المحاضرة بعنوان المحافظة على العمل الصالح، والتي كانت بجامع عيص خرد بالشحر 25 جمادى الآخر 1443هـ الموافق 28 يناير 2022م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتحدث عن نعم الله المتوالية على عباده وفضل الله في الدنيا والآخرة، ويشير إلى أهمية الاعتراف بنعم الله والمداومة على ذكر الله وطاعته.
يحث على المحافظة على الأعمال الصالحة ويحذر من إحباطها، ويشدد على أهمية الإخلاص في العمل ليتقبله الله، مستشهدا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يُشدد على أهمية إصلاح الأعمال والتمسك بالسنة والطريق المستقيم، ويُبين عظيم مغفرة الله للعبد إذا تاب وأناب، ويحذر من أسباب الفرقة والاختلاف.
يدعو إلى كل خير يحتاجه العباد في الدنيا والآخرة، وينادي بنبذ التفرقات والتشتت، والتوفيق لسلوك الصراط المستقيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، أحبة في الله، لا زالت نعم الله جل وعلا تتوالى علينا، ولا زال فضل الله جل وعلا سابغًا علينا، وما بكم من نعمة فمن الله، فنعم الله كثيرة لا تعد ولا تحصى، والكريم هو الذي يعترف بالفضل لأهله، وإن المتفضل الأول والآخر هو الله جل وعلا، هو المتفضل وحده في الدنيا والآخرة، وهو المتفضل على عباده جميعهم، مسلمهم وكافرهم جل وعلا. فإننا نعترف بالفضل لله جل وعلا وحده، والاعتراف بالفضل لله على ما يتفضل به على عباده ذلك هو دأب الأنبياء والرسل، صفوة الخلق، صلوات رب وسلامه عليه. ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. «هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر»، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد ورد عنه أنه كان يقول من دعائه دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن». نحمده جل وعلا على فضله، ونحمده سبحانه ونشكره على نعمه الكثيرة، ومن نعم الله جل وعلا ومن فضله علينا أن يسر لنا أماكن نجتمع فيها، وأن يسر لنا إخوانا يذكروننا بالله جل وعلا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما. معاشر الأحبة، اعلموا أن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، كل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أعاذني الله وإياكم والسامعين جميعا من نيرانه، نحمده جل وعلا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى، نحمده على هذه النعم التي امتنَّ بها سبحانه وتعالى علينا. ذاك فضل من الله جل وعلا، كما نخصه سبحانه وتعالى بالدعاء والثناء والحمد على ما منَّ به علينا ربنا جل جلاله من نعمة الإسلام ونعمة الإيمان ونعمة الإحسان والتوفيق لسنة خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وسلم. «إن للمساجد أوتادا، الملائكة جلساؤهم، الذين يتوطنون المساجد، سماهم النبي صلى الله عليه وسلم أصولا، سماهم النبي صلى الله عليه وسلم أوتادا، من يجالسهم يجالسونهم ملائكة الرحمن». أحمد الله جل وعلا أولا وآخرا وظاهرا وباطنا أن الله وفقك واختارك من بين ملايين البشر أن توفقت لهذا الخير، احمد الله جل وعلا وداوم مداومة عظيمة على هذا الفضل وعلى هذا الخير. أنا عند ظن عبدي بي، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، أتريد أن يذكرك الله جل وعلا؟ أتريد أن تذكر ويصنع عليك وتذكر بالمهاتن وبالجمائل عند الملأ الأعلى عند الملائكة؟ الزم بيوت الله جل وعلا، الزم الذكر والخير، جاء في صحيح الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على حلقة في المسجد، فقال لهم: «ما أجلسكم؟»، قالوا: «جلسنا نذكر الله جل وعلا»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آه الله، ما أجلسكم إلا ذاك»، قالوا: «والله ما أجلسنا إلا ذاك»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما والله إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكني أتاني جبريل، وقال: يا محمد، إن الله يباهي بهؤلاء الملائكة». «غنيمة مجالس الذكر الجنة»، لو يعلم الناس هذا الخير ما فرطوا، والله ما فرطوا، وتالله وبالله ما فرطوا في مجالس الخير. أيها الأحبة، كلمتي التي اخترتها في هذا المجلس المبارك بعنوان المحافظة على الأعمال الصالحة، قال الإمام بن القيم رحمه الله: «ليس الشأن في العمل، ولكن كل الشأن في المحافظة على العمل من أن يحبط أو يذهب أجره». «قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا»، أو من قال الله جل وعلا فيهم: «وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منذورا»، أو من قال الله جل وعلا فيهم: «هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية». إن ذلك يا أيها الأحبة لهو قاصمة الظهر، وكل مصيبة بعد ذلك جلل، فيا خسارة العبد الذي يعمل من الصالحات ويعمل الأعمال والقربات، ويتفطن لبعض الطاعات، ولكن يأتي إلى الله يوم القيامة وأعماله هباء منثورا. «إنما يتقبل الله من المتقين»، حافظ يا عبد الله على عملك، حافظ يا عبد الله على صلاتك، لابد أن يكون لك الخوف من الله الذي يتقبل الله جل وعلا منك. أول من تسعر بهم النار ثلاثة: قارئ، ومنفق، ورجل جاهد في سبيل الله، فيقال لهم: «كذبتم، إنما فعلتم ذلك ليقال، وقد قيل»، فتأخذك الملائكة يا عبد الله إلى سخط من الله وإلى غضب من الله جل وعلا. احفظ عملك، فوالله وبالله وتالله إنما يتقبل الله من المتقين الذين أخلصوا الأعمال، هذا هو خوف السلف، لنكن مثل هذا الخير على مثل هذا الخير الذي سمعنا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومن كلام أصحابه الأبرار. أود أن أعطيكم بعض المحبطات للأعمال التي ذكرها العلماء، ولكن أظن أن الوقت لا يسمح لنا بذلك، اللهم إننا نسألك بعزتك وقدرتك أن شيخنا أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله ومتع به. ستكون له مشاركة في هذا المجلس المبارك عبر مكالمة أو عبر مكالمة مسجلة عبر الواتساب جاهزة بعد الآذان إن شاء الله، بعد الآذان سيكون ذلك، مشاركة منه أبا عبد الرحمن حفظه الله. شيخ عبد الله حفظه الله من المشايخ الفطناء النبلاء الفضلاء، ومن العلماء الذين نحسبهم والله حسيبه نفع الله جل وعلا به خيرا، ونفع الله جل وعلا به كثيرا، وهو قائم على دارين من دور العلم. أسأل الله جل وعلا بمنه أن يوفقنا وأن يجعلنا إخوة متحابين، وأن يجعل هذا الجهد المبارك زادا لنا ولكم أيها الأحباب عند الله جل وعلا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله عليه وعلى نبينا محمد على آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا. جزى الله إخواننا المشايخ الفضلاء خيرا على هذه الكلمات وهذه النصائح والتوجيهات التي سمعنا واستفدنا منها وانتفعنا. سمعنا في كلمة أخينا أحمد حفظه الله أن ما من الله سبحانه وتعالى به علينا من نعمة دينية أو دنيوية فهي فضل من الله سبحانه وتعالى. «وما بكم من نعمة فمن الله»، وهو القائل عز وجل: «قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم»، وهو القائل سبحانه: «قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون». فضل الله جل وعلا علينا عظيم، فلنتقلب في نعم الله وفي فضل الله سبحانه وتعالى علينا، وهذا يدعونا إلى أن نعرف هذا الفضل ونقوم بشكر الله سبحانه وتعالى عليه. وشكر النعم سبب لدوامها، وكفران النعم سبب لزوالها، والله عز وجل يقول: «ولئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد». سمعنا في كلمة أخينا الشيخ علي بساود حفظه الله شيئا من الأمر والحرص على المحافظة على الأعمال الصالحة التي هي رأس مال المسلم في هذه الدنيا. والتي هي زاده الذي يتزود به إلى الآخرة، كما قال الله جل وعلا: «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى»، والله عز وجل يقول: «ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون». هذه الأعمال الصالحة هو زادك الذي تتزود منه في هذه الدنيا، والذي ستحمله معك يوم أن تنتقل من هذه الدار إلى الدار الآخرة. لن تخرج من هذه الدنيا بدورها وقصورها وأموالها وكنوزها، وإنما تخرج بأعمالك الصالحة، عملك الصالح هو الذي يرافقك وهو الذي يصاحبك. «إذا مات الإنسان تبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله»، الأهل يرجعون من أولاد وأقارب وأصحاب، والمال كذلك يرجع. فأنت تحرص أيها المسلم على إصلاح أعمالك، إن كان عندك ذنوب وخطايا فباب التوبة مفتوح، تتوب إلى الله وترجع وتستغفر. والله عز وجل يغفر لك الذنوب مهما عظمت ومهما كبرت ومهما كثرت، والله عز وجل يقول: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم». والله عز وجل يقول: «والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما». نزلت هاتان الآيتان كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس أن ناسا أتوا النبي عليه الصلاة والسلام وهم من أهل الشرك ممن أكثروا في الذنوب والمعاصي. فقالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: «إن الذي تدعو إليه لحسن، لو أخبرتنا أن لما فعلنا كفارة»، فأنزل الله عز وجل هاتين الآيتين الدالتين على عظيم عفو الله وعظيم مغفرة الله جل وعلا للعبد إذا تاب وأناب. فلذلك تحرص أيها المسلم على صلاح الأعمال التي ستنتقل بها إلى الدار الآخرة، وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفة إلا من آمن وعمل صالحة. فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوه وهم في الغرفات آمنون، ثم كان ختام المسك لكلمة شيخنا المفضال ووالدنا المربي الكريم أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله ورعاه. وسدد الله على الدرب خطاه، وأشار في كلمته حفظه الله إلى الحرص على لزوم السنة ولزوم الطريق المستقيم والسير على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وما كان عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ومن بعدهم من التابعين وأتباع التابعين إلى يومنا هذا من الطريق السديد الذي يقوده والذي يقوم عليه العلماء الراسخون الربانيون. هذه الطائفة المنصورة والفرقة الناجية التي أخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام أنها لا تزال على الحق ظاهرة لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. قال الإمام أحمد والبخاري وابن معين والثوري وغير واحد من أهل العلم والحديث: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم»، إن لم تكن هذه الطائفة هم أهل الحديث المتمسكون بالكتاب والسنة. على فهم سلف الأمة فلا يدرى من هذه الطائفة، هذه الطائفة عباد الله هم أهل السنة والجماعة الذين هم وسط بين فرق أهل البدع والضلال في كل زمان وفي كل مكان. فهم وسط بين ضلال الناصبة وبين ضلال الرافضة في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم الوسط في باب القدر بين القدرية المعتزلة وبين الجبرية الجهمية. وهم الوسط في باب آيات الوعد والوعيد بين الخوارج وبين المرجئة، وهكذا بين سائر الطوائف وسائر أهل الأهواء، فأهل السنة والجماعة هم أهل الحق في كل زمان وفي كل مكان. فحري بالمسلم أن يكون منهم وأن يكون معهم، فإن دلائل صدقهم ودلائل كذلك هدايتهم ظاهرة وبينة لكل ذي عينين ولكل عاقل ولكل صادق يريد الحق والهدى. فهم لا يتغيرون ولا يتبدلون ولا يتلونون، يسيرون على طريقة واحدة وعلى طريق مستقيم، لا تغيرهم الأحوال ولا تقلبهم الأزمان. لأنهم يستقون من الوحيين الكريمين الشريفين ألا وهما كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فهم كالجبال الراسخة التي لا تؤثر فيها الرياح والعواصف. مهما جاءت الفتن ومهما جاءت المصائب فهم ثابتون على الحق والهدى، فكذلك ينبغي أن يكون المسلم حريصا أن يكون معهم وأن يكون من أهل هذه الدعوة المباركة. التي تدعو إلى كتاب الله جل وعلا وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تدعو إلى الاجتماع على دين الله وعلى الحق والهدى، ونبذي أسباب الفرقة والاختلاف. على لزوم الكتاب والسنة لا تجميع مع تمييع وتضييع للثوابت الدينية والثوابت الشرعية، ولكن بلزوم الكتاب والسنة تدعو إلى العمل بدين الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا تدعو إلى كل خير يحتاج له العباد في الدنيا والآخرة، فهم ممن ينبذون الأحزاب وينبذون التفرقات، وكذلك التمزقات التي تشتت الصف وتضعف قوة أهل الإسلام. فأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ونسأله سبحانه وتعالى أن يمن علينا وإياكم بسلوك الصراط المستقيم. وأن يجعلنا جل وعلا من أسباب الهداية والتوفيق، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين.