الخطبة بعنوان حفظ الأمانة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 26 ذو القعدة 1433هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشدد الخطيب على أهمية الأمانة كخلق إسلامي رفيع يشمل أداء العبادات والفرائض وحفظ الأموال والودائع. يُحذر من الخيانة وعدم أداء الأمانات، مشيرًا إلى أنها من صفات المنافقين.
يتناول المقطع أهمية الأمانة في التجارة والمسؤوليات والمناصب وحفظ الأسرار، ويحذر من عواقب إضاعة الأمانة وخيانة المسؤوليات. الأمانة ليست فقط في التعاملات المالية بل تتعداها إلى الوظائف والمسؤوليات والعلاقات الشخصية.
يُشدد الخطيب على أهمية أداء الأمانة إلى أهلها ويحذر من التفريط فيها أو الحلف بها. يُبين أن الأمانة تشمل الدين والدنيا وتُلازم المسلم، ويُنبه إلى استغلال الأيام العشر من ذي الحجة بالطاعات.
أمر الله عباده بالقيام إلى الصلاة والمحافظة عليها، مخاطبًا إياهم برعاية الله وحفظه لهم. هذا الأمر يأتي في سياق التأكيد على أهمية العبادات والطاعات.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ الْمَوْلَى جَلّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عِبَادَ اللَّهِ، لَكُمْ هِيَ الصِّفَاتُ الْحَمِيدَةُ وَالْأَخْلَاقُ الْجَلِيلَةُ وَالْمَقَامَاتُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي أَرْشَدَ إلَيْهَا الشَّرْعُ وَحَثَّ النَّاسَ عَلَيْهَا؛ لِمَا فِيهَا مِنْ نَجَاحِهِمْ وَفَلَاحِهِمْ وَسَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَإِنَّ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَلِيلَةِ صِفَةً أَصْبَحَتْ نَادِرَةَ الْوُجُودِ لِقِلَّةِ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا وَمَنْ يَتَصِفُ بِهَا، أَلَا وَهِيَ صِفَةُ الْأَمَانَةِ. الْأَمَانَةُ عِبَادَ اللَّهِ، هَذَا الْخُلُقُ مَتَى مَا دَبَّ فِي فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ نَجَاحِهِ وَعَنْ فَلَاحِهِ وَعَنْ رِفْعَتِهِ وَشَأْنِهِ. هَذَا الْخُلُقُ مَتَى مَا ظَهَرَ فِي مُجْتَمَعٍ مِنْ الْمُجْتَمَعَاتِ فَلَا تَسْأَلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ خَيْرِهِ وَصَلَاحِهِ. خُلُقٌ بَلَغَ مِنْ فَضْلِهِ وَجَلَالِهِ أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا جَبَلَ عَلَيْهِ خِيَرَةَ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، قَالَ جَلّ فِي عُلَاهُ فِي حَقِّ بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. عِبَادَ اللَّهِ، مَا أَحْوَجَنَا -رَعَاكُمْ اللَّهُ- أَنْ نَتَّصِفَ بِهَذَا الْخُلُقِ. وَلَوْ فَنِينَا لِذَلِكَ الْأَعْمَارِ أَوْ بَذَلْنَا لِذَلِكَ الْأَمْوَالَ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَرْبَعٌ إذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا يَضُرُّكَ مَا فَاتَك مِنْ الدُّنْيَا: حِفْظُ الْأَمَانَةِ، وَصِدْقٌ فِي الْحَدِيثِ، وَحُسْنٌ فِي خَلِيقَةٍ، وَطُهْرَةٌ فِي طُعْمَةٍ». وَإِنَّ مِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَ اللَّهِ فِي أَمْرِ الْأَمَانَةِ: أَنَّ الْأَمَانَةَ شَأْنُهَا يَقْتَصِرُ فَقَطْ عَلَى الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْوَدَائِعِ، وَهَذَا فَهْمٌ نَاقِصٌ، فَإِنَّ الْأَمَانَةَ فِي شَرْعِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا تَشْتَمِلُ عَلَى كُلِّ مَا يُسْتَأْمَنُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ. فَالْفَرَائِضُ أَمَانَةٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ، يَنْبَغِي أَنْ تُؤَدَّى بِتَأْدِيَتِهَا وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا. وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَانَةٌ، وَالْوُضُوءُ أَمَانَةٌ، وَالْوَزْنُ أَمَانَةٌ». سُئِلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ مَا هِيَ؟ فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَصْلُ الْجَنَابَةِ»، أَيْ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَمَانَةٌ، ائْتَمَنَكَ اللَّهُ جَلّ فِي عُلَاهُ عَلَى الْعُبُودِيَّةِ لَهُ جَلّ فِي عُلَاهُ، فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إلَّا بِأَنْ تُؤَدِّيَ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَمِنْ صُوَرِ الْأَمَانَةِ: الْأَمَانَةُ فِي الْأَمْوَالِ وَفِي سَائِرِ الْوَدَائِعِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ الدَّيُونُ وَنَحْوُهَا. وَأَدَاءُ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ بِحِفْظِهَا وَالْعِنَايَةِ بِهَا، وَأَنْ تُؤَدَّى إلَى أَهْلِهَا لَا جُحُودٌ وَلَا نُكْرَانٌ، وَلَا الْعَبَثُ بِالْأَمَانَاتِ وَلَا إتْلَافُهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْخِيَانَةِ. قَالَ جَلّ فِي عُلَاهُ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾. فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَاتِ كَمَا اسْتَلَمَهَا وَكَمَا أَخَذَهَا، أَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَى أَصْحَابِهَا وَإِلَى أَهْلِهَا. وَإِلَّا فَمَنْ ابْتُلِيَ بِتِلْكَ الْخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ الْحَقِيرَةِ مِنْ جُحُودِ الْأَمَانَاتِ وَمِنْ نُكْرَانِهَا، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ اتَّصَفَ بِصِفَاتِ أَهْلِ الْكُفْرِ. قَالَ جَلّ فِي عُلَاهُ فِي حَقِّهِمْ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. بَلْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ -جُحُودُ الْأَمَانَةِ وَنُكْرَانُ الْأَمَانَةِ- مِنْ صِفَةِ وَمِنْ صِفَاتِ أَهْلِ النِّفَاقِ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». فَاحْذَرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ الْخِيَانَةِ فِي وَدَائِعِ النَّاسِ وَفِي أَمْوَالِهِمْ. وَمِمَّا يَلْحَقُ تَحْتَ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ الْأَمَانَةِ فِي الْأَمْوَالِ: الْأَمَانَةُ فِي الْبَيْعِ وَالْأَمَانَةُ فِي الشِرَاءِ، فَلَا غِشَّ وَلَا خِدَاعَ وَلَا تَزْوِيرَ وَلَا بَيْعَ مَعِيبٍ مِمَّا يُعَابُ عَلَيْكَ فِي السِّلَعِ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا». تَبَرَّأَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِمَّنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ، مِمَّنْ لَمْ يُرَبِّ نَفْسَهُ عَلَى الْأَمَانَةِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ بَيَّنَا وَصَدَقَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا». فَاللَّهُ اللَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بِالْأَمَانَةِ فِي بَيْعِكَ وَشِرَائِكَ، وَلْتَكُنْ أَمِينًا؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَى قَدْ أَعَدَّ لِلْأَمَانَةِ أَجْرًا عَظِيمًا. فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ بِحَدِيثٍ يُصَحِّحُهُ الْعُلَمَاءُ بِشَوَاهِدِهِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الشُّهَدَاءِ». نَعَمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، الْأَمَانَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِرَاءِ شَأْنُهَا عَظِيمٌ. وَمِنْ صُوَرِ الْأَمَانَةِ: الْأَمَانَةُ فِي الْمَسْؤُولِيَّاتِ وَالْأَمَانَةُ فِي الْمَنَاصِبِ. فَمَنْ انْتَصَبَ عَلَى وَلَايَةٍ صُغْرَى كَانَتْ أَوْ كُبْرَى، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِيهَا، وَأَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِيمَا وَلَّاهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟» قَالَ أَبُو ذَرٍّ: «فَقَامَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي وَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، يَا أَبَا ذَرٍّ، إنَّك ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا». فَأَيْنَ الْمُتَنَافِسُونَ عَلَى الْمَسْؤُولِيَّاتِ وَعَلَى الْمَنَاصِبِ وَجَعَلُوهَا مَغْنَمًا لَهُمْ وَمُكْسِبًا؟ وَمَا دَرَوْا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ وَأَنَّ هَذِهِ الْمَنَاصِبَ عِبَارَةٌ عَنْ أَمَانَةٍ يُسْأَلُهُمْ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَكَذَلِكَ يَا عِبَادَ اللَّهِ: يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَوَلَّى وَظِيفَةً أَوْ عَمَلًا أَوْ مِهْنَةً وَلَيْسَ أَهْلًا لَهَا وَلَيْسَ كُفْوًا لَهَا، وَإِنَّمَا وَصَلَ إلَى تِلْكَ الْمِهْنَةِ وَإِلَى تِلْكَ الْوَظِيفَةِ وَالْعَمَلِ عَنْ طَرِيقِ الرُّشَاوَى أَوْ عَنْ طَرِيقِ الْمَحْسُوبِيَّاتِ، فَأَصْبَحَ يُقَوِّمُ زِمَامَ دَوَائِرَ وَشَرَكَاتٍ وَوِظَائِفَ وَمُعَامَلَاتٍ بِلَا عِلْمٍ وَلَا دِرَايَةٍ بِمَا يُدِيرُهُ، وَإِنَّمَا يَخْبِطُ خَبْطَ عِشْوَاءَ فِي مُعَامَلَةِ النَّاسِ فِي دُنْيَاهُمْ. وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كُلُّ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْعَمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إتْقَانٍ وَلَا إخْلَاصٍ وَلَا انْضِبَاطٍ بِالْحُضُورِ الرَّسْمِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ إهْمَالٌ لِمُعَامَلَةِ النَّاسِ، كُلُّ ذَلِكَ يَا عِبَادَ اللَّهِ تُضَيَّعُ لِلْأَمَانَاتِ. قَالَ رَجُلٌ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ مَتَى السَّاعَةُ؟» فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ». قَالَ الرَّجُلُ: «وَكَيْفَ إضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إذَا وُسِدَ الْأَمْرُ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ». عَمَتِ الْفَوْضَى وَعَمَّ الْفَسَادُ فِي دِينِ النَّاسِ وَفِي دُنْيَاهُمْ عِنْدَمَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ، عِنْدَمَا أُحِيلَتْ الْمَنَاصِبُ وَالْوَظَائِفُ وَالْأَعْمَالُ لِأُنَاسٍ لَا يُحْسِنُونَهَا وَلَا يُحْسِنُونَهَا، فَعَمَّ فِيكُمْ مَا عَمَّ مِنْ الْفَوْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. وَمِنْ صُوَرِ الْأَمَانَةِ: الْحِفْظُ لِشُؤُونِكَ الْخَاصَّةِ وَلِشُؤُونِك الدَّاخِلِيَةِ بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا أَحَدٌ. فَالْعَلَاقَةُ الزَوْجِيَةُ مَثَلًا أَمْرٌ خَاصٌّ بِك أُمِنْتَ عَلَيْهِ فَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ-: «إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُفْضِيَ إلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِيَ إلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا». أَيْ: أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ بِهَدِّك سِتْرِهِ بِأَنْ يَكْشِفَ لِلنَّاسِ مَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ وَبَيْنَ مَحَارِمِهِ. وَيَنْدَرِجُ أَيْضًا تَحْتَ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ الْأَمَانَةِ: حِفْظُ الْأَسْرَارِ بِشَكْلٍ عَامٍّ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ»، أَيْ: أَنَّ الْمَجَالِسَ مُحَفَّفَةٌ بِالْأَمَانَةِ، مُحَفَّفَةٌ بِالْحِفْظِ، مُحَفَّفَةٌ بِالْكِتْمَانِ. فَمَا دَاعِيَ أَنْ يُنْشَرَ فِي الْمَجَالِسِ، يُنْشَرَ فِي شَرْقِ الدُّنْيَا وَفِي غَرْبِهَا؟! فَالْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ. وَلَيْسَ مِنْ اللَّازِمِ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَلْتَزِمَ بِالسُّكُوتِ إلَّا إذَا اشْتَرَطَ عَلَيْكَ السِّرِّيَّةَ أَوْ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَيْكَ عَهْدًا، لَا يَا عَبْدَ اللَّهِ. بَلْ إذَا ظَهَرَتْ فِي الْمَجْلِسِ أَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَى ضَرُورَةِ حِفْظِ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ يُحْفَظُ مِنْ غَيْرِ عَهْدٍ وَمِنْ غَيْرِ إلْزَامٍ. فَلَوْ أَنَّ مَجْلِسًا مِنْ الْمَجَالِسِ خَصَّك رَجُلٌ بِحَدِيثٍ مِنْ دُونِ سَائِرِ النَّاسِ، أَوْ أَخَذَك فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ كَذَلِكَ حَدَّثَك بِحَدِيثٍ فِيهِ مَضَرَّةٌ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ أَمَارَاتٌ تَسْتَدْعِي مِنْكَ السُّكُوتَ وَالْكَفَّ وَعَدَمَ نَشْرِ الْخَبَرِ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِحَدِيثٍ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ»، أَيْ: هَذَا الْفِعْلُ وَالْتِفَاتُهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً يُرِيدُ أَنْ لَا يَسْمَعَ هَذَا الْخَبَرَ، فَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَك فَلَا تَكْشِفْهَا لِغَيْرِكَ. فَأَيْنَ النَّاسُ عِبَادَ اللَّهِ؟ أَيْنَ النَّاسُ عِبَادَ اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَمَانَاتِ الَّتِي قَدْ ضُيِّعَتْ كَأَسْرَارٍ قَدْ هُتِكَتْ وَأُبِيحَتْ وَنُشِرَتْ؟ وَيُؤْمَنُ عَلَى أَهْلِهَا مَا كَانُوا أَنْ يُبَلِّغُوهَا لِغَيْرِهَا؟ فَدَبَّتْ الْبَغْضَاءُ وَدَبَّتْ الْعَدَاوَةُ وَدَبَّتْ الْفِتَنُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. رُبَّ خَبَرٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنْ خَلْفِ الْجُدْرَانِ، فَإِذَا بِهِ طَارَ بِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْجِيرَانُ. نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إنَّهُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إحْسَانِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَنَصَحَ الْأُمَّةَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ. عِبَادَ اللَّهِ، فَمِمَّا مَضَى كَانَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْعَظِيمَةِ صِفَةِ الْأَمَانَةِ الَّتِي بَلَغَ مِنْ جَلَالِهَا أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا جَبَلَ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءَ وَجَبَلَ عَلَيْهَا الرُّسُلَ، بَلْ هِيَ كَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. قَالَ جَلّ فِي عُلَاهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. فَإِنَّ الْعَبْدَ وَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَيَزْدَادُ إيمَانًا كُلَّمَا ازْدَادَ أَمَانَةً، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ كُلَّمَا قَلَّتْ أَمَانَتُهُ كُلَّمَا قَلَ دِينُهُ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ». وَمِمَّا مَضَى عِبَادَ اللَّهِ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ تَجْتَمِعُ عَلَى كُلِّ مَا اسْتُؤْمِنَ عَلَيْهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ بَابَهَا وَاسِعٌ يَشْمَلُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي أَمْرِ الْأَمَانَةِ: أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الْأَمَانَةَ خُلُقٌ لَازِمٌ لَابُدَّ أَنْ يُلَازِمَك فِي كُلِّ وَقْتٍ وَفِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَفِي كُلِّ آنٍ وَحِينٍ، وَأَنْ تُلَازِمَك مَعَ كُلِّ النَّاسِ: مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَ الْكُفَّارِ، وَمَعَ الْأَضْرَارِ وَمَعَ الْفُجَّارِ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك». إيَّاكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَحِيدَ عَنْ خُلُقِ الْأَمَانَةِ بِحُجَّةِ أَنَّ ذَاكَ ظَلَمَك وَذَاكَ قَهَرَك أَوْ أَنَّ ذَاكَ آذَاك وَضَرَبَك، لَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا مَحِيصَ عَنْ الْأَمَانَةِ فِي كُلِّ آنٍ وَفِي كُلِّ حِينٍ. فَلَوْ أَنَّ إنْسَانًا كَائِنًا مَنْ كَانَ -فَرْدًا كَانَ أَوْ مُجْتَمَعًا، رَعِيَّةً كَانَ أَوْ مَرْئِيًّا، دَوْلَةً كَانَتْ أَوْ حُكُومَةً- أَنَّهُمْ غَشُّوك أَوْ ظَلَمُوك أَوْ قَهَرُوك، فَلَا تُعَامِلْهُمْ بِالْمِثْلِ، ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. أَدِلْ حُقُوقًا يَا عَبْدَ اللَّهِ إلَى أَهْلِهَا، أَدِلْ أَمَانَةً إلَى مَنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك. أَمَّا حُقُوقٌ عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى، فَإِنَّهَا تُؤَدَّى مِنْ قِبَلِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ. وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ الْأَمَانَةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَيْهَا أَوْ الْقَسَمُ بِهَا، كَمَا نَسْمَعُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَقُولُوا فِي حَلِفِهِمْ: «وَأَمَانَتِك أَوْ بِأَمَانَتِك»، فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ». وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ يُحَسِّنُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا». فَلَيْسَتْ الْأَمَانَةُ يَا عَبْدَ اللَّهِ عِبَارَةً عَنْ كَلِمَةٍ تُقْسَمُ عَلَيْهَا أَوْ تُحَلَفُ بِهَا أَوْ تُلَوَكُ بِاللِّسَانِ، الْأَمَانَةُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هِيَ تَطْبِيقٌ مَلْمُوسٌ، هُوَ وَاقِعٌ فِعْلِيٌّ يَحْدُثُ وَيَظْهَرُ بِأَفْعَالِكَ، بِسُلُوكِيَّاتِكَ مَعَ النَّاسِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤَدِّيَ الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ مَا أَمَرَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِهِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾. عِبَادَ اللَّهِ، وَمِمَّا يَنْاسِبُ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ: أَنْ أُنَبِّهَ إخْوَانِي وَآبَاءِي أَنَّنَا قَادِمُونَ عَلَى أَيَّامٍ فَاضِلَةٍ، أَيَّامٍ مُبَارَكَةٍ، أَلَا وَهِيَ أَيَّامُ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ الَّتِي بَلَغَتْ مِنْ الْجَلَالِ أَنْ قَالَ فِيهَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ». فَهَذِهِ الْأَيَّامُ الْقَادِمَةُ أَيَّامٌ مُبَارَكَةٌ، أَيَّامٌ مُشَرَّفَةٌ، أَيَّامٌ مُقَدَّسَةٌ، عَمِّرُوهَا -رَعَاكُمْ اللَّهُ- بِالطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وَبِالْإِقْبَالِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ. وَكَذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ: مَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي السُّنَّةِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إذَا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ». فَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَقُومُوا إلَى صَلَاتِكُمْ -رَعَاكُمْ اللَّهُ-.