الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 32، ألقاها
يشرح مفهوم الكمال الممكن الوجود في حق الله تعالى، ويبين أن الفعل في حق الله يدل على كماله. يُثبت أن الحوادث ممكنة أزلا وأبدا، وأن الله هو الخالق.
يوضح مفهوم الحوادث التي لا أول لها ويفرق بين قول أهل السنة والفلاسفة، مشيرا إلى أن أهل السنة يقولون بحوادث لا أول لها باعتبار النوع. دوام فعل الله يدل على كماله.
يناقش مفهوم التسلسل في أفعال الله ومخلوقاته، ويفرق بين التسلسل الواجب في أفعال الله والتسلسل الممكن في مخلوقاته. يبين أن الفعل يدل على الكمال بينما عدم الفعل مع الإمكان يدل على النقص.
القول باستحالة الفعل لذاته يؤدي إلى تناقض في وصف الله تعالى بقدرته على الفعل. يُبين أن أهل السنة يفرقون بين الفرد والنوع في المخلوقات ويقولون بحوادث لا أول لها باعتبار النوع.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود، والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود. وحينئذ، فإذا كان النوع دائما، فالممكن والأكمل هو التقدم على كل فرد من الأفراد، بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجود. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، بعد أن ذكر الشارح رحمه الله تعالى من الأدلة ما يدل على أن الله جل وعلا فعال لما يريد، وعلى أن الفعل في حق الله جل وعلا كلما كان مستمرا وكلما كان متجددا، دل على كمال الخالق جل وعلا. لذا قال رحمه الله: والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود. أي أن الكمال الممكن في حق الله جل وعلا شرعا وعقلا، أي أن الشرع دل على إمكانه، وكذا دل على إمكانه العقل. إذ أن العقل الصريح لا يناقض ولا ينافي النقل الصحيح. فكما ذكر رحمه الله أنه قال: والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود، كما تقدم معنا. وأن ذكرنا بأن كون الله جل وعلا فعالا لما يريد أبدا وأزلا يدل على ماذا؟ يدل على الكمال. وكل كمال في حق الله جل وعلا، كل كمال أمكن في حق الله جل وعلا أن يتصف أو أن ينسب إلى الخالق جل وعلا، فإنه يكون كذلك. ما دل على ذلك العقل، ودل عليه النقل. العقل من حيث أننا لو قلنا بأن الله جل وعلا لم يكن فاعلا ثم فعل، لنزم من ذلك النقص، وضد النقص هو الكمال. وما هو ضد كونه سبحانه وتعالى لم يكن فاعلا ثم كان فاعلا؟ ضده أنه كان فعالا أبدا وأزلا. واضح هذا. القول بأن الله جل وعلا لم يكن فاعلا ثم صار فاعلا يلزم منه الجمع بين النقيضين، وذلك بأن يقال بأن الفعل في حق الله جل وعلا انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، بعد أن كان ممتنعا ذاتا صار ممكنا ذاتيا. وهذا تناقض محض، وهو مستحيل. إذ القول بأنه ممتنع ذاتا لا يمكن أن يكون ممكنا، والقول بأنه صار ممكنا ينفي أن يكون قد كان ممتنعا. فإذن، هذا التناقض يدل على بطلان ذلك. إذن، إما أن يقال بأنه لم يكن فاعلا، وإما أن يقال بأن الله جل وعلا الفعل في حقه ممتنع ذاتيا، وإما أن يقال في حق الله جل وعلا أن الفعل في حقه ممكن. وإذا نظرنا إلى القول الأول، وهو امتناع كون الخالق جل وعلا فاعلا، حقيقة هل هذا حق أو باطل؟ الجواب ماذا؟ الجواب أنه باطل. لماذا باطل؟ لأن الحس والواقع يدل على حدوث الحوادث. فحدوث الحوادث يدل على إمكانها. فإذن، إمكانها وظهورها بعد ظهورها، أي ظهور هذه الحوادث يدل على أنها ليست ممتنعة. فإذا ما بقي معنا إلا القول الثاني، ما هو القول الثاني؟ القول الثاني بأنها ممكنة، بأن الحوادث ممكنة في حقه الرب جل وعلا أزلا وأبدا. لأننا لا نستطيع أن نخرج عن هذا الأمر. واضح يا جماعة، إما أن نقول ممتنعة، أو أن نقول ماذا؟ ممكنة. أو أن نجمع بين النقيضين، أو أن نرفع النقيضين. واضح يا جماعة، أن نجمع بين النقيضين كما حصل من الجهمية، قالوا: كان ممتنعا ذاتيا ثم صار ماذا؟ ثم صار ممكنا ذاتيا. وإما أن نقول برفع ماذا؟ النقيضين، بأن يقال: لا نقول بأنه ممتنع، ولا نقول بأنه ماذا؟ بأنه ممكن. والجمع بين النقيضين كرفع ماذا؟ والنقيضين، كما هو معلوم لا يجتمعان ولا يرتفعان. فامتناع اجتماع النقيضين كامتناع ارتفاعهما واضح يا جماعة أم لا؟ إذن، هذا ممتنع. إذن، القسمة كما سمعتم رباعية، يعني بالتقسيم كما يقال بطريقة التقسيم، القسمة ماذا؟ رباعية. إما أن يقال في حق الله جل وعلا: إما أن يقال الحوادث وجودها ممتنع، وقد بينا أن هذا ممتنع. واضح يا جماعة، لماذا؟ لأن الحوادث ممكنة موجودة. الثاني أن يقال بأن الحوادث لا ممتنعة ولا ممكنة، أو قل بأن الحوادث كانت ممتنعة ثم صارت ماذا؟ ممكنة. وهذا جمع بين النقيضين، والجمع بين النقيضين من ماذا؟ من المستحيلات. واضح. الأمر الثالث أن يقال: لا يقال بأنها ممكنة، ولا أنها ممتنعة. وكذا يقال: رفع النقيضين كالجمع بين النقيضين مستحيل. بقي الأمر الرابع، وهو ماذا؟ أن يقال بأن الحوادث ممكنة أزلا وأبدا، كما أنها ممكنة ماذا؟ أبدا. واضح جماعة، من هذا من حيث العقل، والنقل دل على هذا، والنقل دل على هذا بالأدلة التي ذكرها الشارح رحمه الله تعالى وغيرها. لذا قال رحمه الله: والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود. واضح جماعة، من لا الكمال؟ إنما هو والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود. لذا قال: وحينئذ، فإذا كان النوع دائما، فالممكن والأكمل هو التقدم على كل فرد من الأفراد، بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه. بمعنى أننا وإن قلنا بأن الحوادث باعتبار نوعها لا أول لها، مع قولنا بأن الحوادث باعتبار أفرادها وأحدها ما من حادث إلا وهو مسبوق بعدم. مع قولنا بأن الحوادث لا أول لها، لا يعني هذا أن الحوادث كانت مقارنة لله جل وعلا في الوجود، كما قالت من؟ كما قالت الفلاسفة. لماذا؟ لأن هذا ممتنع، لأن هذا ممتنع. إذ أن الله جل وعلا هو الخالق، وما سواه هو ماذا؟ وما سواه فإنه ماذا؟ فإنه مخلوق. وقولنا بأنه مخلوق معناه أنه وجد أوجده الله جل وعلا بعد أن لم يكن موجودا. لكن كما سمعتم، هل معنى هذا أن ثم مدة متراخية بين الخالق والمخلوق، كما قيل؟ الجواب: لا. الجواب ماذا؟ لا. بل بينهما كما أرشد إلى هذا القرآن الكريم: أن الله جل وعلا إذا أراد شيئا قال له كن فيكون. فيكون تعقيب وجود المخلوقات بعد إرادة الله جل وعلا إيجادها. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. الله جل وعلا إذا أراد شيئا قال له إيش؟ كن. قال: فيكون. والفا عند أهل اللغة وعند أهل المعاني تفيد ماذا؟ تفيد التعقيب. تفيد التعقيب، أي أن المفعول يكون عقب الأمر، والأمر يكون مسبوقا بماذا؟ بالإرادة التي هي من ماذا؟ من فعل الله جل وعلا. الإرادة التي هي من فعل الله جل وعلا، وفعل الله جل وعلا من مسبوق ممن؟ من الله جل وعلا. واضح جماعة، فإذا هناك محدث مخلوق مفعول وجد عقب إرادة الله جل وعلا أن يكون، فكان. ما هناك تراخ بين كون الله جل وعلا يريد الشيء وبين وجود ذلك الشيء. بمجرد أن يريد ذلك الشيء يقول له كن فيكون. مجرد أن يقول له كن فماذا؟ فيكون. لو منها هنا نعلم أن الحوادث، أن القول بأن حوادث لا أول لها لا يعني بأنها مقارنة لله جل وعلا. بل الله جل وعلا هو الأول الذي ليس قبله شيء سبحانه وتعالى، والمخلوقات أوجدها الله جل وعلا بإرادته وفعله. قال لها كن، قال لمن شاء من خلقه كن فماذا؟ فكان. كن فكان أزلا، كن فكان ماذا؟ أزلا. لأنه ما من مدة يتصورها الإنسان ويدخلها العد والحساب إلا والإمكان ماذا؟ قبلها. حتى تنتهي إلى ماذا؟ إلى الأول سبحانه وتعالى الذي ليس قبله شيء. ومنها هنا نعلم أنه لا إشكال على قول أهل السنة والجماعة في بالقول بماذا؟ بالقول بحوادث لا أول لها باعتبار النوع. ففرق بين قول أهل السنة والجماعة وبين قول من؟ وبين قول الفلاسفة الذين يقولون بأن هذه المخلوقات المحدثة وجدت مع الله. وجدت ماذا؟ مع الله. واضح جماعة، لأن هذا القول كما هو ظاهر باطل. كما هو ظاهر ماذا؟ باطل. إذ أن هذه المحدثات إذا سميت محدثات، ومعنى محدث أن أحدثت بعد أن لم تكن موجودة، فيلزم من ذلك أن تكون مسبقة بماذا؟ بعدم. وهؤلاء يقولون بأنها ماذا؟ لم تسبق بعدم. فحقيقة قول الفلاسفة ماذا؟ حقيقة قول الفلاسفة أن هذا المحدث ليس بمحدث. واضح جماعة، حقيقة قول الفلاسفة ما هو؟ أن هذا المحدث، ومعنى المحدث أنه إيش؟ ممكن. واضح جماعة، ومعنى الممكن أنه ما يمكن وجوده وعدمه، وأنه وجد بعد أن لم يكن موجودا. هذا هو معنى المحدث، ومعنى ماذا؟ الممكن. ومع هذا الفلاسفة ماذا؟ يقولون: يقولون بأنها حوادث لا أول لها، وأنها لم تسبق بعدم. واضح جماعة، وما لم يسبق بعدم، هل هو ممكن أو واجب؟ هيا جماعة، من لم يسبق بعدم موجود، ولم يسبق بعدم، هو واجب أو ممكن؟ هو ماذا؟ واجب. واضح جماعة، فيلزم من قول هؤلاء من قول هؤلاء الفلاسفة أنهم قالوا في المحدث: إن قالوا بأنه ممكن مخلوق، يلزم من قول بأنهم قالوا في المحدث أنه ممكن، وأنه ماذا؟ وأنه إيش يا جماعة؟ وأنه واجب. واضح. والوجوب ينفي إيش؟ الإمكان. كما أن الإمكان ينفي ماذا؟ الوجوب. فيكونون بذلك قد جمعوا بين ماذا؟ بين النقيضين. الجهمية جمعت بين الامتناع والإمكان، والفلاسفة جمعوا بين ماذا؟ بين الوجوب وماذا؟ والإمكان. وكلاهما على باطل، وهما كما قيل على طرفين نقيض. على طرفين نقيض. والحق بين هؤلاء وهؤلاء. فكل ما سوى الله فهو إيش؟ فهو مخلوق. كل ما سوى الله سبحانه وتعالى فهو ماذا؟ فهو مخلوق. ومعنى قول أهل السنة والجماعة بحوادث لا أول لها باعتبار النوع، باعتبار بمعنى أنه ما من زمن يفرض إلا والإمكان قبله. واضح جماعة، ما من زمن يفرض إلا والإمكان قبل، حتى ينتهي هذا الأمر إلى ماذا؟ إلى الأول الذي ليس قبله شيء. الذي ليس قبله شيء، كما أنه باعتبار المستقبل ينتهي إلى ماذا؟ إلى الآخر الذي ليس بعده شيء. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. فهو الأول كما قال الله جل وعلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. فهو الأول والآخر. كما قال من؟ السلف ماذا؟ مكانا. فأحاط الله جل وعلا بجميع العباد زمانا وماذا؟ ومكانا. هذا كما يقال خلاصة ما يقال في هذا. فضل قال رحمه الله: وأما دوام الفعل، وهو أيضا من الكمال، فإن الفعل إذا كان صفة كمال، فدوامه دوام الكمال. يقول الشارح رحمه الله: وأما دوام الفعل، أي دوام الفعل. وقول الفعل ها هنا، الفعل مصدر قد يراد به الفعل الذي هو فعل الله جل وعلا، وقد يراد به الفعل الذي هو ماذا؟ المفعول. الفاعل الذي هو ماذا؟ المفعول. فيقول رحمه الله قال: وأما دوام الفعل، فهو أيضا مما ذني الكمال. وهم متلازما دوام الفعل، سواء قلنا بأنه مصدر، وهو فعل الله جل وعلا، أو قلنا بأنه مفعول، بمعنى المخلوق. فهم ماذا؟ متلازما. إذ فعل الله جل وعلا يلزم منه ماذا؟ وجود المخلوقات. كما أن وجود المخلوقات تدل على فعل الله جل وعلا، تدل على أن الله جل وعلا فعل ذلك الفعل. فيقول رحمه الله: وأما دوام الفعل، فهو أيضا من الكمال. لماذا؟ من الكمال؟ لأن الله جل وعلا أولا أخبر في كتابه الكريم بأنه ماذا؟ فعال لما يريد، على سبيل ماذا؟ على سبيل الثناء والمدح لنفسه المقدسة. على سبيل المدح والثناء لنفسه المقدسة. فكلما كثر الفعل منه سبحانه وتعالى، كلما دل على الكمال. إذن، فكثرة الفعل ودوام الفعل يدل على ماذا؟ يدل على الكمال. هذا باعتبار ماذا؟ باعتبار النص. وباعتبار كذلك العقل. باعتبار العقل، كما تقدم معنا: أن من هو فعال أزلا وأبدا أكمل مما إن فرض بأنه لم يكن فاعلا في زمن من الأزمنة، بل كان معطلا عن الفعل ثم صار بعد ذلك ماذا؟ ثم صار بعد ذلك فاعلا. ثم صار بعد ذلك فاعلا. فإذن، هو كما قيل: أو كما قال: وأما دوام الفعل، الفعل فهو أيضا من الكمال. فإن الفعل إذا كان صفة كمال، فدوامه دوام كمال. فدوامه دوام كمال. إذا كان الفعل صفة كمال، فإذا دوام الفعل من الله جل وعلا: أن الله يفعل ما يشاء، ويفعل ما يريد سبحانه وتعالى، ويوجد ما شاء، ويخلق ما شاء إلى غير ذلك، يدل على ماذا؟ يدل على كماله جل وعلا. وكل كمال ممكن في حق الله جل وعلا، فإنه يضاف إلى الله جل وعلا بهذا الاعتبار. لأن كل كمال أمكن في حق ربي جل وعلا، فهو ماذا؟ فيتصف. فيكون في حق الله جل وعلا. إذ أن الله جل وعلا هو معطي الكمال، وما كان معطي الكمال فهو ماذا؟ فهو أولى بكل كمال ممكن. فضل قال رحمه الله: قالوا: والتسلسل لفظ مجمل، والتسلسل لفظ مجمل لم يرد بنفيه ولا إثبات كتاب ولا سنة ليجب مراعاة لفظه. وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن. فالتسلسل في المؤثر محارب ممتنع لذاته. هو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية. هذا النوع الأول من التسلسل. الإمام بن أبي العز رحمه الله يقول: التسلسل لفظ مجمل، لم يأت بإثبات ولا بنفيه كتاب ولا سنة. والقاعدة في الألفاظ المجملة كما مر معنا مرارا: أنها لا تثبت مطلقا ولا تنفى مطلقا، وإنما يتوقف في لفظها ويستفصل في ماذا؟ في معناها. فذكر رحمه الله تعالى أن التسلسل عند القائلين بالتسلسل يطلق على التسلسل الواجب والتسلسل الممتنع والتسلسل الممكن. فبدأ رحمه الله تعالى أولا بالتسلسل الممتنع. قالوا: هو التسلسل في ماذا؟ في المؤثرين. ومعنى التسلسل في المؤثرين، أي التسلسل في الخالقين. التسلسل في الخالقين في الموجدين في المحدثين. بمعنى أن ما من محدث إلا وهو مسبوق بماذا؟ بمحدث. بمعنى أن المحدث اكتسب إحداث نفسه من غيره، وكل محدث اكتسب إحداث نفسه من غيره إلى ما لا نهاية. إلى ما لا نهاية. وهذا باطل شرعا وعقلا. باطل شرعا، لأن الله جل وعلا يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. فالله جل وعلا هو الخالق، وما سواه فهو ماذا؟ فهو المخلوق. ربنا جل وعلا ألا له الخلق والأمر. وتقدم معنى كذلك من الأدلة الكثيرة المتكاثرة، سواء كانت النقلية أو الإجماع. إجماع أهل الأرض إلا من عاند واستكبر. وكذلك الأدلة الفطرية: بأن كل إنسان بفطرته السليمة يعلم أن الله جل وعلا هو الخالق، وما عداه فإنه ماذا؟ فإنه مخلوق. واضح جماعة لا، هذا باعتبار ما سمعتموه: النقل والإجماع والفطرة. بقي العقل. من حيث العقل: أن القول بالمؤثرين أو الخالقين أو المحدثين أو ما يعبر عنهم بواجب الوجود أو ما يعبر عنه عند المتكلمين: الأول عنده الفلاسفة، والثاني عندهم المتكلمين بالقديم. معناه أنه لم يسبق بعدم. واضح جماعة، المحدث هو ما لا يسبق بعدم. واجب الوجود هو الذي يمتنع انعدامه. القديم هو الذي يمتنع انعدامه. فكيف بعد هذا يقال بأنه ماذا؟ بأنه اكتسب وجوده من غيره؟ معناه أنه كان ممكنا أو كان عدما أو موجودا. معناه أنه كان عدما. وهذا حق. هذا يقال في حق واجب الوجود أو في حق ممكن الوجود. في حق ممكن الوجود. إذن، معنى هذا أنهم يقولون: واجب الوجود هو ممكن الوجود. واضح جماعة. إذ أنهم قالوا: المحدث والمحدث واجب الوجود اكتسب وجوده من غيره. معنى هذا أنه كان إيش؟ كان عدما. وما كان عدما ثم وجد فهو إيش؟ ممكنا. فهو ما فهو ممكن. واضح جماعة، فكأنهم يقولوا: واجب الوجود فهو ممكن الوجود. وهذا جمع بين إيش؟ بين النقيضين. وهذا يدل على إيش؟ يدل على امتناع ما ذهبوا إليه وما قالوه. واضح هذا يا إخوان أم لا؟ قالت فضل قال رحمه الله: والتسلسل الواجب ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد. وأنه كل من قضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيما آخر لا نفاد له. وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل. وأن كل ما فعل مسبوق لفعل آخر. فهذا واجب في كلامه. فإنه لم يزل متكلما إذا شاء. ولم تحدث له ولم تحدث صفة الكلام في وقت. وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته. فإن كل حي فعال. والفرق بين الحي والميت بالفعل. ولهذا قال غير واحد من السلف: الحي الفعال. وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال. ولم يكن ربنا ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن كماله. ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن كماله من الكلام والإرادة والفعل. قوله رحمه الله تعالى: والتسلسل الواجب. التسلسل الواجب هو في ماذا؟ في أفعال رب جل وعلا وكلامه. وكلامه سبحانه وتعالى من أفعاله. إذ أنه داخل تحت فعل الله جل وعلا. إذ أن الله جل وعلا تكلم متى شاء كيف شاء بما شاء سبحانه وتعالى. ولكن الكلام خص بالذكر لما وقع في مسألة الكلام من النزاع الكبير المشهور. واضح هذا جماعة لا. فإذن، قوله رحمه الله: والتسلسل الواجب ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال رب تعالى في الأبد. وأنه كل من قضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيما آخر لا نفاد له. قال: وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل. وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر. بمعنى أن الله جل وعلا فعال أزلا وأبدا. واضح جماعة، وها هنا الكلام على ماذا؟ على الفعل الذي هو صفة من صفات الله جل وعلا. أو على المفعول الذي هو من مخلوقات الله جل وعلا؟ الكلام هي هنا على الفعل الذي هو من صفات الله جل وعلا. فأفعال الله جل وعلا من صفاته. صفات الله جل وعلا أزلية بأزليته أبدية بأبديته واجبة بوجوبه. واضح جماعة أم لا؟ هذا خلاصة ما يقال في التسلسل الواجب. واضح جماعة، أفعال الله من صفاته. وصفات الله جل وعلا أزلية بأزليته أبدية بأبديته واجبة بوجوبه. واضح جماعة أم لا؟ إن أن الصفة تعود إلى ماذا؟ تعود إلى الموصوف. وتأخذ حكم الموصوف. وتأخذ ماذا؟ حكم الموصوف. فهي أزلية بأزليته وأبدية بأبديته ودائمة كذلك بماذا؟ بدوام سبحانه وتعالى. لم تحدث له صفة بعد أن لم يكن. وكذلك لم يحصل له فعل بعد أن لم يكن. بل هو بصفاته سبحانه وتعالى أزل وأبدا. واضح هذا يا أخوان أم لا؟ وقد تقدم معنا هذا الكلام. طيب فضل الثالث قال رحمه الله: وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف كما تتسلسل في طرف الأبد. فإنه إذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما وذلك من لوازم ذاته. فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له. وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل. ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه. فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدما لا أول له. فلكل مخلوق أول والخالق سبحانه لا أول له. فهو وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق كان بعد أن لم يكن. طيب قوله رحمه الله: وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته. أي في ماذا؟ في مخلوقاته. بمعنى أنه يخلق ما يخلق بماذا؟ بفعله وإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى. فيقول رحمه الله: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف. ومعنى التسلسل كما مر: معنى ترتب أمور لا نهاية لها باعتبار الأجل وباعتبار ماذا؟ وباعتبار الأبد. فيقول: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، أي من طرف ماذا؟ من طرف الأجل. من طرف الأجل كما تتسلسل في طرف الأبد. واضح أي: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، أي من طرف الأزل. أي من طرف القدم. واضح جماعة، من طرف الماضي. قال: كما تتسلسل في طرف الأبد. أي في طرف المستقبل. في طرف المستقبل. قال: فإنه إذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما كما ثبت معنا في الأمر الأول. وأن هذا واجب في حق الرب جل وعلا. واضح جماعة. قال: وذلك من لوازم ذاته. أي من لوازم ذات الرب جل وعلا. لأن الحي لا بد أن يكون فاعلا. لا بد أن يكون قادرا. لا بد أن يكون مريدا. لا بد أن يكون ماذا؟ متكلما. لا بد أن يكون متكلما. وإذا وجدت هذه الأمور وجدت معها متعلقاتها. ووجدت معها كذلك ماذا؟ فالشيخ رحمه الله يقول: فإنه إذا لم يزل حيا والحي من لوازمه كذلك قال ماذا؟ قادرا. أي يقدر على أن يفعل ما يشاء كيف شاء. قال: مريدا. كذلك إذا أراد شيئا يكون كما أراد. قال كذلك متكلما. يقول له كن فماذا؟ فيكون. قال: وذلك من لوازم ذاته. أي من لوازم ذات الرب جل وعلا. لأنها من كمالات الرب جل وعلا الواجبة التي لا تنفك عنه. قال: فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له. فالفعل ممكن له. وتأمل إلى قوله: ممكن. أي باعتبار الإمكان. ممكن بموجب هذه الصفات. ما هي هذه الصفات؟ إشارة إلى ماذا؟ إلى كونه حيا قادرا مريدا متكلما. قال: وأن يفعل أكمل من ألا يفعل. الآن يقول: ما دام أن الفعل في حقه ممكن بموجب هذه الصفات. وأن فعله سبحانه وتعالى أزلا كما أن فعله كذلك ماذا؟ أبدا. فالكمال من الكمال أن يفعل أو أن لا يفعل؟ يقول رحمه الله: وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل. لماذا؟ لأنه إذا كان حيا إذا كان قادرا إذا كان مريدا إذا كان متكلما ثم لا يفعل. يدل على كمال أو على قصور في ماذا؟ في القدرة. على قصور في الحياة. على قصور في الإرادة. على قصور كذلك في ماذا؟ في الأمر. واضح جماعة لا. يقول: يدل على ماذا؟ أن الفعل يدل على الكمال. وعدمه مع الإمكان يدل على إيش؟ عدم الفعل مع الإمكان يدل على إيش؟ على الكمال أو على النقص؟ يدل على النقص. واضح جماعة. نتأمل إلى هذه الفقرات وهذه العبارات. يقول رحمه الله: وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل. قال: ولا يلزم من هذا يعني: ولا يلزم أنه يكون فاعلا أزلا. ولا يلزم من هذا أن يكون فاعلا. أي من كوني أن نقول بأن الله جل وعلا الفعل في حقه ممكن. بل وجود المخلوقات أزلا بخلق الله جل وعلا لها يدل على ماذا؟ يدل على الكمال. لماذا؟ لأن لو قلنا بأنها ممكنة المخلوقات إمكان حوادث لا أول لها ممكن في حق الرب جل وعلا. والرب فعال خالق ومريد وقادر على الفعل. ومع هذا لا يخلق. مع الإمكان ومع هذا لا يخلق. مع الإمكان يدل على ماذا؟ يدل على النقص. وضد النقص ماذا؟ الكمال. ثم لو افترضنا لو افترضنا من حيث الكمال والأكمل. لو افترضنا من حيث الكمال والأكمل والأكمل لا من حيث الكمال والنقص. لا نفترض الآن من جهة أخرى وهي من حيث الكمال والأكمل. أيهما أكمل أن يخلق ويفعل ما يريد؟ أن يفعل ما يريد. وكما ذكرنا أن الفعل في حقه كل ما كثر وتنوع ودام يدل على ماذا؟ يدل على الكمال. أو على النقص؟ يدل على الكمال. لما دلت على ذلك الأدلة السابقة. فكون الله جل وعلا يفعل ما يشاء وما يريد بقدرته وإرادته. وما يقول لكم فيكون. أكمل أم أن نقول بأن الله جل وعلا مع إمكان الفعل فإنه ظل زمنا طويلا لم يفعل ثم فعل؟ أيهما أكمل؟ الأكمل أول لا شك ولا ريب. لماذا؟ لأن الفعل ودوامه وكثرته يدل على ماذا؟ يدل على الكمال. وكل كمال في حق الله جل وعلا أمكن أن يضاف إلى الله جل وعلا. فإنه يضاف إلى الله جل وعلا. ولا سيما وقد دل على هذا ماذا؟ العقل والنقل. قد دل على هذا العقل والنقل. قال رحمه الله: ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه. لماذا؟ لما تقدم؟ قال: فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدما لا أول له. وتأمل إلى قوله: على كل فرد. إذ أن أهل السنة والجماعة في هذا الباب يفرقون بين ماذا؟ بين الفرد والنوع. بين الفرد والنوع. فيقولون: كل فرد مسبوق بعدم. ما من مخلوق إلا هو مسبوق بعدم. ما من مخلوق إلا هو مسبوق بعدم. حتى تنتهي هذه المخلوقات إلى من؟ إلى الأول الذي ليس قبلهم شيء سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا الخالق وما سواه ماذا؟ وما سواه مخلوق. أما باعتبار النوع فيقولون ماذا؟ فيقولون بحوادث لا أول لها. لماذا؟ لأنه ما من زمن قد يفترضه العقل بأنه هذا مبدأ للحوادث. والعقل يفترض أنه تم وقت ماذا؟ قبل ذلك الوقت إلى ماذا؟ إلى ما لا نهاية. حتى تنتهي جميع المخلوقات إلى من؟ إلى الأول الذي ليس قبلهم شيء سبحانه وتعالى. لذا قال رحمه الله: قال: فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدما لا أول له. فلكل مخلوق أول والخالق سبحانه لا أول له. كما قال الله جل وعلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء». الحديث. قال رحمه الله: والخالق سبحانه لا أول له. فهو وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق كان بعد أن لم يكن. كان بعد أن لم يكن. فضل قال رحمه الله: قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه. وكل من اعترف بأن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل لزمه أحد أمرين لا بد له منهما. إما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا وإما أن يقول لم يزل واقعا. وإلا تناقض تناقضا بينا. حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل والفعل محال ممتنع لذاته لو أراده لم يكن. لو أراده لم يمكن وجوده. بل فرض إرادته عنده محال وهو مقدور له. وهذا قول ينقض بعضه بعضا. يعني يقول الشارح رحمه الله: قالوا: أي قال أهل السنة والجماعة أو جمهور أهل السنة والجماعة في هذا المسألة. وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه. قال: وكل من اعترف بأن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل لزمه أحد أمرين. وهذا يذهب إليه من؟ يذهب إليه أهل السنة والجماعة فقط. يذهب إليه أهل السنة والجماعة فقط. من أن الله جل وعلا لم يزل فاعلا ولم يزل قادرا أبدا وأزلا. واضح جماعة. فيقول: من كان يقول بهذا القول فيلزمه أحد أمرين لا ثالث لهما. ما هو؟ يقول رحمه الله: إما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا. وإما أن يقول لم يزل واقعا. ما الفرق بين الإمكان والوقوع؟ الإمكان يقولون: ما دام أن الله جل وعلا قادر على الفعل أزلا وأبدا. فيدل على إمكان وجود مخلوقات لا أول لها. لماذا؟ لإمكان وجود مخلوقات لا أول لها. لماذا؟ لأن الله جل وعلا يفعل ما يشاء والله قادر على كل شيء. واضح جماعة. فيقول: إذن ممكن أن الله يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد أزلا وأبدا. واضح جماعة. وقال آخرون منهم: بل كون الله جل وعلا قادر أزلا وأبدا. وكون الله جل وعلا فعل ما يريد أزلا وأبدا. يدل على وقوع ذلك الفعل. وعلى وقوع ما أراده الله جل وعلا أزلا وأبدا. وعلى أن الله جل وعلا خلق مخلوقات لا أول لها باعتبار النوع. إذ أن خلق المخلوقات أزلا يعتبر كمالا. وكل كمال أمكن في حق الخالق فماذا؟ فينسب إلى الرب جل وعلا ويضاف إليه. فضل قال رحمه الله: وإلا تناقض تناقضا بينا. كيف يتناقض تناقض بينا؟ قال: حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل. والفعل محال ممتنع لذاته لو أراده لم يمكن وجوده. يعني: لو لم يقل بالإمكان فضلا عن الوقوع. لا بد أن يقع في التناقض. لماذا؟ لأنه سيقول بأن الله جل وعلا لم يكن قادرا على الفعل ثم صار قادرا على الفعل. وأن المخلوقات المحدثات كانت ممتنعة ثم صارت ماذا؟ ثم صارت ممكنة. وهذا تناقض بين. وهذا تناقض بين. لذا قال: قال: وإلا تناقضا بينا. حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل. ومع هذا يقول: الفعل محال ممتنع لذاته. واضحة جماعة. لم يزل قادرا على الفعل. ثم يقول: والفعل ماذا؟ ممتنع لذاته. فهذا ممكن أو