عبادات الصائم

عبادات الصائم

المحاضرة بعنوان عبادات الصائم، والتي كانت ضمن دورة زاد الصائم الثانية بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفة يوم الثلاثاء 12 شعبان 1446هـ الموافق 11 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

استقبال رمضان واغتنام العمر بالصيام

يؤكد المتحدث على قيمة الوقت وضرورة استثماره في الطاعات مستشهداً بأحاديث فضل طول العمر وعظمة أجر الصيام. ويختم بالحث على استقبال رمضان كموسم للعبادة والتجارة مع الله لا للهو واللعب.

هدي السلف في الإكثار من تلاوة القرآن

يستعرض المقطع فضائل شهر رمضان وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الإكثار من العبادات، مع أمثلة عملية من السلف كمالك والبخاري في ختم القرآن المتكرر. ويبين أن النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث لا يشمل الأوقات الفاضلة كرمضان.

آداب الصيام الحقيقية وحرمة التفريط في قيام الليل

يؤكد المقطع أن الصيام الحقيقي يتطلب حفظ الجوارح عن المعاصي كالكذب والغيبة، محذراً من إضاعة الأجر بالانشغال بالمسلسلات والجوال. ويبرز فضيلة قيام رمضان وخصوصاً العشر الأواخر منبهاً إلى فتور المسلمين في وسط الشهر وآخره.

سنن مستحبة في رمضان: الجود والعمرة والاعتكاف

يحث المقطع على اغتنام ليالي القدر بالدعاء والقرب من الله، ويبين فضل الجود والإطعام وصلة الأرحام اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويذكر فضيلة العمرة في رمضان ومشروعية الاعتكاف كسنة نبوية.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير والسراج المنير، الذي هدى الله به من الضلالة وبصر به من العماية، تركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، أيها الأحبة في الله، بادئ كل ذي بدء وقبل كل شيء نحمد الله تبارك وتعالى الذي أنعم علينا بنعم كثيرة وآلاء عظيمة لا نستطيع لها حصراً. ولما ذكر الله عز وجل عباده بجملة وعدد من هذه النعم التي منها ما يكون في البري وآخر منها يقع في البحري، ذكر ربنا عز وجل عباده بنعم دينية وبنعم دنيوية. قال ربنا عز وجل: ﴿وَآتَيْنَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. ومن هذه النعم أيها الأحبة في الله نعمة هذه المجالس المباركة وهذه الحلق العامرة بالخير، يسمع فيها المسلم الآيات القرآنية، وهكذا يسمع فيها الأحاديث النبوية، يسمع فيها الآثار السلفية إلى غير ذلك، هو يعتبر فضلاً من الله عز وجل ونعمة منه سبحانه وتعالى، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. ثم جزى الله خيراً إخواننا القائمين على هذا الجامع المبارك، بل وهذه القلعة العلمية الشامخة التي تعطي ثمارها كل حين، دروس نافعة، حلق للقرآن، استفيد منها الكبير والصغير إلى غير ذلك، فجزى الله خيراً من تعاون على هذا وشارك في هذا الخير، وفي مقدمتهم أخونا المبارك الأستاذ أبو خليل حفظه الله تعالى، ومعه إخوانه المتعاونون معه الباذلون للأوقات والأعمار والأموال من أجل أن يستمر هذا الخير ويدوم، فجزى الله الجميع خيراً. أيها الأحبة في الله، دورة زاد الصائم في موسمها الثاني، وكم نفع الله بالأولى نفعاً عظيماً، وها نحن ذا نجتمع في عامنا الثاني. وصدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه عند أحمد والترمذي أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، من خير الناس؟ انظروا يا إخوان إلى همة الصحابة، قال: من خير الناس؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «من طال عمره وحسن عمله». هذا هو خير الناس يا إخوان، الذي يمد الله له في العمر ويؤخر له في الأجل، هذا إذا حسن عمله وحسن خلقه، هذا يعتبر دليلاً على أن الله عز وجل أراد به خيراً، أراد به خيراً. وجاء في حديث عبيد بن خالد السلمي رضي الله تعالى عنه، قال عبيد: قال آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين رجلين، فقتل أحدهما ومات الآخر بعده بجمعة، أي بأسبوع واحد، فذكر أنهم صلوا على الثاني ودعوا له في صلاتهم، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا قلتم في دعائكم؟ قالوا: دعونا الله تعالى أن يرحمه وأن يلحقه بصاحبه، أن يرحمه وأن يلحقه بصاحبه، من صاحبه الذي مات قبله بأسبوع واحد. فقال عليه الصلاة والسلام منبهاً ومتعجباً: «فأين صلاته بعد صلاته؟» عاش أسبوعاً واحداً، لكن كم ركع لله عز وجل صلاها؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام في حديث ثوبان: «وإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة». لما طلب ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله عز وجل فيكون رفيقاً له في الجنة، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: «يا ربيعة، فأعني على نفسك بكثرة السجود»، أي الصلاة لله تبارك وتعالى. وهنا يقول عليه الصلاة والسلام: «فأين صلاته بعد صلاته، وأين صيامه بعد صيامه؟» كم يوماً لله عز وجل صامها؟ صوم يا إخوان الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، أي في الدنيا، وفرحة أخرى كبرى عند لقاء ربه. قال: «ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». أحياناً يتضايق الواحد منا من رائحة فمه، هو هو يتضايق من رائحة فم نفسه، فما بالك برائحة فم غيره؟ لكن انظروا إلى عظم عبادة الصيام وعظيم أجر الصائمين: «خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». في حديث أبي أمامة لما سئل عليه الصلاة والسلام عن عمل يقرب من الجنة ويباعد من النار، قال عليه الصلاة والسلام للسائل: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له»، أي لا يعدله شيء من الأعمال الأخرى. كم يوماً لله عز وجل صامها؟ قال: «وأين عمله بعد عمله؟» لقد عمل أعمالاً: سبح، كبر، هلل، استغفر، دعا، صلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كم أطعم مسكيناً ومسح على رأس يتيم، كم أحسن إلى والديه ووصل أرحامه وأحسن مع جيرانه، كم أحسن مع زوجته وأولاده، أعمال صالحة، عمل يسير وأجر عظيم وكبير عند الله تبارك وتعالى. إذن: «وأين عمله بعد عمله؟» قال: «إن الذي بينهما»، أي من الدرجة والمنزلة، «كما بين السماء والأرض»، مع أنه لم يعش بعد الأول إلا أسبوعاً واحداً. قل لي بربك أخي الحبيب: كيف لو عاش بعده شهراً كاملاً؟ كيف لو عاش بعده سنة كاملة؟ كيف إذا كانت المدة سنين عديدة وأزمنة مديدة؟ كم سيكون الفضل وكم ستكون الدرجة التي نالها بعد الأول؟ وبهذا نعلم أيها الأحبة في الله نفاسة الوقت وأهمية العمر: العمر أغلى ما عنيت بحفظه، الوقت أغلى ما عنيت بحفظه، وعراه أسهل ما عليك يضيع. أيها الأحبة في الله، لا يفصلنا عن رمضان إلا أياماً قليلة وليالٍ ليست عنا ببعيدة، لكن كلنا لا يدري أينا سيدرك رمضان ويتنعم بصيام أيامه وقيام لياليه فيهنى، ومن منا من قد تنزل بساحته المنايا وتحل به الآجال وتحل به الآجال. ولهذا كان سلفنا الصالح يدعون الله عز وجل أن يبلغهم رمضان. لماذا أن يبلغهم رمضان؟ هل لكي يسهر الليالي مع الشاشات والجوالات؟ هل لكي يلعب فيه الضمنة والكيرم والشطرنج؟ هل لكي يلعب كرة الطائرة أو غيرها؟ أبداً يا إخوان، وإنما لكي يجعلوا من رمضان مزرعة للآخرة وتجارة مع الله عز وجل. أولاً عرفوا قيمة رمضان فاجتهدوا فيه، وهكذا اغتنموا أيامه ولياليه. جاء عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أول ليلة من رمضان صُفدت الشياطين، ومُردت الجن، وفُتحت أبواب الجنة فلا يغلق منها باب، وغُلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، قال: وينادي منادٍ، أي من السماء: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، قال: ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة، وذلك في كل ليلة». ورحم الله الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي إذ أنشد في كتابه لطائف المعارف قائلاً: يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب ** حتى عصى الله في شهر شعبان لقد أظلك شهر الصوم بعدهما ** فلا تصيره أيضاً شهر عِصيان واتل القرآن وسبح فيه مجتهداً ** فإنه شهر تسبيح وقرآن فحمل على جسد ترج النجاة له ** فسوف تضرم أجساد بنيراني كم كنت تعرف ممن صام في سلف ** من بين أهل وجيران وإخوان أفناهم الموت واستبقاك بعدهم ** حياً فما أقرب القاصي من الدان ومعجب بثياب العيد يقطعها ** فأصبحت في غد أثواب أكفاني لا يدري الواحد منا يا إخوان متى يحل به الأجل، فكم من الناس يشتري ثياب العيد فيلبسها غيره، وكم من الناس من يلبس لباساً ولا يخلعه إلا المغسل في غرفة التغسيل، كم من إنسان رفع لقمة فما وضعها في فيه، إلى غيرها مما يستدعي العمل ويستدعي الاجتهاد في استغلال هذه الفرص، في استغلال هذه الفرص. ولهذا أيها الأحبة في الله، كان سلفنا الصالح رحمة الله عليهم يجتهدون في رمضان ما لا يجتهدون في غيره، وما ذاك إلا تأسياً واقتداءً بإمامهم خير البرية وأزكى البشرية، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار، الإكثار من أنواع العبادات، قال: فكان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان، أي النبي صلى الله عليه وسلم، أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه الصدقة، يكثر فيه الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة ما لا يخص غيره به من الشهور». والنا يا إخوان في نبينا عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة في عمل الخير. ولهذا كما سبق كان السلف رحمة الله عليهم يجتهدون في رمضان ما لا يجتهدون في غيره، مع أنهم في جميع أشهر السنة في جد واجتهاد، لكن في رمضان كان الاجتهاد أكثر. فمن ذلك ما ذكر عن إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كان إذا دخل رمضان أوقف دروسه التي ما كانت تنقطع في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وينشغل بشهر القرآن، ينشغل بشهر القرآن، فيقبل على القرآن تعليماً وتلاوة وحفظاً، وليس في هذا أن دروسهم تتوقف، لكن كانوا يهتموا بالقرآن اهتماماً أعظم، وهكذا يتفرغون لأجله أكثر. وهكذا ذكروا عن الإمام أبي عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي رحمه الله تعالى: إذا دخل رمضان قالوا: ترك جميع العبادات وأقبل على قراءة القرآن. ومن ذلكم ما ذكر عن الإمام الحافظ، بل جبل الحفظ، الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى صاحب الصحيح: قالوا كان البخاري يختم في رمضان في النهار كل يوم، ختمه في النهار يا إخوان، قالوا كل يوم يختمه، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمه. أي جد هذا؟ أي اجتهاد هذا كان عليه أولئك الأخيار؟ ذكروا عن الإمام التابعي الجليل سعيد بن جبير أبي محمد الأسدي رحمه الله تعالى أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين. نحن نحن اليوم يا إخوان، للأسف يمر رمضان من أوله إلى آخره والبعض، يا الله، أن يكمل جزءاً أو جزئين أو ثلاثة أو أربعة، أو ثلاثة أو أربعة. تدرون أحبتي في الله ما هو الفارق بيننا وبينهم؟ الفارق بيننا وبينهم: همم عالية، همم عالية، وقلوب تعلقت بالقرآن، فمن تعلق بشيء أحبه، ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره وتلذذ بذكره. يقرأ أحدهم القرآن فلا يمل ولا يكل، لا يضيق، لربما في مجلس واحد يأتي على نصف المصحف، يستريح قليلاً ثم يقوم ويكمل ما بقي. سهل عليهم القرآن لأن قلوبهم كانت متفرغة، ما في وثب، ما في قوقل، ما في رياضة، ما في تضيع أوقات في قيل وقال، الأكل يقتصدون فيه لكي يجتهدوا في العمل، وإذا امتلأت البطون يا إخوان ضعفت الهمم وضعفت الجوارح عن العمل. ذكروا عن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، خليفة يا إخوان من خلفاء المسلمين، كان يختم القرآن في كل ثلاث، في كل ثلاث أي كل ثلاث أيام يختم القرآن، وختم في رمضان سبعة عشر ختمة، مع انشغاله بالخلافة، مع انشغاله بالملك، لكن عرفوا قيمة رمضان. قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي رحمه الله تعالى من أعلام التابعين وساداتهم، قالوا: كان يختم القرآن في كل سبعة أيام، هذا في غير رمضان، في الأيام الأخرى يختم القرآن في كل سبع، فإذا دخل رمضان ختم القرآن في كل ثلاثة أيام، فإذا دخل العشر الأخير ختم القرآن في كل ليلة، ختم القرآن في كل ليلة. وهكذا ذكر الإمام الربيع بن سليمان أحد تلاميذ الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى، ذكر أن الشافعي كان يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، في شهر رمضان له ستون ختمة، يعني في كل ليلة يختمه مرتين، وفي كل شهر ثلاثين، أي في غير رمضان، في غير رمضان في كل ليلة ختمة، وفي رمضان في كل ليلة ختمتين، قيل إحداهما بالنهار والأخرى بالليل. فأين نحن من هؤلاء يا عباد الله؟ وآماذاً من قرأ في تراجم هؤلاء الأعلام يجد همماً عالية ويجد أعمالاً عظيمة كان عليها هؤلاء الأخيار. وذكر الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى مبيناً أن أفعال هؤلاء السلف والأمور العظيمة التي كانوا عليها ليس مخالفاً لما ورد من النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث ليال، ذكر أن ذلك إنما هو على سبيل المداومة على ذلك، المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، وهكذا الليالي الأخيرة منه التي يطلب فيها تحري ليلة القدر، فهذه ماذا؟ وهكذا أيضاً ذكر في الأماكن المفضلة كمكة والمدينة ونحوهما، فليس داخلاً في هذا النهي، وإنما يستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً لفضيلة الزمان، وهكذا اغتناماً لفضيلة المكان. وعلى هذا يحمل صنيع هؤلاء الأعلام رحمة الله عليهم، يحمل ما عليه حال هؤلاء من الأعمال العظيمة التي كانوا عليها في ماذا؟ في رمضان. وقد نقل الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى عن الإمام أبي عبد الله الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: «قال: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اغتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم، قال: فالجود في رمضان من أهل الجود والكرم مطلوب». أكذا ذكر رحمه الله تعالى، أكذا ذكر رحمه الله تعالى. ولهذا يا إخوان كان السلف رحمة الله عليهم في غاية الحرص على الأعمال الصالحة وعلى العبادات في رمضان، فأحدهم لا يدري، فلربما كان رمضان هذا هو آخر العهد، آخر العهد، أي لعله لا يدرك رمضان الثاني، بل لعله لا يكمل رمضان هذا. فإذا علم الإنسان حقيقة ذلك فإنه سيستغل هذا الشهر وهذه الأيام والليالي فيما يقرب إلى الله تبارك وتعالى، فيما يقرب إلى الله تبارك وتعالى. ويحيى بن أبي كثير يذكر عن السلف رحمة الله عليهم أنهم كانوا يدعون بهذا الدعاء، يقولون: «اللهم سلمنا إلى رمضان». نحن الآن بيننا وبين رمضان بضع عشر ليلة: «اللهم سلمنا إلى رمضان»، أي لكي ندركه ونعيش أيامه ولياليه. الدعوة الثانية: «وسلم لي رمضان»، يعني أعني فيه على الأعمال الطيبة، الأعمال الصالحة، لأن البعض قد يسلمه الله إلى رمضان لكنه لا يستغل هذه النعمة ولا يغتنم هذه الفرصة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ورغم أنف امرئ دخل عليه رمضان ثم خرج، أي رمضان، ولم يغفر له، ولم يغفر له». الدعوة الثالثة: «وتسلمه منا متقبلاً»، أي إذا عملنا أعمالاً في رمضان فيسألون الله عز وجل أن يتقبل منهم هذه الأعمال الصالحة، هذه الأعمال الصالحة. إذن رمضان ميدان للمتسابقين ومضمار للمتنافسين: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، قال: ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة، وذلك في كل ليلة». ومرة معنا أن من هذه الأعمال العظيمة التي كانوا رضوان الله عليهم ورحمة الله عليهم يحرصون عليها ويتنافسون فيها هو ماذا؟ العناية بكتاب الله عز وجل، فرمضان هو شهر القرآن كما قال ربنا عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. ذكر بعض العلماء استدلالاً بهذه الآية أن سبب اختصاص رمضان بالصيام من بين سائر الشهور هو ماذا؟ أنه خص بإنزال القرآن فيه، ولهذا قالوا: عقبه بالفاء، فقال: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. والقرآن يا إخوان أجره عظيم عند الله عز وجل، فالماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، أي من الملائكة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه، يقرأ يا إخوان لكن قراءته ضعيفة، لكنه جاد وحريص على أن يقرأ، هذا الذي يتعتع في القرآن له أجران: الأجر الأول هو أجر التلاوة والقراءة، والثاني هو أجر الاجتهاد، الجهد الذي يبذله. وهكذا يقال لقارئ القرآن: «اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». يوم أن يصعد المجتهدون ويرتفع القارئون، كم يا إخوان يتأسف الذين أضاعوا القرآن وأهملوا القرآن ولم يأخذوا حظهم ونصيبهم من القرآن؟ نسأل الله العافية والسلامة. جاء في حديث ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من القرآن فله به حسنة، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». أكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا يا إخوان ينبغي أن يكون رمضان شهر القرآن، لتكون، لتكون، لتكون يا أيها الأب، لتكون يا أيها الزوج، لتكون يا أيها الأخ، لتكون يا أيها الابن، قدوة في بيتك، لتعمر البيت بتلاوة القرآن، فيتبعك الأب والأم، وتتبعك الزوجة والبنين والبنات. كم من البيوت يا إخوان خالية من المصاحف؟ ما فيها مصحف. عندك مصحف في البيت؟ قال: لا. ليش؟ قال: بس كيف بس؟ كم جوال في البيت؟ سبعة ثمانية، آيباد عند الولاد الصغير عشرة، ولا فيه مصحف واحد. منتظر أحداً يهديه مصحف؟ قال: ما حد قسم مصاحف، ما حد وزع مصاحف. طيب ما تعرف تشتري مصحف؟ قال: أشتري القرآن؟ كيف تشتري القرآن؟ لا ما تشتري القرآن، تشتري المصحف الذي طبع وجهز وبيع، ولولا أنه يباع ما وصل إليك، وليس حراماً أن يباع المصحف في مكتبة أو في محل، جائز، واحتسب الأجر عند الله عز وجل في شرائه. نعم لو يسر الله لك لا بأس، لكن ضرورة وجود مصحف، مصحفين، ثلاثة، أربعة، خمسة في البيت شيء طيب يا إخوان، وليس اقتناء وجمع المصاحف من أجل عرضها، تعرض في الرفوف فتعلاها الغبار ولا تفتح إلا في رمضان. لا يا إخوان، وجود المصحف في البيت هذا معين على القراءة والتلاوة والحفظ، والحفظ. يأتي واحد ويخرج إمام المسجد، قال: يا أخي والله رمضان جاي، أبغى مصحف من حق المسجد، وبعد رمضان برجعه لك. لا، ما يجوز هذا، وقف على المسجد، اذهب واشتري لك مصحفاً واحتسب الأجر عند الله عز وجل. فهذا يا إخوان من الأمور التي قد يغفل عنها من يغفل من الناس. طيب نكمل إن شاء الله عز وجل عقب الأذان. وهكذا أيها الأحبة في الله، من العبادات العظيمة التي يجتهد فيها المسلمون في رمضان عبادة الصوم، وصوم رمضان ركن من أركان الإسلام والمباني العظام التي يقوم عليها هذا الدين. في الصحيحين عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». فصوم رمضان ركن من أركان الإسلام. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ومعنى كتب أي فرض، ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامَ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أياماً معدودات. رمضان أحبتي في الله ليس سنة بأكملها وليس عدداً من الشهور، وإنما هو شهر واحد، أياماً معدودات، سرعانا ما تمر وتنتهي، سرعانا ما تدخل وتنقضي، ما يشعر الواحد إلا وقد مر العشر الأول، وشيئاً فشيئاً إذا بالعشر الأواسط، وما تبقى إلا العشر الأخير، وتمر كغيرها، أياماً معدودات. إذن الصيام من أجل العبادات التي يقوم بها المسلمون في رمضان، المسلمون في رمضان، رمضان وأجره عظيم: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال الله تعالى: إلا الصوم، ما له أجره أقل أم أكثر؟ أجره أكثر، قال: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». ولاحظ: «من أجلي»، إخلاص لله تبارك وتعالى. الناس ممكن أن نخادعهم، ممكن أن نكذب عليهم، يأتي واحد إلى بيته فيدخل مطبخه فيغلق باب المطبخ، يفتح الثلاجة يرى العصير ويرى الماء، يرى الفاكهة، يرى الطعام، ما الذي يمنعه أن يشرب ويأكل ثم يمسح آثار الطعام والشراب؟ لماذا لا تفعل ذلك؟ أنا أسألك: لماذا لا يفعل ذلك أحدنا؟ تدرون لماذا؟ خوفاً من الله عز وجل. رمضان والصيام يعلمنا الإخلاص، يعلمنا المراقبة لله عز وجل، يعلمنا الحياة من الله عز وجل. يستطيع يا إخوان أن يدخل غرفته ويغلق بابها ويفعل مع زوجته ما يريد، وتستره الزوجة، ما الذي يمنع؟ ما سبق ذكره فيما يتعلق بالمطعم والمشرب، وهكذا: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، وشهوته من أجلي». ولهذا أحبتي في الله ينبغي أن نعلم أن الصيام ليس مجرداً عن الطعام والشراب والشهوة فقط، لا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». أخطأ يا إخوان من صام عن الطعام والشراب والجماع ولم تصم جوارحه عن الحرام. صائم يكذب، صائم يسب ويشتم ويلعن، صائم يغتاب المسلمين، جالس في المسجد يعمل له حبوة أو يعمل له حلقة ويتكلم في الناس، وضع المصحف الذي كان يقرأ فيه، ويالله وين فلان، والله فلان اليوم ما رأيناه، شوفوا اللعاب هذا، شوفوا اللعاب كيف نايم في بيته، ما يصلي جماعة، يسهر في الليل هنا وهنا. ماذا تملق أنت؟ احفظ صومك، احفظ صومك، لا تقع في أعراض الآخرين فتفسد أجر صومك، ويبتليك الله عز وجل بأن تتغافل عن عيوب نفسك. لا يا إخوان، صائم ولربما لا يتورع عن سماع الأغاني ومتابعة الأفلام والمسلسلات، يخرج من صلاة الظهر ويفتح التلفاز، ما لك أنت صائم؟ قال: هذا مسلسل ديني، هذا مسلسل عمر بن الخطاب. أيها وبعدين؟ يجوز سماع الأغاني والموسيقى والنظر إلى النساء؟ هؤلاء يشوهون التاريخ الإسلامي في هذه القنوات والمسلسلات، يأتي رجل ساقط ويمثل عمر بن الخطاب، حرام، ما يجوز تمثيل الصحابة، بل التمثيل عموماً ما يجوز، كيف إذا كان تمثيل لهؤلاء الأخيار؟ يأتي بعضهم يمثل بعض الأنبياء، يمثل يوسف، يمثل يوسف، قال: مسلسل يوسف، ما يجوز، وفتاوى العلماء مشهورة في تحريم ذلك. كيف وهم يغيرون الحقائق ويزيفون الوقائع؟ ومن ذلك ما يعد قبل الآن، الآن خذها جاهزة، البرامج حق رمضان عام 1446 قد مثلت في أمريكا وفي ألمانيا وفي تركيا وفي غيرها، قد مثلت سواء كانت أفلاماً ومسلسلات محلية أو كانت عربية أو كانت أجنبية، فما يجوز يا إخوان أن يضيع أجر صومه مع الجوالات، حاول إن استطعت ألا تشغل نفسك بالجوال أثناء الصيام، أثناء الصيام، أثناء الصيام، فالوقت ثمين نفيس، كيف وهو في رمضان؟ كيف وأنت صائم؟ كان بعض السلف يا إخوان يجلس في المسجد أثناء الصوم، ما يخرج، في المسجد من بعد الفجر إلى المغرب، فإذا سئل عن ذلك، عن سبب ذلك، قال: «أحفظ صومي، أحفظ صومي». وهذا من العبادات العظيمة يا إخوان، المحافظة على الصوم، وإذا لم يحافظ المسلم على صومه أضاع الأجر الكثير. قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش». أين أجر الصوم؟ ألم نذكر قبل قليل قول الله عز وجل: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له»؟ أين أجر الصوم؟ ضاع مع القول، القول الحرام، والأفعال المحرمة. قال: «أحفظ صومي». وهكذا أيضاً من هذه العبادات العظيمة التي ينبغي يا إخوان أن نحرص عليها عبادة القيام، القيام، قيام رمضان. في الصحيحين عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً»، إيماناً يعني تصديقاً جازماً أن هذا فريضة من فرائض الله عز وجل، واحتساباً أي للأجر والثواب عند الله تبارك وتعالى، قال: «غفر له ما تقدم من ذنبه». «ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». «ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». قيام رمضان يا إخوان هذا من الأعمال العظيمة، من الأعمال العظيمة التي كان السلف رحمة الله عليهم يجتهدون فيها. جاء في حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى مع الإمام حتى ينصرف». ومعنى ينصرف ما معنى ينصرف؟ أن ينتهي من الصلاة، ما هو شرط لابد يخرج من المسجد، يبقى الواحد في المسجد يتابع، أخونا أبو خليل يقول: متى سيخرج؟ يلا نريد نذهب. لا، حتى ينصرف، أي حتى ينتهي الإمام من صلاته، قال: «كتب له قيام ليلة». وهذا يا إخوان يدل على عظم القيام وعظم أجره عند الله تبارك وتعالى. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: «أفضل الصيام صيام داود، وأفضل القيام قيام داود». عليه الصلاة والسلام كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. آدى داود عليه الصلاة والسلام. وإذا دخل العشر الأخير من رمضان كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: «كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل العشر أحيا ليله، لا ينام، وليس شرطاً أنه في الليل كله يصلي، وصلي، يدعو، يسبح، يقرأ قرآن، استغل الليل، وأيقظ أهله»، أي لكي يغتنموا الفرص ويستغلوا الليل. قالت: «وجد وشد مئزره». صلى الله عليه وسلم كان يقوم في العشر الأواخر ما لا يقوم في غيرها، أي من الليالي الأخرى، من الليالي الأخرى. وللأسف يا إخوان، من نظر إلى واقع مساجد المسلمين العامرة بالخير ولله الحمد والمنة يرى أمراً عجيباً، ما هو هذا الأمر؟ ما رأيكم؟ أول ليلة في رمضان الكل صلى التراويح من أولها إلى آخرها، طيب ثاني ليلة كذلك، ثالث ليلة كذلك، الأسبوع الأول جميل حسن، يبدأ الضعف والفتور من بعد العشر الأولى في الغالب، هنا الذي كان يصلي التراويح كاملاً لربما صلى أربعاً ثم خرج، ما لك؟ قال: معي مشوار. ما لك؟ قال: عندي أمر عمل. طيب صلي، أكمل الصلاة ثم انصرف، يكتب لك قيام ليلة. وأما إذا انتصف رمضان هنا يا إخوان، الضعف يقوى، الضعف يكثر في أوساط الكثير من المسلمين. وأما إذا دخل العشر الأخير، للأسف الشديد يا إخوان، بدلاً من أننا نجتهد أكثر، فإن الضعف يكون أكثر. تنظر إلى أسواق المسلمين تجد أنها ملآى ومزدحمة، ومزدحمة أحياناً مع صلاة العشاء، وأحياناً من بعد صلاة العشاء، تضيع الأوقات من أجل ثياب العيد. ذهب أول ليلة إلى سوق الشحر، إلى سوق الشحر، ما أعجبه شيء، ثاني ليلة ذهب إلى المكلا، هذا الشارع الذي في الشحر، الشارع الأول، كم مرات من الطرف إلى الطرف؟ لربما لم يشتري شيئاً أو اشترى بعضاً وبقي البعض الآخر، يلا نروح البلاد، قال: لعد ما كملنا، آسى نبات في المكلا ونكمل الباقي غداً. انظر تضيع ليالي عظيمة مباركة وهو من دكان إلى آخر ومن محل إلى آخر، من سوق إلى آخر، ليالي القدر يا إخوان تضيع على الكثير من الناس وهم على ذلك. أيضاً من هذه العبادات يا إخوان التي ينبغي أن نجتهد فيها الدعاء، فالدعاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة، الدعاء هو العبادة». ربنا عز وجل يا إخوان أمرنا بالدعاء ووعدنا بماذا؟ وعدنا بالإجابة، وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وقال تعالى بعد أن ذكر آيات الصوم قال بينها: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. تذهب عند قبر أو ضريح أو تدخل قبة وتزور شيخ؟ أبداً، الله عز وجل أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. ثم رجع إلى تتمة ما يتعلق بالصيام فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمُ﴾ الآيات. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن للصائم دعوة مستجابة، هذه الدعوة في جميع وقت الصيام منذ أن يمسك إلى أن يفطر، إلا أنها عند الفطر هي مظنة الإجابة أكثر، هي مظنة الإجابة أكثر. وهذا مما ينبغي أن يستغل، البعض إذا قرب وقت الإفطار يشغل نفسه بحديث، يشغل نفسه بكلام وقيل وقال، هو في غنى عنه، ينبغي يا إخوان قبل الإفطار، اللحظات الأخيرة من الصيام، حافظ على صومك، سبح، هلل، استغفر، لعل الله يغفر لك، لعل الله يستجيب لك دعوة، ادعو الله تبارك وتعالى. الشيطان يا إخوان يحاول أن يضيع علينا فرصاً وأن يضيع علينا أوقاتاً. ومن هذه العبادات كذلك الجود يا إخوان، الجود في رمضان، وكذلك كما مر معنا كان ذلك هو هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان كما قال ابن عباس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس»، أي في جميع الأوقات، ليس في رمضان فحسب، قال: «وكان أجود ما يكون في رمضان»، متى؟ قال: «حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن». هنا فائدة يا إخوان: مدارسة القرآن والعناية بالقرآن سبب لإصلاح القلوب وإصلاح الجوارح، فتجعل القلوب تلين فيجود الإنسان بالخير على غيره. قال: «فأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». وما وجه التشبيه هنا؟ جود النبي صلى الله عليه وسلم بالريح المرسلة، قال: الريح المرسلة ينتفع بها الأرض الحية، كذلك أيضاً الأرض الميتة، وهكذا جود النبي صلى الله عليه وسلم ينتفع به الفقراء والمساكين والمحتاجون، وهكذا أيضاً ينتفع به غيرهم ممن ليسوا من ذوي الحاجة. النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من فطر صائماً فله مثل أجره. رمضان يا إخوان شهر الجود، شهر التعاون، شهر التكافل الاجتماعي، شهر الإنفاق، صدقة في رمضان يا إخوان لها مزية عظيمة على غيرها من الأوقات الأخرى، على غيرها من الأوقات الأخرى. ومن ذلكم يا إخوان ما يحصل من التراحم بين الأرحام، الأرحام بين الأرحام، كم يا إخوان والظروف المعيشية القاسية التي يمر بها الكثير منا يحتاج إلى من يعينه، فتعين أخاك وأمك وأباك، وهكذا جارك، وهكذا قريبك. كم هو يا إخوان منظر جميل يوم أن يهدي الجار إلى جاره ولو شيئاً يسيراً، وعاء فيه شربة، خذ يا بني هذا الوعاء واذهب به إلى بيت جارنا فلان، أبشر يا أبي، يذهب يدق على باب الجار، من قال فلان؟ ويشمعك، فتح الباب، وإذا به وعاء فيه شربة، شيء يسير له أثر كبير. آخر أرسل وعاء فيه حبيبات من السمبوسة والبخمر والباقية والبطاطس، واذهب به أعطيه جارنا فلان. يا إخوان قد يصنع الواحد نوعاً واحداً، اليوم يا أبنائي سامحونا ما معنا إلا شربة، كيف ما في سمبوسة؟ قال: لا تعرفون الكيلو البصل بكذا والزيت بكذا إلى غيره، لكن لما يأتي وقت الإفطار وعاء الشربة أصبح بجانبه وعاء فيه مكرونة وآخر فيه مقليات، سمبوسة، باقمري، منين هذا؟ يا أبي أنت ما قلت إلا نوع واحد، هذا رزق ساقه الله لنا. أكد يا إخوان ينبغي أن نكون في رمضان، اليوم بعض الناس يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه، على نفسه، أنت تنفق والله عز وجل ينفق عليك، تخرج وعاء يأتي أوعية، يأتي أوعية، تنفق عشرة يعطيك الله مئة ألف إلى غير ذلك، فالجود يا إخوان في رمضان من الأمور المهمة جداً. العمرة في رمضان، العمرة في رمضان أخبر عليه الصلاة والسلام أنها كحجة، وفي بعضها: «كحجة معي». أم سليم رضي الله تعالى عنها ذكرت أن أبا طلحة ذهب إلى الحج وأخذ معه ابنه ولم يأخذها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان كحجة معي، كحجة معي». أكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأكذا أيضاً من هذه الأعمال العظيمة في رمضان الاعتكاف، والاعتكاف يا إخوان سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، أجمع العلماء على مشروعيتها