي، فإنه لا يرجع إلى الإسلام بخيره»، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك هذا لا بد أن يكون الحالف يعي ما يقول. أيضًا من الشروط: من شروط الصحة، شروط صحة اليمين المنعقدة، أن تكون هذه اليمين من غير إكراه، من غير إكراه. لا يمين عليها، إما إكراه كما يسميه الفقهاء: ملجئ، أو غير ملجئ. الإكراه الملجئ: أن يكون مثلاً فيه تهديد، أن يكون مثلاً فيه تهديد بالضرب، أو بفعل أنه سيضرب، وأنه سيقتل، إن لم يحلف، وإن لم يقسم. وأما غير الملجئ: فلا يكون فيه تهديدًا، لكن معناه: ليس فيه تهديد على القتل أو الضرب، لكن فيه إرغام له على اليمين، أو على الطلاق، أو على غيرها من الأفعال. لكن مثلاً: يقول له: «إن لم تفعل كذا، أخذنا زوجته». «إن لم تقسم، ما سنعطيك هذه الزوجة». أحياناً مثلاً: الإنسان يطلق زوجته، وتنتهي العدة، ثم يأتي يريد أن يرجع إلى هذه الزوجة. فهذا يرجع بعقد جديد، ومهر جديد. وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232]. فالله عز وجل نهى الأولياء أن يمنع مواليهم من الرجوع إلى أزواجهم، إذا كان إذا أرادها بعد أن طلق وانتهت العدة. أما إذا طلقها وهي لا تزال في العدة، فهذا لا يجوز أن يمنع، لأنها لا تزال زوجته، لا تزال زوجته. وإن كرهت، فإنها ترجع إذا كان يريد إصلاحًا، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾ [البقرة: 228]. سواء كان قوله جل وعلا: «أرادوا إصلاحًا»، أي: الزوج، أو الأولياء، أو المرأة. أن إذا أرادوا الإصلاح، يرجعونها لزوجها. فلذلك فهي زوجته في عقده، فلا يجوز للأب أن يعترض. لذلك كثيرًا من الناس، أو من الآباء، تجد: إذا طلق الرجل زوجته، ثم أراد أن يراجعها، يعترض عليه، يقول: «ما سنرجعها لك، لماذا طلقتها، لماذا كذا؟» فلذلك ما يحق له، ولو كان أبًا. لأنها الآن خرجت من مسؤوليته إلى مسؤولية زوجها، وهي لا تزال في عقده. العدة لم تنتهِ بعد. فإذا انتهت العدة، فله الحق أن يمنع؟ الله عز وجل نهى الأولياء أن يمنع، عندما تنتهي العدة. فكيف إذا لم تنتهي العدة؟ ما يجوز له أن يمنع أبدًا. أيضًا واجب على المرأة أن ترجع إلى زوجها، إذا كانت مثلاً هناك أمور بينهم، يصلحون بينهم، يصلحون فيما بينهم، ثم ترجع إلى زوجها. كما قال الله عز وجل: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾. فلذلك: إذا أكره بمثل هذه الإكراهات، فحلف، فهذه يمين ليست منعقدة، على قول الشافعي وأحمد ومالك. ومن هذه الشروط أيضًا: أن تكون هذه الأيمان باختيار، باختيار. وهذا أيضًا نفسه الكلام في الإكراه. أيضًا من الشروط: أن تكون هذه اليمين عن أمر مستقبل، أن تكون هذه اليمين عن أمر مستقبل. ما تكون على أمر ماضي. فلا يقول: «والله قد فعلت كذا». هذا ما تكون يمينًا منعقدة، على أن فيها الكفارة، أو فيها الحنث. وإنما هذا يخبر عن شيء قد حصل. والإخبار عن شيء حصل: إما أن يكون صدقًا، وإما أن يكون كذبًا، وإما أن يكون كذبًا. فإذا كان صادقًا، فيمينه صحيحة. وأما إن كان كاذبًا، فهذا إثم عظيم. بل كثير من أهل العلم جعلها من اليمين الغموس. لأن اليمين الغموس، من أهل العلم من قال: هي اليمين التي يعلم الحالف كذبها. اليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها. إن شاء الله نكمل بعد الأذان. فقلنا: فقلنا أن الذي يحلف على يمين مضت، إما أن يكون صادقًا، أو كاذبًا. فلذلك من شروط اليمين: أن يكون الحالف يحلف على مستقبل، على شيء ما وقع بعد. فيقول: «والله لا أفعلن كذا»، أو «والله لا تتركين كذا». فهذا اليمين التي تنعقد. وكذلك أيضًا اليمين التي تنعقد، التي يحنث، يحنث صاحبها، يحنث صاحبها: أي أنه يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله. فإن لم يحنث، فإن فيها الكفارة. أنا إذا حلف على أنه سيفعل كذا، حتى لو كان من أمور الطاعة، أو قال: «والله لأصومن غدًا»، ثم لم يصم، فهذا يكفر عن يمينه، لأنه حنث على ما حلف، ما صام. لو قال مثلاً: «والله سأترك كذا من المعاصي، أو من كذا»، ثم لم يترك، وفعلها. أو حتى حلف على أمور مباحة، مثلاً قال: «والله لا أدخل مكان كذا»، أو «المكان»، أو «بيت فلان»، أو غير ذلك من الأمور التي قد تكون مباحة، وقد تكون أيضًا لها أثر في العبادة، مثل صلة الأرحام، وغير ذلك. فهذا أيضًا لا بد أن يكفر عن يمين. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير». وجاء في حديث: «والله، لا أحلف يمينًا، وأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الخير، وكفرت عن يميني». جاء بتقديم التكفير، وبتأخيره. وهذا أيضًا خلاف، كما سيأتي إن شاء الله في ذكره في الكفارات. فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا يخبر: أنه إن حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها، فإنه يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير. ولا يجوز للمسلم أن يجعل يمينه تصده عن فعل الخير، خاصة في الواجبات. لا يجوز للمسلم أن يجعل يمينه تصده عن الخير وفعل الواجبات. ومن هذا قوله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا ﴾ [البقرة: 224]. ومعنى هذه الآية: ليس كما يظنها كثير من الناس، أن المراد: «ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم»، أي: لا تحلفوا بالله. لا، ليس هذا. وإنما أراد الله عز وجل بهذه الآية: أن يبين أن الإنسان لا يجعل اليمين تمنعه عن الخير، لا يجعل اليمين تمنعه عن الخير. يفكر في الكفارة فقط. مثلاً يقول: «والله لا أزور أبي». بعضهم يصل به العقوق إلى هذا الحد، يعني: يحلف أنه لا يزور أباه. فإذا نصح، وكل يقول: «أنا حلفت، وهذه يمين». أو لا يكلم، يقول مثلاً: «والله لا أكلم فلانًا، أخي». يحلف على قطع الرحم. وهذا لا يجوز. فإذا نصح، تجد أنه يتحجج باليمين: «قد حلف، وما أريد أن أكفر». لا، كفّر. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كفر». قال: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير». فكيف إذا كانت هذه اليمين تمنعك عن واجبات، من صلة الأرحام، وغير ذلك؟ ولهذا جاء في الحديث: «من استلج بيمينه في فعل البر، فليكفر عن يمينه». وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من استلج...» استلج: هذه اليمين التي سموها الفقهاء: يمين اللجاج، التي تكون عن غضب، وغضب، فحلف أن لا يفعل المعروف، أن لا يفعل المعروف. فلذلك لا يجوز أن يحلف على أمر قد يكون هو خير، قد يكون واجبًا، كما قلنا: من مثل صلة الأرحام، وغير ذلك. أيضًا كذلك من الأمور المهمة في هذا الباب: أن المسلم إذا حلف، أو إذا أراد أن يقسم، أيضًا يكون هذا القسم وهذا اليمين على شيء: إما أن يكون مباحًا، وإما أن يكون طاعة. إما أن يكون مباحًا، وإما أن يكون طاعة. وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: «من حلف أن يطيع الله، فليطعه. ومن حلف على أن يعصي، فلا يعصي». لا ينبغي للمسلم أن يجعل يمينه في معصية الله جل وعلا. أيضًا هناك أمر مهم، ودائمًا يفعله الناس: هناك يمين تسمى: يمين الإكرام. وهذا أيضًا تدخل في مسألة الشروط: هل تنعقد يمين الإكرام، أو لا تنعقد؟ إذا كانت هذه اليمين على الإكرام، هل هي تنعقد، ويكون فيها الكفارة إذا لم يفعل، أم لا تنعقد؟ ما هي يمين الإكرام؟ يمين الإكرام: هي أن يحلف الحالف، يريد إكرامًا للمحلوف له. يعني: يحلف، ليس له مصلحة إلا إكرامًا للمحلوف له. مثلاً: ما يحصل كثيرًا، ما يقول الشخص: «والله تجلس، تأكل معي»، «والله تأكل»، «والله تدخل بيتي»، «والله تفعل كذا». هذا كله معنى: يحلف لغيره، حتى يكرمه، في شيء: إما في طعام، أو في جلوس، أو في غير ذلك. فإذا لم يفعل ذلك الآخر، وإن كان من حق المسلم على المسلم أن يبر يمينه، قد ذكر البراء في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن من حق المسلم على المسلم: إبرار القسم، أن يبر قسمه، إذا حلف: «والله تأكل»، يبر قسمه ويأكل، حتى لو شيئًا يسيرًا. لكن إذا لم يفعل، قد يكون مثلاً: الرجل مستدعيًا، أو عنده طرف، أو أنه مثل ما يحصل الآن من كثير من الناس: تجده يحلف وهو لا يريد أصلًا. وقد يعاب على، يعاب على الرجل إذا جلس، وإن كانت هذه ليست أخلاقًا صحيحة، ولا عادات صحيحة: الإنسان يحلف وهو يريد صاحبه أن يجلس، وهو في نيته أنه ما يريده، فقط عادة: «والله تجلس، والله تأكل»، وهو ما يريده أن يأكل. لو جاء وأكل، قالوا: «هذا، هذا، أيش تقول؟ لو تعال كل، يأكل، يأتي بسرعة». فهذا خطأ. لكن إذا فعل هذا: حلف على أن فلانًا قال: «يا فلان، والله تأكل معي». وذاك مثلاً: إما اعتذر، مثلاً: أنه لا يريد هذا الأكل، أو عنده مثلاً أشياء تمنعه من أكل هذا الطعام بذاته، أو غير ذلك. فهل هنا يكفر عن اليمين؟ هذا في خلاف بين العلماء. جمهور العلماء يقولون: نعم، يكفر عن يمينه. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم: على أنه لا يكفر يمين الإكرام، لا يكفر يمين الإكرام. واستدلوا بما جاء في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجل، وذكر له رؤية، ذكر له رؤية رآها. فقال أبو بكر: «يا رسول الله، دعني أعبرها». قال: «افعل». فعبرها أبو بكر رضي الله تعالى عنه. فقال: ثم قال: «يا رسول الله، أصبت أم أخطأت؟» فقال: «أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا». قال: «أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا». قال: «يا رسول الله، والله لتخبرني عما أخطأت». قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقسم». «لا تقسم». معناه: ما في داعي أنك تقسم، لأني ما سأخبرك. فقال: «آه، والله لتخبرني». قالوا: لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أبا بكر أن يكفر عن يمينه. ما قال له: «كفر عن يمينك». وإنما قال له: «لا تقسم». فدل على أن كفارة، أو أن اليمين التي تكون عن إكرام، الصحيح أنها ليس فيها كفارة. وإن كان كما قلنا: أن قول الجمهور أن فيها كفارة، لعموم الأدلة. لكن كما قلنا: هذا الحديث يدل على أنها ليس فيها كفارة. أيضًا كذلك: اليمين التي لا يملكها ابن آدم. حلف على شيء لا يملكه. حلف على شيء لا يملكه: إما لا يملكه، أنه ليس هذا في ملكه، أو أنه لا يملك الإتيان به، لا يملك الإتيان به، أو أنه لا يملك الذهاب إليه. فيقول مثلاً: «والله لأذهبن، لأذهبن إلى مكان كذا وكذا»، وهو مستحيل أن يذهب إلى هذا المكان. وهنا يكون حلف على ما لا يملك. أيضًا كذلك: إذا حلف على شيء لا يملكه، مثلاً: من فعل الناس، من فعل الناس. مثلاً قال: «والله لا، لا أفعل كذا، حتى يفعل فلان». هذا من اليمين المشروطة. لو قال مثلاً: «والله سأعطي فلانًا كذا وكذا»، وهو ليس في ملكه، وإنما أخذته الشهامة والنخوة، وكذا. فهل هذه تعتبر يمينًا منعقدة؟ أيضًا هذه: صحيح أنها يمين منعقدة، لكن ليس فيها كفارة، لأنه حلف على شيء لا يملكه. فهذه بعض المسائل في الأيمان. أما في الكفارات: لأن الكفارات أيضًا، الله عز وجل ذكر الكفارات في كتابه الكريم: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [المائدة: 89]... ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾ [المائدة: 89]. «واحفظوا أيمانكم»: أي لا تحلفوا إلا وأنتم صادقون، ولا تحلفوا إلا على ما تكونون تكفرون به، تستطيعون عليه. فتحلف على شيء تستطيع. أما شيء لا تستطيع، لا تحلف، تكلف نفسك كفارة. بعض الناس مثلاً: يكون عنده معصية، وهو مدمن عليها، ويأتي ويحلف، ويقع فيها، ويحلف، ويقع فيها. فهذا ما ينفعه اليمين، ما تنفعه اليمين. لأنه أولاً: لم يخرجها من قلبه، ويظن أنه بيمين سيخرجها. أولاً يجاهد نفسه على أن يبتعد عنها، ثم إذا رأى من قلبه مجاهدة، فبعد ذلك يحلف، ويأتي باليمين على أنه سيترك. وإلا ستكون عليه كفارة. وهل هناك كفارة في يمين المعصية؟ فالجمهور على أن عليه كفارة، لعموم الأدلة. وأما حديث عائشة رضي الله عنها، فليس فيه ذكر الكفارة. فليس معنى أنه يؤخذ منه أنه لا كفارة. فلو كان كذلك، لكان أيضًا في الطاعة. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف على يمين، من حلف على أن يطيع الله، فليطعه. ومن حلف على أن يعصيه، فلا يعصه». فلذلك: هل يقال: أن من حلف على يمين في طاعة، ولم يأت بها، أنه ليس عليه كفارة؟ لا، عليه كفارة بإجماع. معنى: لو قال مثلاً: «والله لا أصوم ثلاثة أيام»، ثم لم يصم، فهذا عليه كفارة بإجماع العلماء. لكن لو قال مثلاً: «والله سأفعل هذه المعصية»، مثل ما ذكرنا: من مثلاً عندما تكون اليمين يلج بها على قطع رحم. أنا مثلاً يقول: «والله لا أصل فلانًا، لا أصل فلانًا»، مثل ما جاء عن الصديق رضي الله عنه، فقال: «والله لا أصل فلانًا». فهنا حلف على عدم الصلة، وهذا يكون من أرحام. أو يقول مثلاً: «والله لا آتي إلى أبي، ولا أحسن إليه». فهذا أيضًا يمين، يمين على معصية، عقوق للوالدين، وقطع للأرحام. فهنا: هل فيها كفارة؟ لا، أقصد: فيها كفارة. فيها كفارة. فكما قلنا: أنه لا يستعظم الكفارة، ولا يستعظم المعصية. المعصية أعظم. لا يستعظم مثلاً: أنه سيكفر، الكفارة سهلة، لها الله عز وجل. إذا لم يكن معك إطعام عشر مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. إذا لم يكن معك هذه الثلاثة، تأتي إلى الصيام. لأن هذه الثلاثة على الترتيب، والصيام... أقصد: هذه الثلاثة على الاختيار، والصيام على الترتيب. أنا هذه الثلاثة على الاختيار: إما تطعم عشر مساكين، أو تكسوهم، أو تحرر رقبة. ما عندنا الآن رقاب. لكن لطعام، الكسوة: إما أن تطعمهم، وإما أن تكسوهم. والثالث جعله ترتيبيًا: فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام. فالصيام لا يكون إلا بعدها، بعد أن لا يجد الإطعام والكسوة. إذا لم يجد الإطع