الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 319، ألقاها
يشرح المقطع حديثا عن أبي هريرة حيث ينفي الكذب عن نفسه ويؤكد صحة سماعه للحديث من النبي صلى الله عليه وسلم. يؤكد أبو هريرة استحالة كذبه على النبي مع انتفاع الناس بذلك الحديث.
يناقش المقطع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المشي في نعل واحدة، ويبين اختلاف العلماء في تفسير هذا النهي. يوضح أن النهي قد يكون للكراهة أو التحريم مع استدلال ببعض الأفعال النبوية.
يشرح المقطع جواز ضرب الرجل فخذ أخيه عند التعجب أو التنبيه دون قصد الأذية مستندا إلى بعض الآثار عن الصحابة. يستدل الإمام البخاري بهذا على جواز مثل هذا الفعل.
يتضمن المقطع الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. يعتبر هذا الدعاء من السنن المستحبة في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، كان يلقب بأمير المؤمنين في الحديث، وكان أيضا يلقب بالمصحف لشدة وقوة حفظه للقرآن. عن أبي رزين عن أبي هريرة، قال: رأيته يضرب جبهته بيده، ويقول: يا أهل العراق، تزعمون أني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَيَكُونُ لَكُمُ الْمَهْنَأُ وَعَلَيَّ الْمَأْثَمُ؟ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهَ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا قَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِي فِي نَعْلِهِ الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهُ. وهذا الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وقوله: قال رأيته، يعني هذا قول أبي رزين أنه رأى أبا هريرة يضرب جبهته بيده، فعل ذلك على وجه التعجب والإنكار على من اتهمه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل العراق. ولهذا قال: يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على رسول الله؟ أي أني آتي بأحاديث وأقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقلها رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال: أيكون لكم المهنأ وعلي المأثم، يعني هل أحدث بأحاديث تنتفعون بها، فيكون لكم الهناء بها والانتفاع، وعلي المأثم، أنا آثم إن كنت كذبت على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنا الآثم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. فكيف أكذب عليه فتنتفعون أنتم بذلك، وأنا أوقع نفسي في المأثم وأعرض نفسي للهلاك؟ هذا شيء لا يعقل. وأيضا كانوا أنكروا عليه ما حدث به من هذا الحديث، فلذلك قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا انقطع الشسع نعل أحدكم فلا يمشي في نعله الأخرى حتى يصلحه. وعند الإمام الترمذي بسند صحيح أن عائشة رضي الله عنها قالت: لأخيفن أبا هريرة، فيمشي في نعل واحدة. وأرادت بذلك الإنكار على أبي هريرة، وكانت رضي الله عنها لم يبلغها هذا الحديث، لم يبلغها هذا الحديث الذي سمعه أبو هريرة من النبي عليه الصلاة والسلام. فقالت: لأخيفن أبا هريرة، يعني لأفعلن فعلا يخالفه، لأفعلن فعلا يخالفه. وقالت ذلك رضي الله عنها مع عدم علمها بصحة هذا الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فأخبر رضي الله عنه أنه سمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمشي في نعله الأخرى حتى يصلحه. وشسع النعل: السير الذي يكون في أعلى النعل، يوضع فيه الأصبع. إذا انقطع فلا يمشي الإنسان في نعل واحدة، بل يصلح هذا النعل ثم يمشي بكل النعلين، أو يخلع كلا النعلين ويمشي بلا نعل. فهذا فيه النهي عن المشي في نعل واحدة. والإمام النووي رحمه الله نقل الإجماع، إجماع أهل العلم على أن النهي في هذا الحديث للكراهة وليس للتحريم. وخالف في ذلك ابن حزم، وذهب إلى تحريم المشي في نعل واحدة. وجاء عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما مشى في نعل واحد. وهذا موقوف عليها من قولها، من قولها رضي الله عنها. وحمله بعض أهل العلم كما قال ابن عبد البر أو ابن العربي أن هذا يحمل عند الحاجة، يحمل على الجواز عند الحاجة، أو أن يكون يسيرا، يعني خطوات يسيرة على ما يصلح النعل الذي انقطع. على أن ظاهر الحديث أنه لا يمشي بنعل واحدة ولو خطوات، قال: إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمشي في نعله الأخرى حتى يصلحه، معنى أنه يقف ويصلح النعل ثم يمشي. وقال ابن سيرين رحمه الله: كانوا يكرهون أن يمشي الرجل في النعل الواحدة، ويقولون: ولا خطوة. يعني السلف رحمهم الله كانوا يكرهون أن يمشي الرجل في نعل واحدة، ولا حتى خطوة، بل يقف ويصلح النعل ثم يمشي. حتى سئل الإمام مالك رحمه الله في من قطع نعله وكانت الأرض في غاية الحرارة، ماذا يفعل؟ قال: يقف حتى يصلح نعله. وحكمة النهي كما ذكر أهل العلم أن في المشي بنعل واحدة تشويها للماشي، لما يمشي بنعل واحدة يكون هيئته هيئة فيها نقص. وكذلك أيضا أنه ربما يمشي بنعل واحدة فيعثر ويسقط، فلا يكون مشيه منتظم ومعتدل. وذكر بعض أهل العلم كذلك أن من حكمة النهي أنه لا يقع في شيء من الشهرة، معروف أن الإنسان إذا خالف الناس في شيء من الأشياء واشتهر بها صار محل نظر الناس، والناس ينظرون إليه. فلأجل ذلك نهي عن أن يمشي في نعل واحدة حتى يصلح النعل الذي انقطع، أو لغير ذلك من الحكم التي ربما نجهلها. فما دام أننا علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فلا يمشي الرجل في نعل واحدة حتى يصلح نعله إذا انقطع، فيصلح النعل ثم بعد ذلك يكمل مشيه. واستفاد من هذا الحديث والأثر ضرب أبي هريرة رضي الله عنه جبهته أو جبهته بيده على جواز مثل هذا الفعل عند حصول التعجب أو الإنكار. وهو وإن لم يكن على ما بوب عليه الإمام البخاري رحمه الله: ضرب الرجل يده على فخذه عند التعجب. وذكر ما يدل على هذا التبويب في حديث علي رضي الله عنه. فإن الضرب باليد في الجبهة هو مثل ضرب اليد في الفخذ، لا فرق بينهما. فإذا جاز ذلك ضرب اليد في الفخذ، فكذلك يجوز ضرب اليد في الجبهة عند التعجب، أو كذلك حصول ما يوجب الإنكار أو نحو ذلك. قال رحمه الله: باب إذا ضرب الرجل فخذ أخيه ولم يرد به سوءا. قال: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أيوب ابن أبي تميمة عن أبي العالية البراء، قال: مر بي عبد الله ابن الصامت، فألقيت له كرسيا فجلس، فقلت له: إن ابن أبي زياد قد أخر الصلاة، فما تأمر؟ فضرب فخذي ضربة أحسبه قال: حتى أثر فيها. ثم قال: سألت أبا ذر كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، فقال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركت معهم فصلي، ولا تقل: قد صليت فلا أصلي. وهذا الأثر صحيح، وقد صح مرفوعا فيما مر معنا في الأبواب السابقة من قول النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر. وهنا قاله أبو ذر رضي الله عنه لعبد الله بن الصامت. وأراد الإمام البخاري رحمه الله الاستدلال بهذا الأثر على جواز ضرب الرجل فخذ أخيه إذا لم يرد به سوءا، يعني لم يرد بذلك أذيته، وإنما قصد أن يلفت انتباهه. فعبد الله بن الصامت لما سأل أبو العالية، لما سأل عبد الله بن الصامت ضرب على فخذه من باب التنبيه أن ينتبه ما سيلقي عليه. وقد يكون كذلك فعل مثل ذلك على وجه الإنكار، ولا يراد به السوء والأذية، فمثل هذا جائز. وأخبر أنه أتى أبا ذر رضي الله عنه فسأله، فضرب أبو ذر فخذ عبد الله بن الصامت، فلذلك فعل عبد الله بن الصامت مثل ذلك، اقتداء بفعل أبي ذر. ثم أخبر بقول النبي عليه الصلاة والسلام: صل الصلاة لوقتها، وإن كان لم يرفعه، لكن مر معنا الحديث مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومر الكلام عليه فيما يتعلق به من بعض فقهه. قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركت معهم فصلي، ولا تقل: قد صليت فلا أصلي. وفيه أيضا زيادة على ما مر أن الذي أخر الصلاة هو ابن أبي زياد، أنه أخر الصلاة. ومر معنا أن المراد بتأخير الصلاة الصلاة تأخيرها عن أول وقتها. فإذا حصل مثل ذلك جاز للإنسان أن يصلي الصلاة في أول وقتها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.