الخطبة بعنوان خطبة عيد الأضحى المبارك لعام ١٤٣٧هـ، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يوم النحر يوم عظيم يتقرب فيه المسلمون إلى الله بالأضاحي، ويُستحب الذبح بعد صلاة العيد. كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ يومه بذبح الأضحية بعد الصلاة.
خطب النبي في حجة الوداع مؤكدًا على حرمة دماء وأموال وأعراض المسلمين، وشدد على أهمية احترام هذه الحرمات. هذه الوصية أساسية للمسلمين.
حذر النبي من الاعتداء على حقوق المسلمين في الأموال والدماء والأعراض، وشدد على خطورة الغيبة والنميمة. حفظ هذه الحقوق واجب ديني.
المقطع يختتم بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويؤكد على أن الله تعالى هو الأعلم، رغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إخواني في الله، إن هذا اليوم ليوم عظيم معظم، ويوم شريف مكرم، أسبغ الله جل فعلا على أهل الإيمان والإسلام بالفضائل والمناقب والأنعام. هذا اليوم يوم النحر من خيرة الأيام، قال عليه الصلاة والسلام: «أعظم أيام الله يوم النحر»، فما هناك يوم يوازيه ولا يساويه ولا يدانيه. هذا اليوم الذي هو الحج الأكبر كما صح ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعن عبد الله بن عمر قال: «وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر على الجمرات فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: هذا يوم النحر. قال: هذا يوم الحج الأكبر». إخواني في الله، في هذا اليوم يتقرب المسلمون إلى الله جل فعلا بأجل طاعة وبأعظم قربة وعبادة، ألا وهي إراقة الدماء وذبح الأضاحي، والتي قد دلت عليها أدلة الكتاب والسنة واتفاق علماء وفقهاء الأمة. وذلك بأن تضحى في هذا اليوم العظيم، ثم يستمر الذبح إلى آخر أيام التشريق. وكان عليه الصلاة والسلام من أهم أعماله، بل من أول أعماله التي استفتح بها يومه هذا بعد صلاته ذبح الأضاحي، ففي الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا بعد أن نصلي نرجع فننحر»، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما لحم يقدمه لأهله، ليس من النسك في شيء. هذا اليوم الذي اعتبره الشر الحكيم عيدا من أعياد المسلمين، يغيرون فيه الفرح والسرور والبهجة والحبور. ثبت في السنن أنه عليه الصلاة والسلام قال لأهل المدينة عندما رآهم يلعبون في يومين من أيام الجاهلية فقال: «إن الله قد أبدلكم بخير منهما يوم الفطر ويوم الأضحى». فهو يوم يا عبد الله يجرع فيه للمسلم أن يروح عن نفسه وأن يوسع على غيره، يوسع على أهله وعياله من الصغار والكبار، وذلك بما أحل الله من مآكل ومشارب. قال عليه الصلاة والسلام: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب». وهي أيام أكل وشرب، لكن ليس معنى ذلك أن نتغافل عن ذكر الله وأن ننشغل بذكر من عداه، بل إن هذا اليوم وما سيأتي من أيام التشريق من الأيام التي يشرع فيها الإكثار من ذكر الله، وأن تملأ بها الشفاه والأفواه. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ ألا وهي أيام التشريق. عباد الله، إخواني في الله، إن في مثل هذا اليوم خطب نبينا عليه الصلاة والسلام بالناس بخطبة عظيمة وبخطبة بليغة، أرسى فيها قواعد الإسلام ونبه فيها على مبانيه العظام، وبين الخطوط العريضة والأسس المتينة التي تقوم عليها الشريعة، والتي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يلتزم بها وأن ينطوي تحتها. ففي الصحيحين عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فكان مما قال أن قال للناس: أي شهر هذا؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه يسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: فأي بلدة هذه؟ قال: فسكتنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميها بغير اسمها، قال: أليس البلدة؟ قلنا: بلى يا رسول الله. ثم قال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه يسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». إن هذه الركائز الثلاث ينبغي على كل واحد منا أن يعتني بها عناية شديدة، إذ أن نبينا عليه الصلاة والسلام استقل مقام الناس في حجة الوداع فأوصاهم بهذا. بل ثبت في البخاري أن ابن عباس بعدما أورد هذا الحديث قال: «والذي نفسي بيده، إنها لوصيته لأمتكم، إنها وصيته لأمتكم». هذه وصية محمد عليه الصلاة والسلام لأمته: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام». وإن من تأمل في أحوال الناس يرى أن الكثير منهم ما بالوا بهذه الحرمات، فما رفعوا لها رأسا وما ألقوا لها بالا، مع أن الشرع الكريم اعتنى بهذه الحرمات عناية فائقة، لدرجة أنا ما من طريق وما من سبيل يوصل إلى هذه الحرمات الثلاث، فإن الشرع لها بالمرصاد. فها هي أموال المسلمين مصانة محرمة، لا يجوز الاعتداء عليها ولو بأقل قليل. قال عليه الصلاة والسلام: «من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة». فقال رجل: يا رسول الله، ولو كان يسيرا؟ ولو كان يسيرا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ولو كان قضيبا من أراك». قضيبا من أراك مسواك، لا يحل لك يا عبد الله أن تأخذه من أخيك بغير إذنه ولا ارتضاه. وهكذا قل في باب الدماء والأرواح، قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن لا يحال بينه وبين الجنة ملء كف من دم فليفعل». إذا استطعت أن لا تمنع من الجنة بأن تصيب ملء كف من دم فافعل يا عبد الله. وأما إن جئت في الأعراض فهي مصانة وحرم الشر المساس بعرض المسلم ولو بكلمة. قال عليه الصلاة والسلام: «رب كلمة يلقي بها العبد ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب». فيا سبحان الله، نار تلظى أعدها الله عز وجل في حق من استباح من أخيه عود أراك من ماله أو ملء كف من دمه أو كلمة ينهش بها في عرضه. فما ظنك بما ابتلي بمن هو أعظم من هذا؟ بمن ابتلي بما هو أنكى وأشد من ذلك؟ بمن سفك دماء المسلمين فخرج على مجتمعاتهم فضرب يمنة ويسرة وأهلك الكثير من الحرف والنسل؟ أم ذاك الذي لا يعيش في دنياه إلا على أموال المسلمين يأخذها بالباطل غشا وتزويرا واختلاسا وزورا وغصبا ونهبا؟ أم ذاك الذي يلوك بأعراض المسلمين صباحا مساء ليلا ونهارا؟ بل ربما مجالسه لا تحلو إلا بنبش أعراض المسلمين ونهشها. وإلى الله المشتكى. وهكذا معشر النساء، ليس هن بمنأة عن هذه الحقوق العظيمة بحفظ الدماء والأموال وخاصة الأعراض. فإياك يا أمة الله أن تلوك بأعراض المسلمين والمسلمات بذكر عيوبهم وإشهار معايبهم وإشغال المجالس بالغيبة والنميمة، فإن ذلك من أعظم الذنوب. ذكر لرسول الله عليه الصلاة والسلام عن امرأة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها، هذه بليتها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار، هي في النار». لم تستفد من طول صلاة ولا صيام، لكن آفتها اللسان. فاتق الله يا أمة الله في لسانك وفي أعراض المسلمين، وعليك أن تشغل هذه الجارحة بذكر الله سبحانه وتعالى، وخاص في هذه الأوقات المباركة. الذي قال وقال عليه الصلاة والسلام يوصي النساء بضرورة الإكثار من ذكر الله، كما جاء في السنن من حديث أسماء رضي الله تعالى عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر نساء المؤمنين، عليكن بالتسبيح والتحميد والتقديس، واعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات مستنطقات». فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يعيننا على ذكره وعلى شكره وعلى حسن عبادته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.