الحشر في الآخرة

الخطبة بعنوان الحشر في الآخرة، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 4 ربيع الأول 1444هـ الموافق 30 سبتمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حشر الآخرة وبعث الأجساد

يوم القيامة يحصل فيه بعث الأجساد من القبور، ويحشر الناس إلى أرض المحشر. يُبين أن الله سيبعث الناس بعد نفختين ليحاسبهم على أعمالهم.

مشاهد يوم القيامة وأحوال الناس

يوم القيامة يوم عظيم يحشر فيه الناس حفاة عراة، وتكون السماء كالمهل وتتقاطر. يُكرم الله المتقين ويحشرهم وفدا إليه بينما يسوق المجرمين إلى جهنم.

حشر الفئات المختلفة يوم القيامة

يحشر الكفار على وجوههم، والمتكبرون كأمثال الذر، والتجار يبعثون فجارا إلا من اتقى. يحشر الناس مع من يحبون ومع أشباههم، والظلمة معا.

فضل أهل الإيمان والتقوى يوم القيامة

أهل الإيمان والتقوى يحظون بضيافة عظيمة يوم القيامة ويحشرون كالوفود عند الملوك. نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يرحمنا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، عباد الله، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، أيها المؤمنون، قد أخذنا في جمعة مضت في الحشر، وذكرنا أن الحشر على النوعين: حشر في الدنيا وحشر في الآخرة. وأخذنا في تلك الجمعة حشر الدنيا، وإن شاء الله تعالى وبه نستعين سبحانه وتعالى في هذا الوقت نأخذ حشر الآخرة. وما بينهما إلا بين النفختين، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما بين النفختين أربعون»، قالوا: يا أبا هريرة أربعون سنة؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون يوما؟ قال: أبيت، «ما بين النفختين أربعون، ثم يبلى ابن آدم كله إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب»، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهو عجب الذنب، «ثم يرسل الله عز وجل ماءا كالقطر فينبت كما ينبت البقل». وهذا هو حشر الأجساد الذي سنتكلم عليه اليوم، ذلك الحشر العظيم الذي يكون بعد عندما يبعث الله عز وجل من في القبور. وهذا الحشر أو هذا البعث الذي يأتي بعده الحشر الذي يكون يوم القيامة، وكما قلنا أن حشر يوم القيامة أيضا نوعين: حشر إلى أرض المحشر، وحشر إلى الجنة أو النار والعياذ بالله. فلهذا، عباد الله، فإن ذلك الحشر العظيم الذي هو أعظم حشر يحشر الناس إليه يوم القيامة، وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ولم ينكره إلا الفلاسفة الكفار وأيضا الملحدون. عباد الله، فإن الله عز وجل أيضا كذلك أنكره الملحدون الذين كفروا بالله وبرسوله، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿زعم الذين كفروا أن لا يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن﴾. ولهذا، عباد الله، فإن هذا البعث وهذا الحشر الذي يكون بعد ذلك البعث حشر عظيم جل وعلا، ذكره ربنا جل وعلا في سور كثيرة، ونوع جل وعلا أيضا كذلك حكاية عبارته. فقال جل وعلا: ﴿وإذا القبور بعثرت﴾ أي هذه القبور تقلب ويخرج ما فيها. وكما قال الله عز وجل: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها﴾. عندما يخرج من هذه القبور ويخرج من هذه الأرض فيقول الإنسان ما لها. ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾. ويقول ربنا جل وعلا: ﴿يوم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾ كأنهم جراد منتشر ينتشرون في تلك الأرض التي جعلها الله عز وجل في ذلك الحشر. فيقول الله عز وجل: ﴿كأنهم جراد منتشر﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿كأنهم إلى نصب يوفضون﴾ أي كأنه وضع لهم شيء فهم يسرعون إليه. ﴿فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾. والأجداث، عباد الله، هي القبور. يقول الله عز وجل: ﴿فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾ أي يسرعون ويفيضون إلى ذلك الصوت الذي يدعوهم، كما قال جل وعلا: ﴿كأنهم إلى نصب يوفضون﴾ خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة. تخشع الأبصار، ثم تشخص تلك الأبصار تنظر إلى ذلك الداعي. ﴿يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا﴾. فإذا خرجوا من قبورهم فإنهم يسمعون داعيا يدعوهم في ذلك النداء ينظرون إليه مهطعين إلى الداعي، مهطعين إلى الداعي أي مسرعين إلى ذلك الداعي. وقال جل وعلا: ﴿خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة﴾. وقال جل وعلا: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ أي لا تعقل. أي أنهم ينظرون إلى أو يسمعون صوت ذلك الداعي ولا يدروا ويتبعونه وهم في خوف شديد وهم في هلع، وهم كذلك شاخص أبصارهم أي مفتوحة ينظرون إلى أو مسرعين إلى ذلك الصوت. وكأنهم، كما قال الله عز وجل: ﴿إلى نصب يوفضون﴾ أي كأنهم يسرعون إلى شيء وضع لهم أو يريدون أن يبلغوه فيسرعون إلى ذلك الصوت. وكذلك أيضا يتبعونه. يقول ربنا جل وعلا: ﴿يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له﴾ أي لا ينظرون يمنة ولا يسرة، ولا يذهبون يمنة ولا يسرة، وإنما يتبعون ذلك الداعي. ﴿يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا﴾. فيقفون في ذلك المحشر العظيم يوما، يوما طوله خمسون ألف سنة، كما قال ربنا جل وعلا في سورة المعارج: ﴿سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾. تعرج الروح والملائكة، أي الروح قيل جبريل، تعرج الروح والملائكة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. كل الناس والملائكة والشياطين، وكذلك الدواب والحشرات كلها تحشر يوم القيامة. حتى قال ابن عباس: حتى الذباب يحشر، حتى الذباب يحشر يوم القيامة. فكل شيء يحشره الله عز وجل في ذلك اليوم العصيب، في ذلك اليوم العظيم يقفون بين يدي الله عز وجل. فقال جل وعلا: ﴿سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا يوم تكون السماء كالمهل﴾. يوم تكون السماء كالمهل، أي تتقاطر وتذوب هذه السماء العظيمة تتقاطر وتذوب وتطوى كطي السجل كما أخبر الله عز وجل. وكذلك تصير ألوانا من الحمرة والصفرة كأنها وردة كالدهان، كما ذكر ربنا جل وعلا في سورة الرحمن، ذكر أنها تصير هذه السموات أو هذه السماء كوردة كالدهان، أي لها ألوان صفراء وحمراء وغير ذلك. وهذا كله يكون في ذلك اليوم العظيم. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس، وجاء كذلك في الصحيحين من حديث عائشة، فقال ابن عباس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إنكم محشورون يوم القيامة حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده»، قال: «وأول من يكسى نبي الله إبراهيم أو قال خليل الله إبراهيم عليه السلام». وجاء أيضا كذلك في الصحيحين من حديث القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «تحشرون حفاة عراة غرلا»، تحشرون حفاة غرلا، فقالت عائشة رضي الله عنها: تلك الفقيهة وتلك العفيفة الصديقة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «الأمر أشد أن يهمهم ذلك يا عائشة، الأمر أشد أن يهمهم ذلك يا عائشة». وجاء في صحيح مسلم من الحديث عروة عن عائشة أنها لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا»، قال: فقلت: والعورات يا رسول الله؟ قال: «فيقول الله عز وجل لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه»، لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه. فكلهم مشغولون، كل واحد مشغول بشأنه ما يدري ما يفعل به. فهكذا، عباد الله، في ذلك اليوم العظيم تحشر هذه الأجساد وتحشر هذه الأرواح إلى ربها سبحانه وتعالى. فالواجب عليك، أيها المسلم، أن تعمل لذلك اليوم العظيم، تستعد لذلك اليوم العظيم حتى تحشر، حتى تحشر كحشر أهل الإيمان، كما قال جل وعلا: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾ أي يأتون وفودا كراما. والوفد هو الذي يكرم، يكون وفد للملوك وللرؤساء ولغيرهم. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾ يحشرون إلى الله عز وجل وفودا يكرمهم رب العالمين سبحانه وتعالى. وقال جل وعلا: ﴿يومئذ نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا﴾ أي يوردون ويدفعون إليها دفعا، المجرمون يدفعون إلى النار دفعا تدفعهم الملائكة. وأما أهل التقوى فهم يكرمون ويجازون بخير ضيافة، كما ذكر ربنا جل وعلا. فكن، يا عبد الله، من هؤلاء المتقين الذي يكرمهم الله عز وجل، وهو خير الأكرمين جل وعلا. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده المتقين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، في ذلك اليوم العظيم، بينا ربنا جل وعلا حشر المتقين، وحشر أيضا كذلك المجرمين. وكذلك أيضا بينا ربنا سبحانه وتعالى أن الكفار يحشرون على وجوههم، كما قال الله عز وجل: ﴿يحشرون على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا﴾. أولئك الكفار يحشرهم الله عز وجل على وجوههم. جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه من حديث قتادة عن أنس أنه قال: سمعت رسول الله أو سمعت رجلا يسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يحشر الله عز وجل الكفار يوم القيامة على وجوههم؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم يوم القيامة على وجوههم؟» قال قتادة: بلى وعزة ربنا بلى. وعزة ربنا، فربنا جل وعلا يحشر أولئك الكفار يحشرهم في ذلك اليوم العظيم على وجوههم. الناس يمشون على أرجلهم، وهؤلاء يمشون على وجوههم. قلبهم الله عز وجل وقلب صورهم، لأنهم لم ينقادوا إلى الله عز وجل ولم يخضعوا له سبحانه وتعالى. فنكس رؤوسهم بعد أن كانوا يمشون في هذه الأرض بأرجلهم. وكذلك، عباد الله، فإن ربنا جل وعلا يحشر المتكبرين يحشر ربنا جل وعلا المتكبرين يوم القيامة كأمثال الذر في صورة رجال، كما أخرج ذلك الإمام أحمد وكذلك الترمذي عن أنس بن مالك عن عمرو بن شعيب عن نبيه عن جده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يحشر الله عز وجل يوم القيامة المتكبرون كأمثال الذر على صورة الرجال يطأهم أهل المحشر» يطأهم أهل المحشر. فهذا جزاؤهم لأنهم تكبروا في هذه الحياة لم يعرفوا أنفسهم، فجعلهم الله عز وجل مثل الذر في صورة الرجال. فإن أهل المحشر يطأونهم لأنهم صغار جدا. فكذلك، عباد الله، ينبغي للمسلم أنه يكون مع أهل الإيمان. فإن الظلمة يحشرون يوم القيامة معا، كما قال الله عز وجل: ﴿وحشر الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون﴾. قال الله عز وجل: ﴿وحشر الذين ظلموا وأزواجهم﴾ أي أشباههم، ليس أزواجهم أي نساءهم، وإنما هنا أزواجهم أي من يشبههم ومن يشاكلهم ومن هو منهم ويحبهم، فإنه يحشر معهم. فاليهود يحشرون معا، والنصارى يحشرون، يحشرون معا. وكذلك من يحبهم ومن هو أيضا ومن هو على دينهم أو على شاكلتهم. وكذلك أيضا الظلمة من المسلمين، فإنهم يحشرون معا. المرابي يحشر مع المرابين، والزاني يحشر مع الزانيين، والغاش يحشر مع الغاشين. وكذلك كل من كان من هؤلاء فيحشر معهم. ومن كان يحب قوما فإنه يحشر معهم يوم القيامة، يحشر مع أمثاله. فإن الذي يحب هؤلاء الممثلين الفجرة، فإنه سيحشر معهم. ومن يحب اللاعبين الفجرة، فإنه أيضا كذلك سيحشر معهم. ﴿وحشر الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون﴾. فينتبه العبد فلا يوالي إلا الله، ويوالي أهل و رسوله وأهل الإيمان يواليهم ويحبهم. وعما الكفرة والفسقة، فالواجب عليه يتبرأ منهم. عباد الله، فلهذا فإن الله عز وجل بينا في هذا أنهم يحشرون كذلك. وكذلك، عباد الله، جاء في مسند الإمام أحمد وعند ابن ماجه عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «جاءنا النبي عليه الصلاة والسلام إلى البقيع، وكانت البقيع شوق أهل المدينة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا معشر التجار»، فشر أبت إليه أعناقهم، فقال: «يا معشر التجار»، فشر أبت إليه أعناقهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن التجار يوم القيامة يبعثون فجارا إلا من اتقى وبر وصدق». أيضا كذلك التجار يحشرون معا، لكن يحشرون مع أهل الفجور، إلا من كان منهم متقيا صادقا بارا. وكذلك يعرف حق أهل الإسلام، وأيضا كذلك يتق الله عز وجل في أسعاره وغيرها من هذه الأمور. فلهذا، عباد الله، فإن هذا حال أهل المحشر، أو من يحشرون يوم القيامة. وعما، كما قلنا، أهل الإيمان وأهل التقوى، فإنهم يضافون ضيافة عظيمة، ويحشرون كحشر الوفود عند الملوك، وهم عند ملك الملوك جل وعلا. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يجعلنا من عباده المتقين. والحمد لله رب العالمين.