التعليقات على كتاب الأدب المفرد 287

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 287، ألقاها

حكم طلب الشعر وسماعه

ذكر الإمام البخاري بابين في كتاب الأدب المفرد يتعلقان بالشعر، الأول في جواز طلب إن شاد الشعر وسماعه مستدلاً بحديث الشريد. والثاني في كراهة امتلاء جوف الإنسان بالشعر مستدلاً بحديث ابن عمر.

ذم الإكثار من الشعر وتأثيره السلبي

ذم النبي لمن يغلب عليه الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن، واستدل بالآية الكريمة على أن الشعراء يتبعهم الغاوون مع استثناء الشعراء المؤمنين.

استثناء الشعراء المؤمنين وتوضيح حالهم

يشرح المقطع استثناء الشعراء المؤمنين الذين يعملون الصالحات ويذكرون الله كثيرا من الذم، فهم ينتصرون لدين الله ولا يصدهم الشعر عن ذكر الله.

تأثير الشعر على المتفقهين وحكمهم

كراهية الشعر لمن يغلب عليه، بينما لا يضر الشعر من كان الغالب عليه ذكر الله والاهتمام بالعلم وحفظ القرآن كما ذكر الإمام البخاري.

  • 16 جمادى الآخرة 1433هـ - 07/05/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب من استنشد الشعر، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، قال سمعت عمر بن الشريد، عن أبيه الشريد، قال استنشدني النبي صلى الله عليه وسلم شعر أمية بن أبي الصلت، وأنشدته، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هيه هيه، يعني زد، قال حتى أنشدته مئة قافية، فقال: «إن كاد ليسلم». هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب من استنشد الشعر، أي من طلب من أخيه أن ينشده الشعر. وأراد رحمه الله ذكر حكم ذلك، أي حكم أن يطلب الإنسان من أخيه أن ينشده الشعر، وأن يسمعه الشعر، وأن هذا لا بأس به. وذكر حديث الشريد أنه قال: استنشدني النبي صلى الله عليه وسلم شعر أمية بن أبي الصلت، أي طلب منه أن يسمعه من شعر أمية بن أبي الصلت. وقد مر معنا في الأحاديث التي مضت أن أمية بن أبي الصلت ممن أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام، ولقي النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، ومات على الكفر. وكان له شعر حسن في إثبات توحيد الله عز وجل، والمدح والثناء على الله سبحانه وتعالى. وكان شعره في هذا شعر حسن، ولذلك أحب النبي عليه الصلاة والسلام أن يسمعه، فطلب من الشريد أن يسمعه من شعر أمية بن أبي الصلت، فأنشده بيتا كما جاء في رواية أخرى، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: يعني زد، فزاده حتى أسمعه مئة بيت، أسمعه مئة بيت من شعر أمية بن أبي الصلت. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن كاد ليسلم»، يعني لما في شعره من إثبات التوحيد وربوبية الله عز وجل، والثناء على الله سبحانه وتعالى، وذم عبادة غير الله. والشاهد من هذا الحديث هو جواز طلب إن شاد الشعر، وسماع الشعر من الآخرين ممن يحفظه، فإن هذا لا بأس به. قال: باب من كره الغالب عليه الشعر، قال حدثنا عبيد الله بن موسى، قال أخبرنا حنظلة عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا». وهذا الحديث مر معنا في الباب السابقة، وهو حديث صحيح في صحيح الإمام البخاري، أو في مسلم كذلك. وفيه ذم النبي عليه الصلاة والسلام لمن كان الغالب عليه الشعر، لمن كان الغالب عليه حفظ الشعر حتى غلب على حفظ القرآن، وما ينبغي أن يتم به من العلم والذكر، فإن هذا من الأمر المذموم. ولهذا بوب عليه هنا باب من كره الغالب عليه الشعر، وذكرنا أنه بوب عليه في صحيح البخاري باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر، حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن. فالذي يهتم بالشعر حتى يكون هو الغالب عليه، لا شك أنه سيصد عما هو أهم من ذكر الله عز وجل، وحفظ القرآن، والاهتمام بالعلم. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا»، لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، والقيح هو الصديد، وكذلك النجاسات نحوها مما هو قبيح. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا»، يعني إذا غلب عليه الشعر، إذا غلب عليه الشعر، فيكون هذا من الأمر المذموم. والذي ينبغي أن يهتم الإنسان بالعلم، وحفظ القرآن، وذكر الله عز وجل. وإن كان معه شيء من الشعر، لكن ليس هو الغالب، فهذا لا بأس به، كما مر معنا في الأحاديث السابقة. ولهذا ذكر رحمه الله في هذا الباب قول الله عز وجل: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾، أي ذكر هذه الآية لأن هذا هو حال أكثر الشعراء، ومن يهتم بالشعر ويكون الغالب عليه الشعر، فإن الغالب أنه تغلب عليه الغواية والضلالة، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. قال: قال حدثنا إسحاق، قال أخبرنا علي بن الحسين، قال حدثني أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ إلى قوله: ﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾، قال: فنسخ من ذلك، واستثنى، فقال: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ إلى قوله: ﴿ينقلبون﴾. وهذا الأثر صحيح إلى ابن عباس، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. فالله عز وجل يقول: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل وادي يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾. فأخبر الله عز وجل أن الشعراء يتبعهم الغاوون، أي يتبعهم الظالمون، يتبعهم الظالمون. وقيل: إن هذه الآية يراد بها الكفار الشعراء من الكفار، فيتبعهم الغاوون، أي الظالمون من الجن والإنس. لكن الآية عامة، فهي تشمل كل من انتصف بهذا الوصف من الشعراء. قال: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل وادي يهيمون﴾، قال ابن عباس: أي في كل لغو يخوضون، في كل لغو وباطل يخوضون. وهذا حال الشعراء، فتجدهم يخوضون في كل لغو، وفي كل باطل، ويهيمون في ذكر ومدح هذا الباطل، إما في مدح فلان بالكذب والباطل، أو في ذمه كذلك بالكذب والباطل، أو كذلك في مدح بعض الأشياء المحرمة كمدح الخمر مثلا، أو كذلك يهيمون في مدح النساء والتغزل بهن، أو كذلك في مدح الدنيا إلى آخر ذلك، وغير ذلك من الأشياء الكثيرة التي يخوض فيها الشعراء. ﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾، أي يقولون في أشعارهم ما لا يفعلونه، ما لا يفعلونه. فربما يذكر في شعره ما فيه معنى الشجاعة والإقدام، ونصر الدين، والله سبحانه وتعالى، وهو على خلاف ذلك، أو العكس. وما يذكر في شعره ما فيه مدح لبعض المحرمات ونحوها، وهو لا يأتيها، أو غير ذلك من مثل هذه المعاني التي قد يقولها الشعراء. ولهذا كما قيل: أحسن الشعر أكذبه، أحسن الشعر أكذبه، لأن الغالب على الشعراء الكذب، الغالب على الشعراء الكذب في شعرهم، إلا من استثنى الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿إلا الذين آمنوا﴾. ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا﴾، يعني كانوا من الذاكرين لله، والغالب عليهم الذكر، فهؤلاء لا يصدهم الشعر عن ذكر الله، ولا يغويهم. ﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾، أي قيل إذا هجاهم أحد من الكفار، فإنهم ينتصرون لدين الله سبحانه وتعالى، فيهجوهم نصرة لله ولرسوله. وقول ابن عباس: فنسخ من ذلك، واستثنى، يريد بالنسخ هنا التخصيص، يريد به التخصيص. فإن المتقدمين كثيرا ما يطلقون لفظ النسخ، ويريدون به التخصيص، لا يريدون به معنى النسخ عند المتأخرين الذي هو رفع الحكم وابداله. وإنما يريدون به معنى التخصيص، فالآية هنا لم تنسخ، لكن خصصت، خص الله عز وجل، واستثنى أهل الإيمان: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ إلى آخر الآيات، أي فليسوا ممن يتصفون بهذا الوصف، وصف الغواية والهيمان، وقول ما لا يفعلون. فإن أهل الإيمان والأعمال الصالحة ممن يستثنى من ذلك. وقد جاء عند ابن أبي حاتم أن عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، لما نزلت هذه الآية: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾، أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهم يبكيان، ويقولان: قد أنزل الله عز وجل هذه الآية، ونحن من الشعراء، فأنزل الله عز وجل: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾. لكن هذا الحديث لا يصح، فهو مرسل. وإن كان معنى صحيح من حيث صحة الاستثناء، فإن الآية استثنت منها أهل الإيمان والأعمال الصالحة، والذاكرين الله عز وجل كثيرا. ولأجل هذا ذكره هذا الأثر الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب، باب من كره الغالب عليه الشعر، أي من لم يكن كذلك، فهذا لا يكون ما ذمه المذموم، إذا كان عنده شيء من الشعر، لكن ليس هو الغالب عليه، وإنما الغالب عليه هو ذكر الله عز وجل، واهتمام بالعلم، وحفظ القرآن، ونحو ذلك، فإن هذا لا يضره. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على