الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 16، ألقاها
يناقش المقطع تقسيم الصوفية للتوحيد إلى ثلاثة أنواع ويبين انتقادات هذا التقسيم. ينتقد المقطع قول الصوفية بأن ذكر الخاصة هو "الله الله" بدلاً من "لا إله إلا الله".
يتناول المقطع توحيد الأنبياء والرسل وأولو العزم، ويشير إلى أن أكمل الناس توحيدا هم الأنبياء وأولو العزم من الرسل. يبين أن توحيدهم هو توحيد الخاصة وليس العامة.
يناقش المقطع توحيد الخاصة وخاصة الخاصة ويبين أن رفضه يعتبر سفاهة. يشرح مسألة الفناء وأنواعه الثلاثة ويبين أن النوع الثالث يؤدي إلى القول بالاتحاد وهو قول باطل.
يجيب المقطع على سؤال حول ما هو الخير، ويبين أن الخير كل الخير فيما كان عليه الرسل وأتباعهم. يدعو إلى اتباع سبيل الله وطريق الرسل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، وقفنا في الدرس الماضي عند قوله رحمه الله تعالى: «وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب كما تقدمت إليه الإشارة، فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع». وتقدم معنا في الدرس الماضي أن المراد بهم أولئك الصوفية الذين يجعلون الناس طبقات في التوحيد، قال رحمه الله تعالى: «فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع»، وجعل هذا النوع توحيد العامة، وجعل هذا النوع إشارة إلى التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، يسمونه توحيد العامة. إذن، ما كان عليه الرسل والأنبياء وما دعا إليه الرسل والأنبياء هو عند هؤلاء إنما هو دعوة العامة، وفي هذا قدح واضح في مقام النبوة، إذ أن الأنبياء وهم أعلم الناس بالله جل وعلا وبدينه وشرعه كانوا على هذا النوع من التوحيد، وهؤلاء يسمون هذا النوع من التوحيد بأنه توحيد العامة. ولهم كذلك ألفاظ أخرى يطلقون على هذا النوع من التوحيد، فتارة يسمونه توحيد أهل الشريعة، وتارة يسمونه توحيد أهل الظاهر وتوحيد أهل الرسوم وأهل الأوراق، هذا هو توحيد العامة، لهم ألقاب كثيرة على هذا المعنى. قال: «والنوع الثاني توحيد الخاصة»، وهم الصوفية، ويسمونهم أهل الباطن، يقول: «توحيد أهل الباطن وأهل الأذواق أو الخاصة»، وما شابه ذلك. «والنوع الثالث» قال: «توحيد قائم بالقدم»، وتقدم معنا معنى هذا، وأنهم يجعلون الموحد هو الذي قذف في قلبه التوحيد، وتارة قد يراد به معنى آخر هو كما يقال خير من هذا المعنى، فقد يراد به أن الموحد يقذف في قلبه نورا وتوفيقا، وكذلك في لسانه نورا وتوفيقا، فيكون موحدا بذلك النور والتوفيق. وهذا كما ترون كذلك لا يتأتى إلا على مذهب الجبرية، لأن هؤلاء يجعلون التوحيد بإسقاط الأسباب، وإسقاط الأسباب من التوحيد ليس من التوحيد، ولا يتأتى إلا على مذهب الجبرية الغلاة. قال: «والنوع الثالث توحيد قائم بالقدم»، وهو توحيد خاصة الخاصة، الذين يصلون إلى مرحلة تسقط عنهم الشرائع، قال رحمه الله تعالى: «وهو توحيد خاصة الخاصة». ثم ذكر رحمه الله تعالى أن هؤلاء يجعلون لأهل التوحيد بكل واحد لفظ يخصه، فالعامة عامة الناس، ذكر العامة أن يقولوا: «لا إله إلا الله»، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خير ما قاله هو والأنبياء قبله «لا إله إلا الله»، كما جاء في حديث عرفة: «خير ما قلته أنا والأنبياء قبل يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، الحديث. وهؤلاء يقولون بأن هذا الذكر هو ذكر العامة، وذكر الخاصة ماذا يقولون؟ يقولون: «قولوا الله الله الله»، لماذا؟ يقولون: «نخشى أن الإنسان إذا قال لا إله إلا الله أن يموت في الجزء الأول من الكلمة فيموت» ويقول: «لا إله»، وإذا مات على ذلك يكون حكمه عندهم ملحدا. قالوا: «هذا ذكر العامة»، أما ذكر الخاصة فيبقى على الإثبات «الله الله الله»، هل هذا يا جماعة يدخل الإسلام؟ الجواب لا، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، وفي الحديث الآخر: «حتى يشهد أنه لا إله إلا الله وأن رسول الله»، وجاء في حديث ابن عباس في بعثة معاذ إلى اليمن: «مرهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن رسول الله»، ألا حديث في ذلك كثيرة؟ ألا حديث في ذلك كثيرة؟ بل دعوة الأنبياء والرسل كما أخبر الله جل وعلا أنها قائمة على هذا المعنى، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون﴾، والآيات في هذا كثيرة. وهؤلاء يقولون بأن هذا الذكر هو ذكر العامة، وذكر الخاصة أن يقول: «الله الله»، طيب ما هو ذكر خاصة الخاصة؟ قالوا: «أن يقول أن يذكر الله جل وعلا بالضمير»، أن يقول: «هو»، لذا تجدهم يقولون: «هو هو»، وما شابه ذلك على أنه ذكر، وهذا عندهم ذكر الخاصة، حرم هؤلاء الخاصة أعظم الذكر، حتى لفظ الجلال لا يذكرونه. قال رحمه الله تعالى: «فإن أكمل الناس توحيد الأنبياء»، أي أكمل الناس من كان على توحيد الأنبياء، كما سمعت أنه يحتمل أن يراد به ما سمعت أولا من أن الموحد هو الموحد، ويحتمل أن يراد به أنه قذف في قلوب العباد التوحيد فصاروا بذلك موحدين، لكن بهذا الاعتبار نفوا الفعل من العبد، نفوا الفعل من العبد، وهذا باطل، بل العبد فاعل حقيقة، والرب جل وعلا فاعل حقيقة، فالرب جل وعلا موحد لنفسه حقيقة كما قال الله جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾، والعبد إذا وحد الله جل وعلا فهو موحد لله جل وعلا حقيقة بفعله. قال رحمه الله تعالى: «فإن أكمل الناس توحيد الأنبياء صلوات الله عليهم»، أي فإن أكمل الناس توحيدا من كان على توحيد الأنبياء، ومن اتبعهم على ذلك التوحيد كذلك ناله من الكمال بحسب ما قام في قلبه من التوحيد. قال: «والمرسلون منهم أكمل في ذلك»، قال: «وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيدا»، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، هؤلاء أكمل الناس توحيدا كما قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في قول الله جل وعلا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، هل «منها» هنا لبيان الجنس أم أنها للتبعيد على قولين لأهل العلم، فمن أهل العلم من رأى الأول، ومنهم من رأى الثاني. وعلى القول الأول بأنها لبيان الجنس، قالوا: «معناه أن كل الرسل من أولي العزم»، فتكون الآية: «فاصبر كما صبر أولي العزم وهم الرسل أجمع»، وهم الرسل أجمع. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن «منها» هنا للتبعيد، وأن المراد بهم الخمسة المذكورون في سورة الأحزاب، وفي سورة الشورى، وهذا هو الصواب، يدل على أنه الصواب قول الله جل وعلا في كتابه الكريم في حق آدم عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلِ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، وقال الله جل وعلا كذلك في حق يونس عليه السلام: ﴿فَاصْبِرْ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، الآية. قال رحمه الله تعالى: «وأكملهم توحيدا خليلا محمد وإبراهيم صلوات الله عليهما وسلام»، فإنه ما قام من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علما ومعرفة وحالا ودعوة للخلق وجهادا، فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه. قال رحمه الله: «ولهذا أمر سبحانه نبيه أن يقتدي بهم فيه»، كما قال تعالى بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحيح التوحيد، وذكر الأنبياء من ذريته: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ﴾، فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم. وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام وعلى كلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين»، وهذا الحديث صح من حديث عبد الرحمن بن أبزة كما في مسند أحمد وسنن الدارمي وغيرهما، وجاء من حديث أبي بن كعب وفيه ضعف. والشاهد منه واضح: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين»، فملة إبراهيم التوحيد، ودين محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا، وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله، وفطرة الإسلام هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام له عبودية وذلا وانقيادا وإنابة. فهذا توحيد خاصة الخاصة، لا كما زعم أولئك أن توحيد الرسل والأنبياء والذي دعا إليه الرسل والأنبياء إنما هو توحيد العامة، بل إن صح التعبير بأن هذا التوحيد هو توحيد الخاصة الذين هم أعلم الخلق بربهم جل وعلا. قال رحمه الله: «فهذا توحيد خاصة الخاصة الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء»، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، إلى آخر الآيات. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، ولو أنه سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها كان أحق، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان مطلوبا منا لنبه الشارع عليه ودعا الناس إليه وبينه، فإن على الرسول البلاغ المبين. ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى مسألة الفناء، قال: «لا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوه أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة ينتهي إلى الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية»، وهو درب خطر يفضي إلى الاتحاد. والفناء كما مر معنا مرارا يقسم إلى ثلاثة أقسام: فناء عن إرادة السوى، ومعنى هذا أنه لا يريد إلا ما يريد الله جل وعلا، لا تكون له إرادة إلا ما أراده الله، فلا يميل إلا إلى ما أراده الله جل وعلا، فهذا كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من حيث المعنى معنى صحيح ومطلوب. والنوع الثاني من الفناء: فناء عن شهود السوى، بمعنى أنه لا يشاهد إلا الله، كما يعبرون بأنه يغيب بمشهوده عن شهوده، فلا يبصر من حوله ولا يشعر بمن حوله ولا يلتفت إلى من حوله، بل يشاهد الله ويراقب الله في صنعته وفي خلقه وفي إبداعه سبحانه وتعالى. والنوع الثالث من أنواع الفناء: فناء عن وجود السوى، ومعنى هذا أنه لا يرى أو لا ينظر في الوجود إلا إلى وجود الله، فكل ما هو موجود في الوجود فهو الله، وهذا هو قول أهل الاتحاد، قول باطل منكر والعياذ بالله. فالحاصل أن هذا الفناء الذي قد تقدم معنا أنه بمعنى الإضمحلال والتلاشي، سواء كان على المعنى الأول أو الثاني أو الثالث، يفضي إلى القول بالوحدة، لأن أولا كما سمعتم يقدم الإرادة عن إرادة السوى، وتأتي الطبقة الثانية لا يشهد إلا الله، وتأتي الطبقة الثالثة أشد منها فلا ترى في الوجود إلا الله، وهذا هو حقيقة قول الاتحادية. ثم ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قول أبي إسماعيل الهروي في الأبيات التي أنشدها، حيث يقول: «ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد»، إلى آخر الأبيات. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى شارحا لهذه الأبيات: «قال يعني ما وحد الله عز وجل أحد سواه»، أي سوى الله، وكل من وحد الله فهو جاحد بحقيقة توحيده، فإن توحيده يتضمن شهودا ذات الواحد وانفراده. قال: «وتلك اثنينية ظاهرة»، بخلاف توحيده لنفسه، فإنه يكون هو الموحد والموحد والتوحيد صفته وكلامه القائم به، فما ثم غير اثنينية ولا تعدد. قال: «فمن وحده من الخلق فلابد أن يصفه بصفة»، وذلك يتضمن جحد حقه الذي هو عدم انحصاره تحت الأوصاف، فمن وصفه فقد جحد إطلاقه من قيود الصفات. وقوله: «توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد»، قال ابن القيم: «يعني توحيد الناطقين عنه عارية مردودة كما يسترد العواري»، إشارة إلى أن توحيدهم عارية لا ملك لهم، بل حق أعارهم إياهم كما يعير المعير تاجه لغيره ينتفع به ويكون مالك للمعير لا للمستعير. قال: «أبطلها الواحد»، أي الواحد المطلق من كل الوجوه، وحدته تبطل هذه العارية وتردها إلى مالكها الحق، فإن الواحد المطلقة من جميع الوجوه تنافي ملك الغير لشيء من الأشياء، بل المالك لتلك العارية هو الواحد. قال رحمه الله: «فهذا كلام بعيد عن الصواب»، لكن هل هو حقيقة قول أهل الاتحاد أم لا؟ الأمر محتمل، وهذا فضل الله، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها كان أحق. والحاصل كما ذكر رحمه الله تعالى بأن كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، ولو أنه سلك الطريق القويم لكان من أهل الصراط المستقيم حقا وحقيقة. قال: «فالخير كل الخير فيما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه صحابته»، ولو كان الخير في ما قاله المتأخرون لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته أسبق إليه، قال الله جل وعلا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. فالجواب: أن الخير كل الخير فيما كانوا عليه، أن الخير كل الخير فيما كان عليه الرسل وأتباع الرسل، بل ربنا جل وعلا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، إلى آخر الآية. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.